إيمان سكينة
لقد تأمل المسلمون، على مرّ القرون، في السماء بوصفها آيةً من آيات قدرة الله تعالى وحكمته. ويحثّ القرآن الكريم المؤمنين مرارًا على التدبر في النجوم والقمر، وتعاقب الليل والنهار، والنظام البديع الذي يقوم عليه الكون. واليوم، لم يعد الإنسان يكتفي برصد الفضاء، بل أصبح يخوض غماره ويصل إليه بنفسه. وهذا يثير تساؤلات جديدة أمام رواد الفضاء المسلمين: كيف يؤدون الصلاة في ظل انعدام الجاذبية؟ وكيف يصومون شهر رمضان عندما تشرق الشمس وتغرب مرات عديدة في اليوم الواحد؟ وكيف يحددون اتجاه القبلة وهم يدورون حول الأرض؟
وتؤكد هذه الأسئلة أن الإسلام ليس دينًا يقتصر على مكان بعينه، بل هو دين يصاحب المؤمن أينما كان، سواء على اليابسة أو في البحر أو في الجو أو حتى في الفضاء.
ويحثّ القرآن الكريم المسلمين على التأمل في الكون بروحٍ من الإعجاب والخشوع. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190].
تعكس هذه الآية روحًا إسلاميةً أصيلة تقوم على التأمل والبحث والاستكشاف. وقد اهتم علماء المسلمين عبر التاريخ بعلم الفلك، لا بدافع الفضول العلمي فحسب، بل أيضًا لمعرفة أوقات الصلاة، وتحديد التقويم الهجري، واستقبال القبلة. ومن هذا المنطلق، فإن رواد الفضاء المسلمين في عصرنا يواصلون تقليدًا حضاريًا عريقًا يجمع بين الإيمان والعلم.
الإسلام خارج كوكب الأرض
الإسلام دين عالمي، لا يقتصر على بلد معين، أو مناخ محدد، أو حتى على كوكب واحد. يقول الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 115].
ولا يعني ذلك سقوطَ وجوب استقبال القبلة في الصلاة، وإنما يذكّر المؤمن بأن رحمة الله وعلمه لا يحدّهما اتجاهٌ أو مكان. كما أن الشريعة الإسلامية راعت أحوال المشقة والضرورة؛ فالمريض يجوز له أن يصلي جالسًا، والمسافر يشرع له قصر الصلاة، ومن تعذّر عليه استعمال الماء جاز له التيمم. وتكتسب هذه المبادئ أهميةً خاصة في بيئة الفضاء، حيث تفرض الظروف تحديات غير مألوفة تستدعي تطبيق أحكام التيسير التي جاءت بها الشريعة الإسلامية.
كيف يؤدي رواد الفضاء المسلمون الصلاة؟
تبقى الصلاة فريضةً واجبة على المسلم، لكنها تُؤدَّى بحسب الاستطاعة. ففي الفضاء، قد يصعب القيام والركوع والسجود بسبب الجاذبية الصغرى (انعدام الوزن تقريبًا)، ولذلك يمكن لرائد الفضاء أن يصلي وهو مُثبَّت في مكانه، أو أن يكتفي بالإيماء إذا تعذّر عليه أداء الحركات كاملة. فالمقصود من الصلاة هو الإخلاص لله تعالى وإقامة ذكره، لا تكليف الإنسان بما يفوق قدرته.
وأما الوضوء، فيحتاج كذلك إلى بعض التكيّف مع ظروف الفضاء؛ إذ إن الماء محدود الكمية، كما أن تطاير قطراته قد يعرّض الأجهزة الحساسة للخطر. لذلك يستخدم رواد الفضاء الماء بحرص شديد، وإذا تعذّر استعماله أو لم يكن آمنًا، فإن الشريعة الإسلامية تجيز اللجوء إلى التيمم بوصفه بديلًا مشروعًا عند تعذر استعمال الماء.
تحديد اتجاه القبلة
يُعدّ تحديد اتجاه القبلة من أكثر التحديات إثارةً للاهتمام في الفضاء. فعلى الأرض، يتوجه المسلمون إلى الكعبة المشرفة في مكة المكرمة عند أداء الصلاة، أما في المدار، فإن المركبة الفضائية تتحرك باستمرار حول الأرض، مما يجعل المحافظة على اتجاه ثابت أمرًا بالغ الصعوبة. ولذلك يرى العلماء أن على رائد الفضاء أن يستقبل القبلة قدر استطاعته عند بدء الصلاة، فإن تعذّر عليه الاستمرار في الاتجاه نفسه بسبب حركة المركبة، أكمل صلاته على حسب استطاعته، وتكون صلاته صحيحة بإذن الله.
الصيام في شهر رمضان
أما الصيام، فقد راعت الشريعة الإسلامية فيه كذلك مبدأ التيسير والحكمة. ففي محطة الفضاء الدولية قد يشاهد رائد الفضاء شروق الشمس وغروبها مرات عديدة خلال اليوم الواحد، الأمر الذي يجعل الاعتماد على هذه الظاهرة لتحديد أوقات الصيام غير عملي. لذلك يوصي كثير من العلماء بالالتزام بمواقيت المكان الذي انطلقت منه الرحلة، أو بمواقيت مكة المكرمة، أو بأي جدول زمني ثابت معتمد على الأرض. وإذا كان الصيام يعرّض صحة رائد الفضاء للخطر أو يؤثر في سلامة المهمة الفضائية، فإن الإسلام يجيز له تأجيل الصيام إلى وقت آخر. قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185].
الإيمان بين النجوم
إن استكشاف الفضاء لا يُضعف الإيمان، بل يزيده رسوخًا لدى كثير من المسلمين. فالنظر إلى الأرض من المدار يكشف مدى ضآلة الانقسامات البشرية أمام عظمة الكون، ويجعل الإنسان يدرك سعة خلق الله سبحانه وتعالى وجلاله. ويغدو الكون بأسره تذكيرًا بأن العلم والعبادة ليسا طريقين متعارضين، بل هما سبيلان متكاملان يقودان إلى معرفة عظمة الخالق والإقرار بقدرته.
وسواء كان المسلم على الأرض أو في الفضاء، فإنه يظل مرتبطًا بالله تعالى من خلال الصلاة، والصيام، والشكر، ودوام ذكره. فالإيمان لا تحدّه حدود المكان، ولا تقيده المسافات، بل يرافق المؤمن حيثما كان.