راجيف نارايان*
غالبًا ما يتقدّم التاريخ بصمت، لكن يوم 27 يناير سيظلّ علامة فارقة بوصفه اللحظة التي أعادت فيها الهند رسم مسارها الاقتصادي بثقة وحسم. ففي هذا اليوم من عام 2026م، أبرمت الهند والاتحاد الأوروبي اتفاقًا وصفه رئيس الوزراء ناريندرا مودي بـ"أمّ الصفقات"، وهو أكبر اتفاقية تجارة حرة توقّعها الهند في تاريخها.
ويمتدّ هذا الاتفاق ليشمل 27 دولة أوروبية، وتُقدَّر قيمته بنحو 213 مليار دولار، جامعًا بين أكبر الكتل التجارية الديمقراطية في العالم ضمن شراكة شاملة تتجاوز حدود الرسوم الجمركية وحسابات الميزان التجاري، لتؤسّس لمرحلة جديدة من التكامل الاقتصادي العميق والتعاون الاستراتيجي بعيد المدى.
وتنطوي هذه الخطوة على رمزية واضحة ومدروسة؛ إذ جاء الإعلان عن الاتفاق مباشرة بعد احتفالات يوم الجمهورية في الهند، بما تحمله من دلالة على المسار الدستوري للدولة، ليؤكد أن الأمر يتجاوز صفقة تجارية عابرة إلى ممارسة واعية لفن إدارة الاقتصاد. كما أن التوصل إليه بعد سنوات من الجمود التفاوضي، وتقلّبات الجغرافيا السياسية، واضطراب سلاسل التوريد العالمية، يكشف عن خيار صريح اتخذته الهند وأوروبا بتغليب الشراكة على التشرذم.
وفي وقت تتصاعد فيه الشكوك حول العولمة وتزداد فيه القيود الاقتصادية، يبرز هذا الاتفاق بوصفه تعبيرًا واثقًا عن الانفتاح، ورسالة واضحة بالالتزام بتعاون طويل الأمد يقوم على رؤية استراتيجية مشتركة تتجاوز الحسابات الآنية.
كما وصفت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين الاتفاق بأنه "أمّ الصفقات"، وذلك في منشور لها على منصة "إكس".
Europe and India are making history today.
— Ursula von der Leyen (@vonderleyen) January 27, 2026
We have concluded the mother of all deals.
We have created a free trade zone of two billion people, with both sides set to benefit.
This is only the beginning.
We will grow our strategic relationship to be even stronger. pic.twitter.com/C7L1kQQEtr
وتتجلّى الأهمية الاستراتيجية للاتفاق بين الهند والاتحاد الأوروبي بوضوح عند النظر إليه في سياق الاضطرابات التي شهدتها سياسات التجارة العالمية مؤخرًا. ففي مرحلة اتسمت بصدمات جمركية وموجات متصاعدة من الحمائية، ولا سيما من جانب الولايات المتحدة، واجه المصدّرون الهنود حالة من عدم اليقين وتراجعًا في هوامش الربح.
وقد بدأت الزيادات المفاجئة في الرسوم الجمركية على طيف واسع من السلع تُقوِّض نفاذ الهند إلى أحد أهم أسواقها، كاشفةً مخاطر الاعتماد المفرط على شريك تجاري واحد، ومؤكدة الحاجة إلى تنويع الشراكات وبناء أطر أكثر استقرارًا للتبادل التجاري.
ويعيد اتفاق التجارة مع الاتحاد الأوروبي صياغة المعادلة بالكامل. فإتاحة دخول الصادرات الهندية إلى الأسواق الأوروبية دون رسوم وبصفة تفضيلية تمنح الهند درعًا فعّالًا في مواجهة الإجراءات التجارية الأحادية في مناطق أخرى. كما يربط الاتفاق تجارة الهند الخارجية بسوق مستقرة ومتنامية تحكمها قواعد واضحة، ما يقلّل من تأثرها بتقلّبات السياسات والاضطرابات الجيوسياسية.
وإلى جانب ذلك، يسهم الاتفاق في إعادة توازن بنية التجارة الهندية عالميًا، ويمنح المصدّرين قدرًا أكبر من الوضوح والاستقرار بعد فترة من العمل في بيئة اتسمت بالتقلب وعدم اليقين.
ويعكس هذا الاتفاق توجّه الهند إلى تقليل المخاطر الاقتصادية عبر التنويع لا الانعزال. كما يرسّخ موقعها بوصفها شريكًا موثوقًا في نظام تجاري عالمي متعدد الأقطاب، منفتحًا على التعاون العميق، بشرط أن يقوم على أسس تحمي مصالحها الاستراتيجية على المدى الطويل.
وربما لا يتجلّى الأثر الأكثر تحوّلًا لهذا الاتفاق في الرسوم البيانية للاقتصاد الكلي، بقدر ما سيظهر على أرض الواقع داخل المصانع، وفي تجمعات الحِرفيين، وعبر المشهد الواسع للمشروعات الصغيرة في الهند. فالقطاعات كثيفة العمالة، مثل المنسوجات والأحذية والمنتجات الجلدية والأحجار الكريمة والمجوهرات والمنتجات البحرية والحِرف اليدوية والفخار وأعمال المعادن، ستجني فوائد كبيرة من سهولة الوصول إلى أسواق الاستهلاك الأوروبية الغنية.
Today marks a historic moment as we open a new chapter in EU-India relations - on trade, security, and people-to-people ties.
— António Costa (@eucopresident) January 27, 2026
Our Summit sends a clear message: in a reshaping global order, the EU and India stand together as strategic, reliable partners. https://t.co/Dvn3yggfHn
وظلّت قطاعات كثيرة من هذه الصناعات، لعقودٍ طويلة، مقيّدة بتقلّبات الرسوم الجمركية وتعقيدات الامتثال التنظيمي، ما أفقدها قدرتها التنافسية أمام اقتصادات تصديرية أخرى. غير أنّ النظام التجاري الجديد يعيد رسم المعادلة. فبخطوة واحدة، بات النسّاجون في مدينة تيروبور، وصنّاع الأحذية في مدينة آغرا، وحِرفيّو النحاس في مدينة مرادآباد، ومصنّعو المجوهرات في مدينة سورات، أمام سوقٍ أوسع وفرصٍ أكبر، مع توقّعات مؤكدة بارتفاع حجم الطلب والإنتاج.
وتحمل هذه التطورات آثارًا عميقة على سوق العمل. فهذه القطاعات تعتمد بكثافة على الأيدي العاملة وتتوزّع عبر مناطق مختلفة، ما يجعل مكاسب نموّ الصادرات ممتدّة إلى ما وراء المدن الكبرى. ومع تزايد الطلبيات، سيرتفع الطلب على العمالة الماهرة وشبه الماهرة، إلى جانب خدمات النقل واللوجستيات والتغليف والأنشطة المرتبطة بها. ومن شأن اتفاقية التجارة الحرة أن تخلق ملايين فرص العمل وتدعم الصناعة الهندية من القاعدة إلى الأعلى، على أسس أكثر متانة واستدامة.
وإلى جانب السلع، يعزّز اتفاق التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي إحدى أقوى ميزات الهند عالميًا: قطاع الخدمات. ففي وقتٍ تتجه فيه الاقتصادات إلى الرقمنة والترابط والاعتماد على المعرفة، باتت تجارة الخدمات عنصرًا حاسمًا في تشكيل القدرة التنافسية. ويتيح الاتفاق آفاقًا جديدة للمهنيين الهنود وشركات التكنولوجيا ومقدّمي الخدمات للعمل بسلاسة أكبر داخل الأسواق الأوروبية، بما يدعم توسّعهم ويعزّز حضورهم الدولي.

وستجني قطاعات تكنولوجيا المعلومات والهندسة والخدمات المالية والاستشارات وغيرها من القطاعات القائمة على المعرفة فوائد ملموسة من تحسّن النفاذ إلى الأسواق وتعزيز التعاون التنظيمي. وبالنسبة لبلدٍ شاب يمتلك قاعدة مواهب واسعة واقتصادًا رقميًا آخذًا في الاتساع، قد لا يقلّ تأثير هذا الاتفاق عن تحرير الرسوم الجمركية على السلع، بل قد يتجاوز ذلك في أهميته.
ويساعد الاتفاق الهند على التحوّل من مُصدّر يعتمد على الميزة السعرية إلى مركز عالمي للخدمات ذات القيمة المضافة. وفي الوقت ذاته، يسهم توسيع التعاون في قطاع الخدمات في تعزيز الروابط بين الشعوب. أما مئات الآلاف من الهنود المقيمين والعاملين في أوروبا، فيفتح أمامهم الاتفاق آفاقًا أوسع للاندماج الاقتصادي وفرصًا مهنية أكبر، بما يعزّز القوة الناعمة للهند وحضور جاليتها على الساحة الدولية.
ولا يخلو اتفاق تجاري بهذا الحجم من تحدّيات، والاتفاق بين الهند والاتحاد الأوروبي ليس استثناءً. فخفض الرسوم الجمركية تدريجيًا على بعض السلع الأوروبية، ولا سيما السيارات والمعدات المتطورة، سيعني دخول المصنّعين الهنود مرحلة من المنافسة أكثر حدّة. كما أن الامتثال للمعايير الأوروبية الصارمة المتعلقة بالاستدامة والجودة وحماية البيانات وحقوق العمال سيفرض على الشركات الهندية متطلبات جديدة للتكيّف والاستثمار.
ومع ذلك، قد تتحوّل هذه الضغوط ذاتها إلى عاملٍ إيجابي. فالمنافسة غالبًا ما تعمل كمحرّك للإصلاح، تدفع الصناعات إلى التحديث، واعتماد تقنيات أنظف، ورفع مستويات الإنتاجية. ومن خلال مواءمة ممارساتها مع أفضل المعايير العالمية، يمكن للشركات الهندية أن تصبح أكثر صلابة وقدرة على المنافسة في أسواق تصدير متعددة، لا في أوروبا وحدها.
كما يوفّر الاتفاق دفعة خارجية لإصلاحات طال الاعتراف بأهميتها، لكنها طُبّقت بشكل غير متوازن. وفي نهاية المطاف، سيتوقف نجاح الاتفاق على التنفيذ الداخلي، من خلال تحسين سلاسل الإمداد واللوجستيات، وتخفيف التعقيدات التنظيمية، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة للوفاء بالمعايير، وضمان أن يتماشى تسهيل التجارة مع مستوى الطموح.

وإلى ما يتجاوز المكاسب الثنائية، يبعث اتفاق التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي برسالة قوية إلى العالم. فهو يؤكد أن الاقتصادات الكبيرة والمتنوّعة ما زالت قادرة على التوصل إلى اتفاقات تجارية شاملة ومتوازنة تقوم على الاحترام المتبادل. وفي وقت يتهدّد فيه النظام التجاري العالمي بالتشظّي إلى تكتلات متنافسة، يعيد هذا الاتفاق الاعتبار للتعاون والالتزام بالقواعد وتحقيق النمو المشترك.
وأما بالنسبة للاقتصادات النامية التي تتابع هذه التطورات عن كثب، فيقدّم الاتفاق نموذجًا واضحًا: انفتاح بلا تفريط، وتعاون تحكمه ضوابط استراتيجية. كما يبرز أن التجارة، إذا صيغت برؤية متأنية، يمكن أن تكون أداة لتعزيز الصمود الاقتصادي، لا مصدرًا للاعتماد والهشاشة.
وليست "أمّ الصفقات" سوى خطوة أولى، فيما يكمن التحدّي الحقيقي للهند في التنفيذ. فالمطلوب هو تحويل بنود الاتفاق ونفاذ الأسواق إلى مصانع نابضة بالحياة، ووظائف مستقرة، وورشٍ آخذة في التوسّع. ويتطلّب ذلك تنسيقًا وثيقًا بين السياسات الصناعية، وبرامج تنمية المهارات وجهود ترويج الصادرات، بما يواكب حجم الفرص التي يتيحها الاتفاق.
اقرأ أيضًا: غفر الدين جوغي ميواتي: حين يصبح الكفاح فنًّا، ويصير الفن تكريمًا
ومع ارتقاء الهند إلى مستوى هذه اللحظة المفصلية، يملك الاتفاق التجاري القدرة على إعادة تعريف مكانتها في الاقتصاد العالمي، لا كقاعدة تصنيع هامشية، بل كقوة تجارية واثقة ومتنوّعة وموثوقة. وفي عالمٍ يتزايد فيه الانقسام، يمنح هذا الاتفاق الهند مزيجًا من الحماية والتأثير. ويبقى التحدّي الحقيقي في ترجمة وعد الازدهار المشترك إلى واقع ملموس… يبدأ من الداخل أولًا، ثم يمتد أثره إلى الأسواق العالمية.