الهند أمام مرآة الذكاء الاصطناعي

01-01-2026  آخر تحديث   | 01-01-2026 نشر في   |  أحمد      بواسطة | آواز دي وايس 
الهند أمام مرآة الذكاء الاصطناعي
الهند أمام مرآة الذكاء الاصطناعي

 


راجيف نارايان*

في مدينة كولهابور، بولاية ماهاراشترا: داخل ورشة صغيرة لصناعة الجلود، تستمر عمليات قصّ الجلود وخياطتها وتلميع الأحذية بأساليب تقليدية توارثها الحرفيون عبر عقود طويلة، غير أن هذا الفضاء الحرفي البسيط يشهد اليوم تداخلًا لافتًا بين القديم والجديد؛ فبينما تعمل الأيدي وفق إيقاع الخبرة، ينشغل متدرّب شاب بهاتفه الذكي لمتابعة أسعار السوق عبر "واتساب"، ومتابعة طلبية إلكترونية تمرّ عبر موزّع محلي، ومشاهدة مقطع فيديو قصير يشرح طرق تحسين جودة الأحذية  لجذب المشترين في المدن.

وفي مدينة بنغالورو، بولاية كارناتاكا: على بُعد بضع مئات من الكيلومترات من تلك الورشة الحِرفية، يُغلق مختبِر برمجيات مكتبه بهدوء بعد أن أبلغته إدارة الموارد البشرية بأن أداة تعمل بالذكاء الاصطناعي باتت قادرة على إنجاز مهامه بسرعة أكبر وتكلفة أقل. وسيحصل على راتب أساسي لثلاثة أشهر، لتنتهي بذلك علاقته الوظيفية، في مشهد يلخّص التحوّل المتسارع في سوق العمل تحت وطأة الأتمتة والتقنيات الذكية.

وهاتان الصورتان، إحداهما من قلب الاقتصاد غير الرسمي في الهند والأخرى من مركزها المؤسسي الحديث، تجسّدان بوضوح مفارقة الذكاء الاصطناعي في البلاد اليوم. فلم يعد هذا التحوّل التقني مقتصرًا على الوظائف المكتبية أو مقتصرًا في تأثيره على المبرمجين وموظفي مراكز الاتصال، بل بات يتسلّل تدريجيًا إلى المتاجر العامة، والورش الحِرفية، والمزارع، ومحاور النقل، والمشروعات المنزلية. والتحدّي الحقيقي الذي تواجهه الهند لا يتمثّل في ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُلغي الوظائف، بل في معرفة أيّها سيتحوّل، ومن سيستفيد من هذا التحوّل، ومن قد يُترك خلف الركب في اقتصاد يعاني أصلًا من فجوات واسعة في الفرص والدخل.

وتركّز جانب كبير من النقاش حول الذكاء الاصطناعي والوظائف في الهند على قطاعي تكنولوجيا المعلومات وخدمات التعهيد. فقد أثارت موجات التسريح الأخيرة في شركات كبرى قلقًا واسعًا داخل أوساط الطبقة الوسطى، غير أن هذا التركيز الضيّق يغفل حقيقة أساسية، وهي أن نحو 90 في المئة من قوة العمل في البلاد تنشط في القطاع غير الرسمي. ويضمّ هذا القطاع باعة الشوارع، وصغار المنتجين، والعمّال، والحِرفيين، والعاملات المنزليات، والعاملين بنظام العمل الحر أو المؤقّت. ومع ذلك، نادرًا ما يحظى هؤلاء بمكان في التوقّعات اللامعة حول مستقبل الذكاء الاصطناعي.

والذكاء الاصطناعي بالنسبة للعاملين في القطاع غير الرسمي لا يعني فقدان وظيفة فحسب، بل فقدان مصدر الرزق بالكامل. ففي المتاجر العامة الصغيرة، تستفيد قلة من التقنيات الرقمية لتحسين الأرباح، بينما يواجه معظم أصحابها، خصوصًا ذوي المهارات الرقمية المحدودة، خطر الإقصاء مع توسّع المنصّات الكبرى وتطبيقات التوصيل.

وبالمثل، تتبنّى الوحدات الكبرى في تجمعات صناعية مثل صناعة النحاس في مدينة مرادآباد والمنسوجات في مدينة تيروبور، أدوات التصميم المدعومة بالذكاء الاصطناعي وأنظمة الفحص الآلي للجودة، ما يعزّز قدرتها التنافسية في التصدير، غير أن هذا التطور يُقصي الورش الصغيرة غير القادرة على تحمّل كلفة التكنولوجيا أو إعادة تأهيل عمّالها. والخطر هنا لا يكمن في موجة بطالة مفاجئة، بل في تراجع بطيء لمهن تقليدية شكّلت على مدى أجيال مصدر العيش والاستقرار لمجتمعات كاملة.

وتقف العمالة غير الماهرة وشبه الماهرة في الهند في موقع بالغ الهشاشة مع التوجّه المتسارع نحو الذكاء الاصطناعي. فقد كان يُنظر إلى عمّال البناء، وعمّال المستودعات، وعمال النظافة، والعاملين في الزراعة على أنهم محصّنون نسبيًا من الأتمتة لأن عملهم يعتمد على الجهد البدني. ولكن هذا التصوّر بدأ يتغيّر. فالتقنيات الموجّهة بالذكاء الاصطناعي، وأنظمة الصيانة التنبؤية، وحلول اللوجستيات المؤتمتة بدأت تشقّ طريقها إلى مواقع العمل، والموانئ، والمستودعات. ورغم أن الأتمتة الكاملة لا تزال بعيدة، فإن ضغوط رفع الإنتاجية تعني عمليًا الحاجة إلى عدد أقل من العمّال لإنجاز العمل نفسه.

وبالتوازي مع ذلك، يفتح الذكاء الاصطناعي مسارات جديدة للبقاء. فأشكال العمل القائمة على المنصّات، مثل التوصيل وخدمات النقل عند الطلب والخدمات المنزلية، تعتمد بدرجة كبيرة على الإدارة الخوارزمية. وبالنسبة للعامل المهاجر، قد يعني التطبيق فرصة للوصول إلى دخل من دون وسطاء تقليديين. ولكنه يعني أيضًا رقابة دائمة، ودخلًا غير مستقر، وقرارات غامضة، حيث تحدّد الخوارزميات من يحصل على العمل ومن يُستبعد. وفي هذا العالم، لا يُلغي الذكاء الاصطناعي العمل، بل يعيد تنظيم الهشاشة ويعيد إنتاجها بصيغ جديدة.

ويجد الحرفيون وأصحاب الصناعات التقليدية أنفسهم أمام مفترق طرق. فالتصاميم التي يولّدها الذكاء الاصطناعي وخيارات التخصيص السريع تضغط على المنتجات اليدوية وتنافسها في السوق. وفي المقابل، تفتح المنصّات الرقمية والخوارزميات نافذة لوصول الحِرف المتخصّصة إلى مشترين في أنحاء العالم، غير أن النجاح في هذا المسار لا يتحقق تلقائيًا، بل يعتمد على امتلاك المهارات الرقمية، وتوفّر الدعم اللوجستي، وسياسات تفضّل التوسّع والانتشار على حساب حماية التقاليد الحرفية.

وما يميّز لحظة الذكاء الاصطناعي في الهند عن مثيلتها في الاقتصادات المتقدّمة لا يقتصر على تفاوت مستويات الدخل، بل يمتد إلى عمق الاختلالات البنيوية في المجتمع. ففي الولايات المتحدة أو أوروبا، غالبًا ما تُخفَّف آثار فقدان الوظائف الناتج عن الأتمتة عبر أنظمة للضمان الاجتماعي ومسارات واضحة لإعادة التأهيل والتدريب. وأمّا في الهند، فكثيرًا ما يُترك عامل المصنع أو بائع الشارع الذي تُزيحه تقنيات الذكاء الاصطناعي من دون دعمٍ مؤسسي يساعده على تعلّم مهارات جديدة وبدء حياة مهنية مختلفة.

فالقول إن الذكاء الاصطناعي سيخلق وظائف أكثر مما يقضي عليها غير مقنع في الهند، لأن كلفة التحوّل غير عادلة؛ فذوو المهارات العالية يتكيّفون بسهولة، بينما تواجه الفئات الأضعف خطر الإقصاء من الاقتصاد الجديد.

وتركّز التقديرات الحكومية في الغالب على دور الذكاء الاصطناعي في تعزيز النمو الاقتصادي وخلق الوظائف. وهذا الطرح ليس خاطئًا في ذاته، لكنه يغفل جانبًا مهمًا من الصورة. فالنمو الذي لا يراعي الشمول قد يزيد من التصدّعات الاجتماعية. وإذا كان انتشار الذكاء الاصطناعي يصبّ أساسًا في مصلحة الشركات الكبرى، والمدن، وأصحاب المهارات العالية، فلن يكون جسرًا لتقليص الفوارق الإقليمية والطبقية، بل عاملًا إضافيًا لتوسيعها.

وتقدّم المقارنات مع الدول المتقدّمة بعض الدروس، لكنها تبقى محدودة. ففي أوروبا والولايات المتحدة، يتركّز تهديد الذكاء الاصطناعي على الوظائف المكتبية والقانونية والإدارية. وأمّا في الهند، فالتأثير أوسع وأكثر تعقيدًا، إذ يمتد إلى القطاعين الرسمي وغير الرسمي معًا. والخطر هنا لا يتمثّل في انهيار مفاجئ وكبير، بل في خسائر صغيرة ومتفرّقة لا تُرصد بسهولة، لكنها تتراكم بمرور الوقت وتخلّف أثرًا عميقًا.

ومع ذلك، تتمتّع الهند بميزة لا تتوافر لدى كثير من الدول المتقدّمة، وهي حجمها السكاني الكبير وقدرة عمّالها على التكيّف. فقد اعتاد العاملون في القطاع غير الرسمي مواجهة الصدمات، من الإصلاحات الاقتصادية إلى إلغاء تداول العملة وصولًا إلى جائحة "كوفيد-19". بالنسبة لهم، لا يمثّل الذكاء الاصطناعي سوى صدمة جديدة تضاف إلى ما سبق. ولكن السؤال الجوهري يبقى: هل سيحظى هذا التكيّف بالدعم والحماية، أم سيُفترض أن الناس سيتدبّرون أمرهم بأنفسهم؟

وإذا كان للذكاء الاصطناعي أن يعمل لصالح الهند لا ضدّها، فعلى التفكير في السياسة أن يتجاوز هواجس النخب وغرف مجالس الإدارة. فلا يمكن حصر إعادة التأهيل المهني في معسكرات تعلّم البرمجة أو شهادات الذكاء الاصطناعي للمهندسين وحدهم. بل ينبغي أن تمتد لتشمل محو الأمية الرقمية لأصحاب المتاجر الصغيرة، وحماية حقوق العاملين في اقتصاد المنصّات، وتوفير دعم تصميمي وتسويقي للحرفيين.

ومن المهم الاعتراف بقيمة العمل الإنساني في المجالات التي يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها، مثل أعمال الرعاية، والخدمات المجتمعية، والمعرفة المحلية، والإنتاج الثقافي. فهذه ميادين تعتمد على كثافة العمل وتشكّل ركيزة أساسية للمجتمع، لكنها لا تحظى بالتقدير الكافي.

ويمكن أن يسهم توجيه التمويل العام إلى هذه المجالات في استيعاب العمّال الذين أُزيحوا من قطاعات أخرى، مع تحسين جودة الحياة في الوقت نفسه. كما تحتاج الهند إلى شبكات الأمان الاجتماعي التي تتيح للعمّال اكتساب مهارات جديدة وخوض التحوّلات من دون الوقوع في العوز، عبر الضمان الاجتماعي، والرعاية الصحية، ودعم الدخل. ومن دون ذلك، ستأتي مكاسب الكفاءة التي يحققها الذكاء الاصطناعي على حساب الاستقرار الاجتماعي.

اقرأ أيضًا: العلاقات الهندية العربية في عام 2025: عام تعزيز التعاون الاستراتيجي

والذكاء الاصطناعي ليس قوة عمياء أو آلة قمع لا ترحم، بل أداة تتحدّد آثارها بالخيارات التي يتخذها البشر. وفي السياق الهندي، ستُحدِّد هذه الخيارات ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصبح وسيلة لتركيز الثروة والفرص في أيدي قلة، أم أداة لتوسيعها على نطاق أوسع وأكثر عدالة. فمن مهندس البرمجيات في بنغالورو إلى صانع الأحذية في كولهابور، يجري اليوم إعادة تشكيل قواعد العمل ومعانيه. وإذا نجحت السياسات العامة، وقرارات الشركات، ودور المجتمع في تجاوز هواجس الأرباح قصيرة الأجل، يمكن أن يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى رافعة لازدهار مشترك. وأمّا إذا غابت هذه الرؤية، فسيؤدي إلى أتمتة اللامساواة، بوتيرة أسرع وعلى نطاق غير مسبوق.