منصور الدين فريدي/ ميوات
برزت من منطقة ميوات التابعة لمقاطعة نوح في ولاية هاريانا صورة تبعث على الأمل في هذا العصر. ففي وقت تكثر فيه النقاشات في البلاد حول الدين والهوية، قدّمت بعض قرى ميوات نموذجًا لافتًا في الإنسانية والأخوّة والاحترام المتبادل، حتى أصبح حديث الناس في أماكن بعيدة.
وخلال رحلة "براج تشوراسي كوس باريكراما" الدينية، فتحت عائلات مسلمة في قريتي نيمكا وباتشور منازلها ومدارسها ومواردها لخدمة الحجاج والزوار. ولم تكسب هذه المبادرة قلوب المسافرين فحسب، بل أظهرت أن العلاقات بين الناس على المستوى الشعبي لا تزال قائمة على المحبة والثقة.
ويشارك آلاف المتعبدين هذه الأيام في رحلة "براج ماندال" التي تمر عبر منطقة ميوات. وخلال الرحلة، تُعد ترتيبات الإقامة والطعام والراحة من أكبر التحديات، إلا أن السكان المحليين بادروا إلى تحمل المسؤولية، واستقبلوا الزوار وقدموا لهم الضيافة بكل احترام وتقدير.
ويُعد عارف خان، أحد سكان قرية نيمكا ومؤسس مدرسة "دي سي إم" العامة، من أبرز الوجوه التي قادت هذه المبادرة. فقد خصص جميع غرف مدرسته لاستقبال الحجاج والزوار، ولم يكتفِ بذلك، بل فتح أيضًا منزله الخاص لهم، وانتقل مع أسرته للإقامة في منزل آخر داخل القرية.
وجرى داخل حرم المدرسة تجهيز أماكن لإقامة مئات الزوار، مع توفير الكهرباء والمراوح ومياه الشرب وغيرها من الاحتياجات الأساسية داخل الغرف. كما بذل السكان المحليون جهودًا متواصلة لتأمين أجواء مريحة للحجاج بعد يوم طويل من السفر والتنقل.
ويقول عارف خان إن الحجاج يصلون أحيانًا في ساعات متأخرة من الليل، ولذلك تعمل فرق المتطوعين على توفير أماكن الإقامة والخدمات اللازمة لهم. ويؤكد أن خدمة الضيف تمثل أسمى معاني الإنسانية.
كما فتح مطبخه الخاص لخدمة الزوار، حيث وفر الدقيق والحليب والشاي وغيرها من المواد الضرورية. وجرى الاهتمام بكل الاحتياجات الصغيرة والكبيرة، بدءًا من توفير أماكن لشحن الهواتف المحمولة، وصولًا إلى تأمين إقامة مريحة للضيوف.
وأشاد الحجاج المشاركون في الرحلة بهذه الترتيبات بشكل واسع. وقال عدد من الزوار القادمين من ولايات مادهيا براديش وراجستان وأوترا براديش وهاريانا إنهم لم يشعروا بأي نوع من التمييز، مؤكدين أن العائلات المسلمة المحلية عاملتهم كما لو كانوا أفرادًا من أسرهم.
وقالت إحدى النساء المشاركات في الرحلة إن الإنسانية والمحبة هما أعظم الأديان، مشيرة إلى أن حفاوة الاستقبال التي لقيتها من سكان القرية منحتها صورة جديدة ومختلفة عن منطقة ميوات.
وفي قرية نيمكا أيضًا، فتح مشتاق خان أبواب منزله للحجاج، وقرر مع أفراد أسرته الانتقال إلى منزل آخر حتى لا يواجه الزوار أي صعوبة أو إزعاج. وقد جرى تخصيص طابقي المنزل بالكامل لإقامة الحجاج، فيما شوهدت النساء المشاركات وهنّ يقمن بإعداد الطعام بشكل جماعي داخل المنزل. كما انشغل كثير من الأشخاص بأعمال الخدمة والتنظيم، وبدا المشهد أقرب إلى تجمع عائلي كبير منه إلى مناسبة دينية فقط.
وقالت سافيتا، القادمة من مدينة ساغر في ولاية مادهيا براديش، إن مجموعتها المكونة من 13 شخصًا حصلت على جميع التسهيلات اللازمة للإقامة، حيث خُصصت لهم أماكن لوضع الأمتعة، كما تلقوا المساعدة في إعداد الطعام. وأضافت أن أكثر ما أثر فيها هو أن السكان المحليين لم يجعلوهم يشعرون أبدًا بأنهم غرباء.
وقال نيراج كومار شارما إن تنظيم إقامة هذا العدد الكبير من الحجاج لم يكن ممكنًا لولا تعاون العائلات المسلمة المحلية، مؤكدًا أن هذه التجربة ستظل من الذكريات المميزة في حياته.
وفي قرية باتشور، ظهرت أيضًا صورة مؤثرة أخرى من صور الأخوّة والتعايش السلمي أثارت مشاعر الحاضرين. فقبل انطلاقه في رحلة "براج تشوراسي كوس باريكراما"، انحنى المحامي بارشورام غوتام ولمس قدمي المواطن المسلم المسن إقبال جيلدار طلبًا لبركته ودعائه. وكان هذا المشهد مؤثرًا بالنسبة إلى الحاضرين، إذ قال بارشورام غوتام إن دور إقبال جيلدار في حياته لم يقتصر على كونه جارًا فقط، بل كان دائمًا مصدر توجيه ومحبة أبوية بالنسبة إليه.
وأضاف قائلاً إن المكانة التي يحتلها إقبال جيلدار في حياته تشبه المكانة الخاصة التي كان يحظى بها ناند بابا في حياة اللورد كريشنا، ولذلك كان من الضروري أن ينال دعاءه وبركته قبل بدء الرحلة.
ومن جانبه، تأثر إقبال جيلدار بالموقف، فاحتضن بارشورام غوتام ودعا له بالتوفيق والنجاح في رحلته، كما قدم له ألف روبية تعبيرًا عن المحبة وأطيب التمنيات.
ويؤكد السكان المحليون أن هوية منطقة ميوات لا تقتصر على كونها منطقة جغرافية فحسب، بل إنها أرض تشتهر بالثقافة المشتركة والاحترام المتبادل والوئام الطائفي. فعلى مدى سنوات طويلة، ظلّ الهندوس والمسلمون يشاركون بعضهم بعضًا في الأعياد والمناسبات الاجتماعية والاحتفالات العائلية.
وتُعد المشاهد التي برزت خلال رحلة "براج ماندال" انعكاسًا حيًّا لهذه التقاليد الراسخة، حيث أثبت الناس أن القوة الحقيقية للمجتمع لا تكمن في الجدران التي تُبنى باسم الدين، بل في العلاقات التي تصل بين القلوب. وتُعتبر رحلة "براج تشوراسي كوس باريكراما" من الرحلات الدينية المرتبطة بالأماكن المقدسة الخاصة باللورد كريشنا. وتنطلق هذه الرحلة من معبد نالهار في منطقة نوح، مرورًا بعدد من المواقع الدينية المختلفة، وصولًا إلى منطقة سينغار. وتُعد منظَّمة "فيشوا هندو باريشاد" من أبرز الجهات المنظِّمة لهذه الرحلة.
فإن الرسالة التي خرجت من منطقة ميوات خلال رحلة هذا العام لا تقتصر على كونها مجرد فعالية دينية، بل تحمل معاني أعمق من ذلك بكثير. فهي رسالة ثقة متبادلة، ورسالة تراث مشترك، وقبل كل شيء رسالة تؤكد أن الإنسانية ما تزال حيّة.
وقد أثبت أهالي قريتي نيمكا وباتشور أن القلوب حين تكون منفتحة، فإن أبواب البيوت تُفتح تلقائيًا. وهذه هي الهوية الحقيقية لميوات، وهي أيضًا واحدة من أجمل صور الثقافة الهندية المشتركة.