عندما يبلغ الوالدان الكِبَر: رؤية إسلامية لرعاية الوالدين في دور المسنين

07-08-2026  آخر تحديث   | 06-08-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | إيمان سكينة 
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 


إيمان سكينة

تأتي في حياة الإنسان مرحلة تبدأ فيها الأيدي التي كانت تمسك بأيدينا بالارتجاف، وتصبح الأصوات التي كانت تنادينا للعودة إلى المنزل أكثر خفوتًا، ويغدو الأشخاص الذين أفنوا أعمارهم في رعايتنا هم أنفسهم في حاجة إلى من يرعاهم. فالشيخوخة في الإسلام ليست مجرد مرحلة بيولوجية، بل هي تذكير بتبدّل الأدوار داخل الأسرة، وبالمسؤولية التي يتحملها الأبناء تجاه والديهم.

واليوم، يجد كثير من الآباء والأمهات المسنين أنفسهم يقيمون في دور رعاية المسنين. وفي بعض الأحيان، يكون هذا القرار أمرًا لا مفر منه، إذ قد تفرض الاحتياجات الطبية، أو الصعوبات المالية، أو الهجرة، أو غياب من يستطيع تقديم الرعاية المناسبة اللجوء إلى مؤسسات الرعاية المتخصصة. ولا يُدين الإسلام طلب المساعدة عندما تفرضها الظروف الحقيقية. لكن ما يستحق التأمل هو الدافع الكامن وراء هذا القرار: هل يُعامل الوالدان بالرعاية والكرامة والمودة التي يستحقانها، أم أنهما يُستبعدان بهدوء من حياتنا لأن احتياجاتهما أصبحت تمثل عبئًا أو مصدر إزعاج؟

ويولي القرآن الكريم عنايةً بالغة بالإحسان إلى الوالدين، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا﴾ (سورة الأحقاف: 15).

ويأتي التأكيد بصورة أشد وضوحًا في سورة الإسراء، حيث يقول سبحانه: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚإِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (سورة الإسراء: 23).

وتأملوا قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ﴾، أي: إذا بلغ أحد الوالدين أو كلاهما مرحلة الشيخوخة وهما في رعايتك. فهذه العبارة تُبرز أن رعاية الوالدين في كبرهما ليست مجرد عمل تطوعي أو إحسان زائد، بل هي مسؤولية شرعية وأخلاقية تقع على عاتق الأبناء، تستوجب الصبر، والرحمة، وحسن المعاملة، وصيانة كرامتهما في هذه المرحلة الحساسة من العمر.

ويخصّ القرآن الكريم مرحلة الشيخوخة بالذكر؛ لأنه يُدرك أن الوالدين قد يصبحان في هذه المرحلة أكثر اعتمادًا على غيرهما، وأكثر حساسية من الناحية النفسية، وأضعف جسديًا، وقد تزداد صعوبة التعامل معهما أحيانًا. غير أن هذا الضعف لا يقدَّم في القرآن مبررًا للضيق أو نفاد الصبر، بل يُقدَّم ابتلاءً واختبارًا لأخلاق الأبناء وإيمانهم.

ثم يأتي قوله تعالى ليعمّق هذا الواجب: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (سورة الإسراء: 24).

وتحمل هذه الآية معنى بالغ الجمال، إذ تُجسد ردَّ الجميل والوفاء لحق الوالدين. فقد سهر الوالدان على راحتنا حين كنا مرضى، وأطعمانا قبل أن يطعما أنفسهما، وضحَّيا براحتِهما من أجل سعادتنا، واحتَملا أخطاءنا، وحملا عنّا مسؤوليات لم نكن ندركها لصغر سننا.

وعندما يصبح الوالدان، في مرحلة الشيخوخة، بحاجة إلى من يرعاهما، فإن الإسلام يدعو الأبناء إلى أن يقابلوا ذلك كله بـالرحمة، لا باعتبارها مجرد عاطفة، بل بوصفها واجبًا شرعيًا وأخلاقيًا، يترجم في حسن المعاملة، ولين الخطاب، والصبر، والعناية، وصون الكرامة.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن اعتبار دار رعاية المسنين أمرًا مخالفًا للإسلام على إطلاقه، فالأحكام ترتبط بالظروف والملابسات. فإذا كانت الرعاية المتخصصة توفر للوالدين عناية طبية أفضل، وأمانًا أكبر، ورفقة مناسبة، وحياة كريمة، فقد يكون اللجوء إليها خيارًا مسؤولًا ومشروعًا. ولكن يجب ألا يتحول هذا الخيار إلى ذريعة للتخلي العاطفي عن الوالدين أو إقصائهما من حياة أبنائهما. فالغرفة في دار الرعاية لا يمكن أن تعوّض مكالمة ابنٍ لوالده، والممرضة لا تستطيع أن تحل محل حنان ابنةٍ تجاه أمها، كما أن الإنفاق المالي وحده لا يغني عن الحضور والاهتمام والبرّ.

وقد بيَّن النبي ﷺعِظم منزلة بر الوالدين ورعايتهما، وجعل خدمة الوالدين، ولا سيما في مرحلة الكِبَر، من أجلِّ القربات إلى الله تعالى. ففي الإسلام، قد تتحول رعاية الوالدين المسنين إلى عبادة يتقرب بها المسلم إلى ربه، ويصبح ضعفهما واحتياجهما فرصةً للارتقاء الروحي، ونيل الأجر، وتجسيد معاني الرحمة والوفاء.

وينبغي أن نتذكر أيضًا أن حقوق الوالدين لا تقتصر على توفير الطعام والدواء والمأوى، بل تتجاوز ذلك إلى احتياجات إنسانية ونفسية لا تقل أهمية. فهم بحاجة إلى من يجالسهم، ويحادثهم، ويشعرهم بأنهم ما زالوا موضع اهتمام وتقدير. ويحتاجون إلى من يُنصت إلى القصص التي ربما كرروها مرارًا، دون ضجر أو ملل، وإلى الزيارات، والمودة، والاحترام، والكلمات التي تطمئنهم بأنهم لم يصبحوا عبئًا على أبنائهم.

ولعل السؤال الحقيقي ليس فقط: "هل ينبغي أن يعيش الوالدان المسنان في دور رعاية المسنين؟"، بل إن السؤال الأعمق والأهم هو: "هل بقينا أوفياء لدورنا كأبناء وبنات لهما، عندما أصبحا في حاجة إلينا كما كنا يومًا في حاجة إليهما؟".

وقد تنجح المجتمعات في إنشاء دور رعاية متطورة وجميلة للمسنين، لكن لا ينبغي للأسر أن تُوكل الرحمة والمودة إلى المؤسسات. فإذا اضطرت الظروف إلى أن يقيم أحد الوالدين في دار رعاية، فعلينا أن نحرص على أن يظل يشعر بدفء الأسرة، وحنان الأبناء، وقربهم، واهتمامهم.

فسيأتي يومٌ قد لا تمتد فيه إلينا تلك الأيدي التي احتضنتنا وربّت علينا. وحينها قد ندرك أن الوقت الذي كنا نعدّه واجبًا ثقيلًا لم يكن في الحقيقة إلا واحدة من أعظم الفرص التي منحنا الله إياها لنيل رضاه وبرّه.

قصص مقترحة