أرسلا خان/نيودلهي
في الهند، غالبًا ما يواجه الأطباء انتقادات بسبب ارتفاع أجورهم وأسلوب حياتهم المزدحم، غير أنّ هناكوجوهًا تُجسّد الروح الحقيقية لهذه المهنة. ومن بينهم الطبيب الحكومي الدكتور رمن كيشور، الذي كرّس حياته بالكامل لخدمة القرويين وتحسين أوضاعهم الصحية. فقد دفَعَهُ العهد الذي نشأ من وفاة والدته إلى أن يسلك طريقًا تكون فيه خدمة الإنسانية فوق كل شيء.
كانت وفاة والدة الدكتور كيشور المفاجئة نقطة تحوّل حاسمة في حياته؛ فقد شاهد بعينيه كيف انطفأت حياة بسبب عدم الحصول على العلاج في الوقت المناسب، وهزّه ذلك الألم من الداخل بعمق.ومنذ تلك اللحظة عقد العزم في نفسه على أن يسخّر علمه الطبي وشهادته في خدمة الفقراء والمحرومين الذين يُحرمون في كثير من الأحيان من أبسط أنواع العلاج بسبب قلة المال أو انعدام الموارد.
اليوم، يُنفق الدكتور كيشور ما بين 70 إلى 80 في المئة من راتبه الحكومي على فحوصات القرويين وأدويتهم. وهو يرى أن الهدف الحقيقي من مهنة الطب ليس مجرد تحقيق المكاسب المادية، بل الإسهام في جعل المجتمع أكثر صحة وأمانًا. وهذه الفلسفة الحياتية هي ما يميّز الدكتور كيشور عن باقي الأطباء.
وحتى الآن، قدّم الدكتور كيشور الفحص والعلاج المجاني لأكثر من 36 ألف قروي. وهذا الرقم بحد ذاته يدلّ على أن خدمته ليست مجرد جهد فردي، بل أشبه بحركة إنسانية. وكثير من الذين لم يتمكنوا من تحمل تكاليف العلاج تغيّرت حياتهم اليوم بفضله. وأهالي القرى يلقبونه بـ"الطبيب المَسيحا"، لأنه أشعل شعلة الأمل في آلاف البيوت.
ولا يقتصر دور الدكتور كيشور على العلاج فقط، بل ينظم بانتظام مخيمات صحية في القرى ويعمل على توعية السكان بالأمراض. ويؤكد أنّ الناس غالبًا ما يتجاهلون الأمراض البسيطة، لكنها مع مرور الوقت قد تتحول إلى حالات خطِرة. ومن خلال رفع مستوى الوعي، لا يصبح من الممكن فقط الوقاية من الأمراض، بل يبدأ المجتمع الريفي أيضًا في إدراك أهمية الصحة.
وتقول كثير من الأسر إنه لولا جهوده لما كان أحباؤهم على قيد الحياة اليوم.فهناك من أنقذهم في مرض قلبي خطِر، وآخرون وجدوا لأطفالهم علاجًا بفضل الأدوية المجانية التي وفّرها. وعلى ألسنة كل أسرة تتردد حقيقة واحدة: أن الدكتور كيشور لم يقتصر على العلاج فحسب، بل منحهم أملاً جديدًا في الحياة.
ويقول الدكتور كيشور: "إذا تبرّع كل طبيب ولو بجزء صغير من راتبه أو دخله لصالح المجتمع، فإن حياة ملايين الفقراء في البلاد يمكن أن تتغيّر. وإن المعنى الحقيقي للطب هو تخفيف آلام الإنسان، سواء كان يملك المال أم لا. ويرى أن الرضا الحقيقي للطبيب لا يكمن في الإنجازات العظيمة، بل في تلك الوجوه المبتسمة التي يخلّصها من المرض".
ولقد أصبح عمل الدكتور كيشور مصدر إلهام ليس لقريته فقط، بل للمنطقة بأسرها. وتحمل قصته رسالة مفادها أن الرعاية الصحية لا تقتصر على المستشفيات والعيادات فحسب، بل هي مسؤولية اجتماعية. وبفضل جهوده بدأت تنمو لدى الشباب روح الخدمة الاجتماعية.
وقصة الدكتور رمن كيشور تعلّمنا أن وجود روح الخدمة كفيل بإحداث تغيير كبير في المجمتعات حتى في ظل قلة الموارد. فالعهد الذي أخذه على نفسه بعد وفاة والدته يضيء اليوم حياة آلاف القرويين. إنه ليس مجرد طبيب، بل هو قدوة في الإنسانية، إذ وهب حياته كلها لخير الآخرين.