نوشاد أختر / رانتشي
أصبحت رِيْشَمْ فاطمة (29 عامًا) أول ناجية من هجوم بالأسيد في الهند تحصل على منحة تشيفنينغ (Chevening Scholarship) المرموقة، التي تمنحها حكومة المملكة المتحدة.
وبموجب هذه المنحة، ستلتحق ببرنامج الماجستير في النوع الاجتماعي والتنمية والعولمة في كلية لندن للاقتصاد، إحدى أعرق الجامعات في العالم. إلا أن وصولها إلى هذا الإنجاز كان ثمرة رحلة طويلة اتسمت بالشجاعة الاستثنائية والصمود.
وكانت ريشم فاطمة تبلغ من العمر 17 عامًا فقط، وكانت تدرس في الصف الحادي عشر بمدينة لكناؤ في ولاية أترا براديش، حيث كانت تعيش مع جديها، عندما تعرضت لحادث غيّر مجرى حياتها في عام 2014م. فقد ظل رياض، وهو ابن خال والدتها ويكبرها بنحو 20 عامًا، يضغط عليها مرارًا للزواج منه. وعندما رفضت، دبر جريمة انتقامية وحشية بحقها.
وفي أحد أيام فبراير 2014م، عرض رياض أن يصطحبها من مركز الدروس الخصوصية إلى منزلها. وبحكم أنه أحد أقاربها المقربين، وافقت على مرافقته دون تردد. لكنه بدلاً من ذلك قاد السيارة إلى طريق مهجور، ثم سكب الأسيد على رأسها بشكل مفاجئ. وتستعيد ريشم تلك اللحظات قائلة: "في البداية ظننت أنه بنزين، لكن بعد لحظات شعرت بحرقة لا تُحتمل. ثم أخرج سكينًا ووضعه على عنقي. وما زلت أتذكر ذلك المشهد. وشعرت حينها أن هذه ربما تكون لحظة الموت".
وبشجاعة لافتة، دفعت ريشم المعتدي بعيدًا عنها وركضت نحو الطريق رغم الألم المبرح. وهناك، أنقذها سائق عربة "أوتو ريكشا" وساعدها على الفرار. ولكن معاناتها لم تنتهِ عند هذا الحد. فعندما وصلت إلى مركز شرطة قريب، تجمع عدد من الأشخاص حولها، إلا أن أحدًا لم يبادر إلى نقلها إلى المستشفى. ولم تتلقَّ الرعاية الطبية إلا بعد أن تدخل رجل مسن وساعد في إيصالها إلى المستشفى لتلقي العلاج.
وأسفر الهجوم عن حروق بالغة في وجه ريشم وجسدها، مما اضطرها إلى الخضوع لسنوات من العمليات الجراحية والعلاج. وخلال تلك الفترة، انسحبت من الحياة الاجتماعية، وهي تحاول التعايش مع الصدمة النفسية التي خلفها الاعتداء. ولكنها قرّرت في نهاية المطاف ألا تجعل تلك الجريمة تحدد مستقبلها. ورغم الألم الجسدي الشديد والمعاناة النفسية، حققت 87% في امتحانات الصف الثاني عشر.
وفي عام 2015م، مُنحت "جائزة بهارات"، وهي أرفع جائزة وطنية هندية للشجاعة تُمنح للأطفال، تقديرًا لشجاعتها الاستثنائية.
وواصلت ريشم مسيرتها التعليمية، فحصلت على درجة البكالوريوس مع مرتبة الشرف في الفيزياء من الجامعة الملية الإسلامية، ثم نالت درجة الماجستير في العلوم السياسية والعلاقات الدولية من جامعة جواهر لال نهرو بنيودلهي.
وتقول ريشم: "كان الناس يحدقون في وجهي، ويطرحون أسئلة غريبة، والأسوأ من ذلك أنهم كانوا ينظرون إليّ بعين الشفقة. ولم أكن أريد شفقة أحد، بل أردت أن يعرفني الناس بقدراتي، لا بالندوب التي أحملها".

ورغم أن قسوة رجل واحد غيّرت مجرى حياتها، فإن دعم زوجها أصغر منحها الأمل لتبدأ من جديد. فبعد زواجهما عام 2024م، شجّعها على التقدم للحصول على منحة تشيفنينغ، التي تمنحها حكومة المملكة المتحدة.
ولا يقتصر طموح ريشم فاطمة على تحقيق النجاح الشخصي، بل تكرّس جهودها أيضًا لتمكين الآخرين. ففي عام 2023م، أثناء دراستها في جامعة جواهر لال نهرو، أسّست مؤسسة "عبرة" (Ebrah Foundation)، التي تُعنى بتوجيه الشابات المسلمات ودعمهن في مجالات التعليم، والتطوير المهني، والاستقلال المالي.
وترى ريشم أن المرأة المسلمة كثيرًا ما تواجه تمييزًا مزدوجًا؛ فهي تتعرض للتمييز بوصفها امرأة، وباعتبارها تنتمي إلى أقلية. وتؤمن بأن الاستقلال الاقتصادي هو المفتاح الذي يمكّن النساء من اتخاذ قراراتهن بأنفسهن ورسم مستقبلهن بثقة.

وأُلقي القبض على رياض عقب تنفيذ الهجوم، لكنه انتحر داخل السجن أثناء محاكمته في عام 2015م.
وتقول ريشم: "لم أكن أريد له أن يموت. كنت أريده أن يبقى حيًا ليرى نجاحي، وأن يدرك أنه لم يتمكن من تدمير حياتي".
اقرأ أيضًا: أجيت دوفال.. ستة عقود في خدمة أمن الهند
وبموجب منحة تشيفنينغ الممولة من الحكومة البريطانية، ستتكفل المنحة بكامل الرسوم الدراسية، وتكاليف السكن، ونفقات المعيشة، ومصاريف السفر.
وقد حصلت ريشم على هذه المنحة بعد اجتياز عملية اختيار تنافسية متعددة المراحل، تُعد من بين أكثر برامج المنح الدولية تنافسًا.