
مجيب الرحمن*
في قلب تلال راجغير بولاية بيهار، حيث كانت توجد يومًا أول جامعة سكنية في تاريخ البشرية، عادت جامعة نالاندا للحياة اليوم كرمز حيّ للتعليم الذي يتجاوز الحدود. والجامعة الحديثة ليست مجرد مؤسسة أكاديمية عادية، بل هي مشروع مشترك بين 18 دولة وقّعت على الاتفاقية الدولية الداعمة لها (بما في ذلك الهند)، وهي تجمع بين التراث القديم والتحديات الحالية في مجالات التنمية المستدامة والتعاون بين الشعوب، وتقف شامخة كجامعة عالمية تحت رعاية وزارة الشؤون الخارجية الهندية.
ويعرف الجميع أن نالاندا تعود جذورها إلى عام 427 ميلادي، حين أسّسها الإمبراطور كوماراغوبتا الأول من سلالة غوبتا في مملكة ماغادا، التي كانت آنذاك من أقوى ممالك العالم. واستمرت الجامعة في ازدهارها لأكثر من ثمانية قرون، وفي أوجها كانت تستقبل حوالي عشرة آلاف طالب وألفي معلم، جاؤوا من الصين وكوريا واليابان والتبت ومنغوليا وسريلانكا وجنوب شرق آسيا.
وكانت مركزًا عالميًا حقيقيًا للدراسات البوذية والفلسفة والطب والرياضيات والفلك، ومكتبتها الشهيرة –التي وصفها الرحالة الصيني هيوان تسونغ (شوانزانغ) وصفًا مذهلاً– أثارت إعجاب كل من سمع بها. ويُعتقد أنها تعرضت للهجوم وأُلحقت بها أضرار كبيرة في نهاية القرن الثاني عشر أو بعده، لكن إرثها بقي يتردد عبر العصور كرمز للمعرفة الإنسانية المشتركة.
وفي عام 2010م أُعيد إحياؤها بقانون برلماني هندي وبدعم من قادة قمة شرق آسيا بعد أن تقدم الرئيس السابق إيه. بي. جيه عبد الكلام باقتراح لإحياء الجامعة في عام 2006. والتحقت الدفعة الأولى من الطلبة في عام 2014م، فيما افتتح رئيس الوزراء ناريندرا مودي رسميًا الحرم الجامعي الجديد والجميل في 19 يونيو 2024م بحضور سفراء 17 دولة مشاركة. ويمتد الحرم على 455 فدانًا من الأراضي من تصميم المعماري الراحل الحائز على بادما فيبهوشان بي. في. دوشي بمزيج فريد من طراز الفاستو القديم ومرافق عالمية المستوى. وإنه حرم "صفر كربوني" بالكامل، يضم أكثر من 100 فدان من البحيرات والمساحات الخضراء، ومحطة طاقة شمسية، وأنظمة إعادة تدوير المياه، ليصبح نموذجًا عالميًا في الاستدامة البيئية.
وإنّ ما يميز جامعة نالاندا الحديثة حقًا هو طابعها الدولي الفريد. وتدعمها 18 دولة وقّعت اتفاقية حكومية دولية: أستراليا، وبنغلاديش، وبوتان، وبروناي دار السلام، وكمبوديا، والصين، والهند، وإندونيسيا، ولاوس، وموريشيوس، وميانمار، ونيوزيلندا، والبرتغال، وسنغافورة، وكوريا الجنوبية، وسريلانكا، وتايلاندا، وفيتنام. وإن هذا التحالف الدولي الواسع يجعل جامعة نالاندا ليست جامعة هندية فحسب، بل منصة آسيوية-عالمية حقيقية، تجسد "القوة الناعمة" الهندية وتفتح أبوابًا للتبادل الثقافي والعلمي بين الشرق والغرب.

وفي عام 2026م الجاري، تفتح الجامعة أبوابها لاستقبال الطلبات للقبول في برامج الماجستير (سنتان) والدكتوراه (أربع سنوات)، وكلها باللغة الإنجليزية. وفق بروشور القبول الرسمي، تشمل برامج الماجستير:
وأما برامج الدكتوراه، فهي تغطي نفس المجالات مع تركيز أكبر على البحث الأصلي والمستقل. وتتميز هذه البرامج بنظام "الكافيتيريا" المرن، الذي يسمح للطلاب باختيار المقررات من تخصصات مختلفة، إضافة إلى دورات ائتمانية إضافية، وتجارب تعليمية ميدانية عملية. كما يميّزها وجود أساتذة زائرين من الخارج، ومكتبة حديثة مجهّزة بأحدث التقنيات، وحرم جامعي سكني كامل، متمتع بالصفر الكربوني، وفصول دراسية ذكية، ومرافق رياضية متنوعة تشمل اليوغا والجيم، ومركز طبي، ومجمع تسوق داخل الحرم. والجامعة ملتزمة بالشمولية الجندرية، وتشجّع على التعلم الحضاري المشترك بين الثقافات. وكلها تجعل الجامعة بيئةً مثاليةً لإعداد قادة المستقبل. وبالإضافة إلى ذلك، تقدم برامج دبلوم وشهادات قصيرة في اليوغا، واللغات مثل السنسكريتية والبالي والتبتية والكورية واليابانية والفرنسية والألمانية.
وتتوفر منح دراسية سخية من وزارة الخارجية الهندية، وصندوق آسيان-الهند، ومنح آسيان، وبوتان، وبيمستيك، والمجلس الهندي للعلاقات الثقافية (ICCR)، ومنح تايلاندا، ومنح التميز الأكاديمي للجامعة. وهذه المنح تحول الحلم إلى واقع لمئات الطلاب والطالبات من الدول الـ18 وما ورائها.
ومما لا شك فيه أنّ إمكانيات نالاندا كجامعة عالمية رائدة هائلة جدًا. فبفضل موقعها الإستراتيجي وطابعها متعدد الجنسيات، تستطيع الجامعة أن تصبح مركزًا بحثيًا عالميًا في نشر السلام وحفظ وتعزيز التراث الثقافي المشترك ومواجهة تغير المناخ وتعزيز التعاون العلمي الدولي. وبرامجها البينية تربط الحكمة الشرقية القديمة بالعلوم الحديثة، وتساهم مباشرة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة. وتخيّل خريجين من 18 دولة يعملون معًا على حلول للطاقة النظيفة أو حوار الحضارات أو سياسات السلام في عالم متعدد الأقطاب، أو قد تضيف إليها لاحقًا دورات في الذكاء الاصطناعي الذي أصبح من أبرز شواغل العالم اليوم.
اقرأ أيضًا: رئيس الوزراء مودي يلتقي ولي عهد أبوظبي على هامش قمة تأثير الذكاء الاصطناعي
وفي فبراير 2026م، يشهد الحرم فعاليات متنوعة: منها ورشة "إسهام نالاندا في علم المعادن والفن والثقافة القديمة" (20-21 فبراير)، ومؤتمر دولي كبير "الهند على المسرح العالمي: القوة الناعمة والسياسة ودبلوماسية الشباب" (26-28 مارس). وهذه الفعاليات وغيرها تؤكد دور الجامعة كجسر حيّ بين الحضارات.
Nalanda University @nalanda_univ in collaboration with the @YASMinistry , Government of India is organizing the International Youth Conference “India on the World Stage: Soft Power, Policy & Youth Diplomacy” from 26–28 March 2026 at Rajgir, Bihar.
— India in Qatar (@IndEmbDoha) February 16, 2026
Young scholars, practitioners,… pic.twitter.com/3sl1JlEiX8
وآخر موعد لتقديم الطلبات للعام الدراسي 2026-2027 هو 15 يونيو 2026م، وتبدأ الدراسة في الأسبوع الأول من أغسطس. والتقديم عبر الإنترنت فقط على: online.nalandauniv.edu.in ويمكن الحصول على المزيد من المعلومات على [email protected] أو المكالمة على الخط الساخن +91-6112-255330 / +91-9031027489 / +91-7033291552.
وإنّ جامعة نالاندا ليست مجرد جامعة… إنها تجسيد فعلي للشعار الفلسفي الهندي القديم "فاسوديفا كوتومباكام" أي الأرض كلها أسرة واحدة، ولا مكان أفضل لتجسيد هذه الفكرة العظيمة إلا مؤسسة تعليمية من المستوى الأفضل والأعلى الذي يجذب الطلاب والطالبات من شتى الجنسيات ومن مختلف أنحاء العالم، فهي مفتوحة لكل من يبحث عن "الأفكار النبيلة من كل اتجاه". وتفتح الجامعة أبوابها للجيل المعاصر الذي يطمح لبناء عالم أفضل معًا.
*أستاذ بمركز الدراسات العربية والإفريقية ورئيسه سابقًا، جامعة جواهر لال نهرو، نيودلهي.