إيمان سكينة
هناك فكرة شائعة مفادها أن التدين يعني أن يعيش الإنسان حياة جادة ومقيّدة وخالية من الفرح. ويظن بعض الناس أنه كلما ازداد المرء تدينًا، وجب عليه أن يبتعد عن الضحك والصداقة والسفر والرياضة والاحتفالات، بل وحتى عن متعة الحياة البسيطة. ولكن، هل هذا حقًا ما يدعو إليه الإسلام؟
وهل يمكنك أن تحافظ على صلاتك خمس مرات في اليوم، وفي الوقت نفسه تستمتع بمشاهدة مباراة لكرة القدم؟
وهل يمكنك الالتزام بالاحتشام، وفي الوقت ذاته أن ترتدي ملابس أنيقة؟
وهل يمكنك أن تأخذ إيمانك بجدية، وتظل قادرًا على الضحك والاستمتاع بصحبة أصدقائك؟
نعم، بالتأكيد. يمكنك أن تكون متدينًا، وفي الوقت نفسه تستمتع بالحياة أيضًا.
فالإسلام لا يطلب من الإنسان أن يتخلى عن طبيعته البشرية، بل يقرّ بأن الإنسان بحاجة إلى الراحة، والأنس، والسعادة، والترفيه، ولحظات يستعد فيها نشاطه ويستمتع بالحياة. وما يدعو إليه الإسلام ليس رفض المتعة، وإنما التمييز بين المتعة المتوازنة، والإفراط الذي قد يتحول إلى الضرر.
ويذكّرنا القرآن بأن نعم الدنيا وزينتها ليست محرّمة في أصلها: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (سورة الأعراف: 32).
وتقدم هذه الآية منظورًا مهمًا في فهم العلاقة بين الإيمان والاستمتاع بالحياة؛ فالاستمتاع بما أحلّ الله من نعم الحياة، ليس في حد ذاته دليلًا على ضعف الإيمان. والسؤال هو: كيف نستمتع بهذه النعم، وأين نجدها، وهل هي تقرّبنا من حياة متوازنة ومسؤولة؟
النبي ﷺ عرف لحظات الفرح
تُظهر لنا حياة النبي محمد ﷺ أن الالتزام الديني والسعادة في الحياة اليومية يمكن أن يجتمعا دون تعارض. فقد كان يبتسم، ويمزح مع أصحابه، ويقضي وقتًا مع أسرته، ويسافر، ويشارك في المناسبات الاجتماعية، ويستمتع باللحظات الطيبة والمباحة.
ولم يعلّم أصحابه أن يهجروا الدنيا ويبتعدوا عنها كليًا، بل علّمهم الاعتدال والتوازن.
ويقرّ القرآن الكريم نفسه بحاجة الإنسان إلى هذا التوازن، فيقول: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ الله الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (القصص: 77).
والرسالة هنا جميلة وواضحة: لا تدع متع الدنيا الزائلة تُنسيك غايتك الأبدية، ولا تظن في المقابل أن كل متعة دنيوية هي أمر خاطئ أو محرّم.
كيف يبدو الترفيه الحلال؟
لا يجب أن يكون الترفيه الحلال مملًا أو رتيبًا، بل إن هناك عددًا لا يحصى من الطرق للاستمتاع بالحياة مع الالتزام بالقيم الإسلامية واحترام تعاليمها.
الرياضة والأنشطة البدنية: يمكن أن تكون كرة القدم والكريكيت وكرة الريشة والسباحة وركوب الدراجات والمشي لمسافات طويلة والجري وفنون الدفاع عن النفس وغيرها من الرياضات المباحة وسائل رائعة للترفيه. فهي تحافظ على صحة الجسم، ويمكن أن تسهم أيضًا في توطيد أواصر الصداقة.
السفر والاستكشاف: إن زيارة مدن جديدة، والاستمتاع بجمال الطبيعة، واستكشاف المواقع التاريخية، والقيام برحلات برية مع العائلة، أو مجرد قضاء بعض الوقت بالقرب من البحر أو بين الجبال، كلها أمور تساعد على تجديد النشاط وصفاء الذهن. وقد حثّ القرآن الكريم مرارًا على السفر والتأمل في خلق الله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ (العنكبوت: 20).
الوقت مع العائلة: يمكن أن تحوّل نزهة عائلية، أو أمسية للألعاب الجماعية، أو إعداد الطعام معًا، أو زيارة الأقارب، أو احتساء الشاي وتبادل الأحاديث، أو اصطحاب الأطفال إلى الخارج، اللحظات العادية إلى ذكريات جميلة لا تُنسى.
الهوايات الإبداعية: يمكن أن توفر القراءة والكتابة والتصوير الفوتوغرافي والبستنة والرسم والخط العربي والأعمال اليدوية والطهي وغيرها من الأنشطة الإبداعية المباحة، للإنسان فرصة للاسترخاء، إلى جانب تنمية مهارات مفيدة.
قضاء الوقت مع الأصدقاء: الصداقة الطيبة ليست عائقًا أمام التدين، بل إن الأصدقاء الذين يشجّعون على فعل الخير والصدق والتطور وحسن الخلق يمكن أن يجعلوا الحياة أكثر سعادة، وأن يسهموا في تقوية الإيمان.
المشكلة الحقيقية ليست في المتعة، بل في الإفراط
الإسلام لا يحرّم الاستمتاع لمجرد كونه متعة، وإنما تبدأ المشكلة عندما يتحول الترفيه إلى هوس أو إفراط.
فإذا أدى الترفيه إلى تفويت الصلوات، أو إهمال الوالدين، أو تضييع المسؤوليات، أو متابعة محتوى غير لائق، أو الإسراف في الإنفاق، أو نسيان الله، فهنا يكون الخلل قد بدأ. ويحذرنا القرآن الكريم من الإسراف، إذ يقول: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ (الأعراف: 31).
ويمكن تطبيق هذا المبدأ على الترفيه أيضًا. فقد يكون الفيلم أو اللعبة أو العطلة أو الهواية أو النزهة مصدرًا مشروعًا للمتعة، لكن عندما يبدأ أي شيء بالسيطرة على حياتنا، يصبح من الضروري أن نعيد النظر في علاقتنا به.
فالحياة المتوازنة للمسلم تتسع للعبادة والعمل، وللعائلة والأصدقاء، للجد والضحك، وللمسؤولية والترفيه.
وأحيانًا ينشغل بعض الناس إلى درجة كبيرة بالحرص على الظهور بمظهر المتدين، فينسون جمال الفرح الطبيعي والبساطة في الحياة. فيشعرون بالذنب لمجرد أنهم يضحكون، أو يستمتعون بعطلة، أو يلعبون مع الأطفال، أو يرتدون ملابس أنيقة، أو يقضون وقتًا ممتعًا مع أصدقائهم.
ليس الهدف أن نختار بين التدين والاستمتاع بالحياة، وإنما أن نتعلم كيف نستمتع بالحياة من دون أن نغفل عن الله. صلِّ، ولكن العب أيضًا. اعمل بجد، ولكن خذ قسطًا من الراحة أيضًا. اخدم الآخرين، ولكن خصص لنفسك وقتًا تلتقط فيه أنفاسك. اضحك مع عائلتك. سافر. مارس الرياضة. استكشف العالم. أبدع. واصنع ذكريات جميلة.
لكن احرص دائمًا على أن يظل قلبك متصلًا بمن وهبك القدرة على الاستمتاع بكل هذه النعم.
فالتدين لا يعني الابتعاد عن الحياة، بل يعني أن نتعلم كيف نعيشها بغاية وهدف. ولعل أجمل أنواع المتعة هو ذلك الذي لا يترك وراءه شعورًا بالذنب، وإنما لا يترك في القلب إلا الامتنان.