عباد الرحمن/نيودلهي
يحلّ شهر رمضان المبارك على المسلمين في الهند بروحٍ مفعمة بالإيمان والبهجة، فيتحوّل المشهد العام في الأحياء والأسواق والمساجد إلى لوحةٍ نابضة بالتقاليد العريقة والتنوّع الثقافي. وفي بلدٍ يمتدّ على مساحات شاسعة وتلتقي فيه اللغات والأعراق والديانات، تتجسّد خصوصية استقبال الشهر الكريم في مزيجٍ متناغم من العبادة والعادات الاجتماعية التي تعكس عمق حضور الإسلام في النسيج الهندي.
وتبدأ الاستعدادات قبل حلول الشهر الفضيل بأيام، حيث تنشط الأسواق الشعبية في مدن مثل دلهي وحيدر آباد ولكناؤ وكولكاتا، وتزدحم محالّ التمور والتوابل والحبوب. وتُزيَّن بعض الشوارع بالأضواء، وتتعالى في المساجد دروس التهيئة الروحية التي تذكّر بفضائل الصيام والقيام. ويترقّب الناس إعلان رؤية الهلال، إذ تتّجه الأنظار إلى السماء وتتناقل العائلات خبر ثبوت الرؤية بفرحٍ عارم.كما تنظّف الأمهات والجدات المنازل وتُرتّب الأدوات. ويشارك الجميع في هذا العمل -الأطفال والرجال والنساء- كأنه طقس جميل يجمع العائلة حول لحظة انطلاقة رمضان.
ومع اليوم الأول من رمضان في الهند، يتبدّل إيقاع الحياة تدريجيًا، لا سيما في المدن ذات الكثافة المسلمة. وغالبًا ما تتكوّن وجبة السحور من أطعمة محلية مشبعة مثل البراثا، والأرز، والبيض، والحليب أو الشاي... لتمنح الصائم طاقة ليوم طويل. وفي بعض الولايات أو المؤسسات ذات الغالبية المسلمة، قد تُراعى ظروف الصائمين بتعديل طفيف في ساعات الدوام، وإن لم يكن ذلك معمولًا به على مستوى وطني عام. كما تتكثّف البرامج الدينية على المنصات الرقمية، وتزداد الدروس والمواعظ في المساجد، مما يضفي على الأجواء طابعًا روحانيًا مميزًا يعكس التنوع الثقافي والديني للهند.
وعند غروب الشمس، تتجلّى لحظة الإفطار كطقسٍ اجتماعي بامتياز. تُحضَّر الموائد في البيوت وتُفتَح أبوابها للأقارب والجيران، وتُقام موائد جماعية قرب المساجد تستقبل عابري السبيل. وتشتهر مناطق عدة بأطباقٍ موسمية مثل "الحليم" في حيدر آباد، وأنواع السَّمبوسة والباكورا والحلويات التقليدية التي تعبق بروائح الهيل والزعفران. ولا يقتصر الأمر على الطعام، بل يمتدّ إلى لقاءاتٍ عائلية تُجدّد أواصر القربى وتُرسّخ قيم المشاركة.
وتتزيّن ليالي رمضان بصلاة التراويح التي تشهد إقبالًا كبيرًا، حيث تتعالى تلاوات القرآن بأصواتٍ شجية، ويحرص الأئمة على ختم المصحف الشريف خلال الشهر. وفي العشر الأواخر، يزداد الاعتكاف وتكثر حلقات الذكر، ويتسابق الناس إلى الصدقات وزكاة الفطر، دعمًا للأسر المحتاجة.
ويمثّل رمضان أيضًا مساحةً للتلاقي بين مكوّنات المجتمع الهندي المتعدد. ففي أحياء مختلطة، يشارك جيرانٌ من ديانات أخرى جيرانهم المسلمين لحظات الإفطار، أو يهنئونهم بقدوم الشهر، في صورةٍ تعبّر عن تقاليد العيش المشترك. كما تنخرط منظمات أهلية في توزيع السلال الغذائية، وتُطلق مبادراتٍ صحية وتوعوية تعزّز ثقافة العطاء.وللشباب نصيبٌ خاص من أجواء الشهر؛ إذ تنشط المسابقات القرآنية والبرامج التطوعية، وتستثمر المنصّات الرقمية في بثّ المحاضرات.
وتتحوّل بعض أسواق المناطقإلى وجهاتٍ نابضة بالحياة بعد صلاة التراويح، مثل "تشاندني تشوك" و"بتلا هاوس" في دلهي و"شارع محمد علي" في مومباي، و"تشار مينار" في حيدر آباد، ما ينعكس إيجابًا على الحركة الاقتصادية في هذه الفترة.
وأما الأطفال، فيعيشون تجربةً مميّزة بين أول صيامٍ يحاولونه وتشجيع الأسرة لهم، وبين زينة البيوت وأصوات المدافع الرمزية التي تعلن الإفطار في بعض المدن. وتحرص العائلات على غرس معاني الرحمة والانضباط في نفوسهم، ليظلّ رمضان ذكرى تربوية تتكرّر عامًا بعد عام.
اقرأ أيضًا: الأطباق الرمضانية التقليدية على موائد الإفطار في مختلف ولايات الهند
وهكذا يستقبل المسلمون في الهند شهر رمضان بوصفه موسمًا للإصلاح الداخلي والتراحم الاجتماعي، تتعانق فيه العبادة مع الثقافة، وتتجدد فيه الروابط بين الفرد ومجتمعه. وإنه شهرٌ يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح لحظاتٍ من الصفاء وسط صخب الحياة، ويؤكد أن روح الصيام قادرة على توحيد القلوب في بلدٍ يزهو بتعدّده وتاريخه العريق.