إيمان سكينة
عندما نسمع كلمة "المسجد"، فإن أول صورة تتبادر إلى أذهاننا عادةً هي الصلاة: صفوف من المصلين يقفون جنبًا إلى جنب، ونداء الصلاة، وتلاوة القرآن، وأجواء العبادة الهادئة. وهذا صحيح بلا شك؛ فالمسجد بيت للعبادة ومكان يتوجه فيه المسلمون إلى الله.
لكن ربما ننسى أحيانًا أن المسجد يمكن أن يكون أكثر بكثير من مجرد مكان ندخله لبضع دقائق لأداء الصلاة ثم نغادره.
فعلى امتداد التاريخ الإسلامي، كانت المساجد مراكز للتعلّم، والصدقة، والنقاش المجتمعي، وإيواء المحتاجين، والرعاية الاجتماعية. ولم يكن المسجد منفصلًا عن مشكلات المجتمع، بل كان في قلبها تمامًا.
ويذكّر القرآن المؤمنين بأن البرّ لا يقتصر على العبادات والشعائر. يقول الله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ... وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ...﴾ (البقرة: 177).
وتربط هذه الآية بصورة بديعة بين الإيمان والمسؤولية تجاه الإنسان والمجتمع. فالصلاة مهمة، لكن ما نفعله أيضًا من أجل الشخص الذي يقف إلى جانبنا ويحتاج إلى المساعدة له أهميته كذلك.
وتخيّل مسجدًا هنديًا يتحول إلى مركز لحملات التبرع بالدم. فبعد صلاة الجمعة، وبدلًا من أن يعود الجميع إلى منازلهم مباشرة، ينظم المتطوعون حملة للتبرع بالدم، يشارك فيها الشباب بالتبرع للجرحى في حوادث السير، والمرضى الذين يخضعون لعمليات جراحية، والأشخاص الذين يكافحون أمراضًا خطيرة. وهكذا يصبح المسجد مكانًا يتحول فيه إنقاذ حياة إنسان إلى جهد مجتمعي مشترك.
وهذا ليس منفصلًا عن العبادة، بل هو تعبير آخر عنها. ويقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (المائدة: 32).
ويمكن أن نلمس الروح نفسها أثناء الفيضانات وغيرها من الكوارث الطبيعية. ففي مناطق كثيرة من الهند، يمكن أن تؤدي المساجد دور نقاط لجمع وتوزيع المواد الغذائية والملابس والأدوية وغيرها من الاحتياجات الأساسية.
كما يمكن أن يوفّر المسجد الذي يضم مطبخًا، الطعام للأسر النازحة، وأن تُستخدم غرفه مأوى مؤقتًا للمتضررين، بينما يساعد متطوعوه كبار السن والأطفال وكل من لا يجدون مكانًا آخر يلجؤون إليه.
ويمكن أن يتحول المسجد أيضًا إلى مركز للتعليم. ففي المجتمعات التي يعاني فيها الأطفال من صعوبة الحصول على تعليم إضافي جيد، يمكن أن يوفر المسجد دروسًا مجانية أو منخفضة التكلفة بعد انتهاء اليوم الدراسي.
ويمكن أن يتطوع المعلمون المتقاعدون وطلاب الجامعات والمهنيون بوقتهم لتدريس الرياضيات والعلوم واللغات والحاسوب ومهارات الاستعداد للامتحانات التنافسية. وبالتوازي مع التعليم الأكاديمي، يمكن أن يتعلم الأطفال الأمانة والانضباط والتعاطف وتحمل المسؤولية.
ولا ينبغي النظر إلى التعليم على أنه أمر منفصل عن الحياة الدينية. فقد كانت أول كلمة نزلت في القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق: 1).
والمسجد الذي يساعد طفلًا على فهم مسألة رياضية صعبة، أو يوجّه طالبًا نحو التعليم العالي، أو يساعد شابًا على اكتساب مهارة مفيدة، إنما يسهم بذلك في تعزيز قوة المجتمع بأسره.
وهناك العديد من الإمكانات الأخرى، مثل جلسات الإرشاد والدعم الأسري، والتوجيه المهني للشباب، وتوزيع الطعام على المحتاجين، ودعم الأرامل وكبار السن، وتنظيم حملات صحية، والمبادرات البيئية، وبرامج الاستعداد للكوارث، ومساعدة الأشخاص الذين يواجهون صعوبات مالية. ويقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 2).
ولعل هذا هو المعنى الأوسع للمسجد الحيّ؛ فالأبواب ينبغي ألا تقود فقط إلى قاعة الصلاة، بل ينبغي أن تفتح أيضًا على المجتمع. فالمسجد ينبغي بالتأكيد أن يعلّمنا كيف نقف بين يدي الله، لكنه يستطيع أيضًا أن يعلّمنا كيف نقف إلى جانب بعضنا بعضًا.
اقرأ أيضًا: التدين لا يعني الابتعاد عن الحياة.. كيف نستمتع دون أن ننسى الله؟
وقد لا يكون أقوى مجتمع مسجد هو الذي يملك أجمل مبنى، بل قد يكون ذلك المجتمع الذي يشعر الناس بحضوره عندما يكون أحدهم جائعًا، أو يحتاج طالب إلى المساعدة، أو تواجه أسرة أزمة، أو يحتاج مريض إلى الدم، أو يتعافى أحد الأحياء من آثار فيضانات.
فالصلاة هي قلب المسجد، لكن الرحمة والتعاطف والعلم والخدمة والمسؤولية تجاه المجتمع يمكن أن تمنح هذا القلب أثرًا أوسع. وينبغي ألا يكون المسجد مجرد مكان نزوره، بل مكانًا تنطلق منه أعمال الخير إلى العالم من حولنا.