أجيت دوفال.. ستة عقود في خدمة أمن الهند

04-08-2026  آخر تحديث   | 03-08-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
مستشار الأمن القومي أجيت دوفال
مستشار الأمن القومي أجيت دوفال

 


راجيف نارايان

عندما ألقى أجيت دوفال كلمته عقب تسلمه جائزة لوكمانيا تيلاك الوطنية لعام 2026م، لم يتوقف عند المحطات التي جعلت منه أحد أبرز خبراء الاستخبارات والأمن في الهند، بل تحدث عن "نافذة الفرص" التي تتمتع بها الهند في المرحلة الراهنة، وحثّ الشباب على العمل من أجل بناء وطن أكثر قوة. وجاءت كلماته متواضعة على نحو يعكس شخصيته، وهو الرجل الذي أمضى ستة عقود في حماية الهند من التهديدات الظاهرة والخفية.

وغالبًا ما تحتفي الجوائز بإنجازات الماضي، لكن هذه الجائزة كانت دعوة للنظر إلى المستقبل. فبينما كان الحضور يتوقعون كلمات شكر تقليدية، اختار مستشار الأمن القومي الهندي ألا يتحدث عن إنجازاته الشخصية، بل عن الرسالة الوطنية. وقال: "يُحكم على كل جيل من خلال كيفية استجابته للفرص التي تتيحها له الحياة. ولحظتنا الراهنة تتطلب الالتزام والانضباط وروح المسؤولية الجماعية".

وخيم الصمت على الحضور وهم يستمعون إلى كلماته، قبل أن تنفجر القاعة بتصفيق حار بعدما استوعب الجميع عمق رسالته.

ويسير دوفال على خطى نخبة من الشخصيات البارزة التي نالت هذه الجائزة من قبل، ومن بينهم رئيس الوزراء ناريندرا مودي، وسودها مورتي، ونيتين غادكاري. غير أن إدراج اسمه في هذه القائمة المرموقة يحمل دلالة خاصة، إذ إن أسباب تكريمه تختلف عن غيره. فقد أمضى مسيرته المهنية بعيدًا عن الأضواء، فالعاملون في أجهزة الاستخبارات نادرًا ما يتحولون إلى شخصيات عامة. ويُقاس نجاحهم ليس بما يعرفه المواطنون عنهم، بل بما لا يضطرون إلى معرفته بفضل ما ينجزونه. ومع ذلك، هناك مسيرات مهنية تتجاوز حدود العمل في الظل.

وأكد وزير الداخلية أميت شاه، خلال تسليمه الجائزة، أن القوات المسلحة شهدت تحولًا جذريًا في قدراتها الدفاعية والهجومية خلال فترة تولي دوفال منصب مستشار الأمن القومي. ويرى كثيرون أن المنظومة الأمنية في الهند باتت اليوم مختلفة تمامًا عما كانت عليه قبل عقد من الزمن، وأن جانبًا كبيرًا من هذا التطور يحمل بصمات الرجل الذي يجلس إلى جانب رئيس الوزراء في اجتماعات لجنة مجلس الوزراء للأمن.

وإذا كانت سنوات أجيت دوفال في جهاز الاستخبارات قد رسخت مكانته المهنية، فإن فترة توليه منصب مستشار الأمن القومي أسهمت في إعادة صياغة المفردات الإستراتيجية للهند. فعلى مدى عقود، كانت الهند تُعرف بأنها دولة تتعامل مع الاستفزازات بضبط النفس، معتمدةً على الاحتجاجات الدبلوماسية والرأي العام الدولي. غير أن هذا التصور شهد تحولًا خلال العقد الماضي، إذ أصبحت ردود الهند أكثر دقةً وتكاملًا وحزمًا.

وجسّدت الضربات الجراحية عبر خط السيطرة عام 2016م، عقب هجوم أوري، ثم الغارة الجوية على بالاكوت بعد هجوم بولواما عام 2019م، هذا التحول في النهج. ورغم أن هاتين العمليتين كانتا عمليتين عسكريتين نفّذتهما القوات المسلحة تحت القيادة السياسية، فإنهما عكستا عقيدةً أوسع تقوم على التنسيق الوثيق بين أجهزة الاستخبارات والدبلوماسية والتخطيط العسكري وصنع القرار السياسي.

الجاسوس الفيلسوف

من بين الألقاب الكثيرة التي أُطلقت على أجيت دوفال على مرّ السنين، ربما لا يعبّر عنه لقب "الجاسوس الفيلسوف" بقدر ما يفعل أي لقب آخر. فرغم أن دوفال أمضى معظم مسيرته المهنية بعيدًا عن الأضواء، فإنه كان صريحًا بصورة لافتة كلما اختار التحدث علنًا.

ومن خلال محاضراته وكلماته في المنتديات الإستراتيجية خلال العقد الماضي، كشف مستشار الأمن القومي عن رؤية تتجاوز حدود العمل الاستخباراتي والإستراتيجية العسكرية، لتشمل منظورًا أوسع يتناول قضايا الدولة والأمن القومي والتنمية ودور الهند في النظام الدولي.

وقال دوفال في إحدى المناسبات: "إن الهند دولة ذات حضارة عريقة. فهل نمتلك ذلك الوعي الجمعي المشترك والفريد الذي يوحدنا؟". وكان هذا التساؤل يعكس قناعته بأن أعظم مصادر قوة الدولة لا تكمن في حدودها الجغرافية فحسب، بل في القيم والهوية والوعي المشترك الذي يجمع أبناءها. وبالنسبة إليه، فإن الأمن القومي يبدأ بالثقة الوطنية.

وفي رؤيته، لم يعد مفهوم القوة يُقاس بعدد الجنود أو الصواريخ وحدها. فقد قال: "إن من يستطيع أن يجعلك تفكر بالطريقة التي تخدم مصالحه، هو من يمتلك القوة الحقيقية". وبهذا شدّد على الأهمية المتزايدة للأفكار والمعلومات والتأثير في عصر تتشكل ملامحه بفعل الحروب السيبرانية، والذكاء الاصطناعي، والتلاعب الرقمي.

ولعل هذا ما يفسر أيضًا تحذيره من أن الديمقراطية تعتمد على مواطنين يتلقون معلومات صحيحة ويحظون بتعليم سليم، محذرًا من أن الروايات المضللة والمعلومات الزائفة قد تغيّر مصير الأمم بقدر ما تفعله الصراعات التقليدية.

 

ولم تتغير قناعة دوفال بأن الأمن مسؤولية وطنية مشتركة. فقد قال في إحدى المناسبات: "إن الأمن القومي مسؤولية الدولة بأكملها، وليس مسؤولية القوات المسلحة أو الشرطة أو أجهزة الاستخبارات وحدها". وتختزل هذه العبارة فلسفةً أوسع مفادها أن قوة المؤسسات، ووعي المواطنين، والتماسك المجتمعي لا تقل أهمية عن الجاهزية العسكرية في حماية الوطن.

كما تفسر هذه الرؤية تأكيده المتكرر على أن القوة الوطنية المستدامة لا تستند إلى القدرات العسكرية وحدها، بل تقوم بالقدر نفسه على الاقتصاد القوي، والتقدم التكنولوجي، والتنمية المستدامة.

اقرأ أيضًا: التعليم ركيزة نهضة الأمم وصناعة المستقبل

ولعل أكثر ما يلخّص شخصية أجيت دوفال قوله: "إن أكبر خطأ في تقدير قوة أي دولة هو تجاهل إرادة شعبها". فخلف صلابته المعروفة يكمن مفكر ينظر إلى إدارة الدولة من منظور حضاري أشمل، يقوم على الإيمان بأن الطابع الوطني، والقدرات، والهدف الجماعي المشترك تشكل جميعها ركائز لا تقل أهمية عن عناصر القوة التقليدية في بناء دولة قوية وقادرة على مواجهة التحديات.

قصص مقترحة