ملك أصغر هاشمي/ فريد آباد
في وقتٍ يحقق فيه الرماية الهندية صدى عالميًا، وترتبط أسماء مثل مانو بهاكر وأبهي ناف بيندرا برفع اسم البلاد، هناك اسمٌ غاب عن الأضواء في أروقة المشهد الرياضي.
ذلك الاسم هو أنيسة سيد، الرامية التي كانت رصاصاتها تمطر الميداليات لصالح الهند. واليوم، تعيش في فريد آباد بولاية هاريانا، تهتم بأسرتها وتربي ابنتها البالغة من العمر تسع سنوات. ومع ذلك، إذا أعدنا قراءة صفحات التاريخ، يتضح أنها رياضية حوّلت التحديات إلى "هدف"، واجهته بثبات، ورفعت علم الهند عاليًا على الساحة العالمية.
ولا تقل قصة أنيسة سيد في طريقها إلى أن تصبح رامية دولية إثارةً عن سيناريو فيلم. ففي زمنٍ تتوفر فيه للرياضيين ميادين تدريب متطورة وفرق من المدربين، شقّت أنيسة طريقها وسط ظروف من قلة الإمكانات.
وروت أنيسة حكاية لافتة من بداياتها؛ إذ كانت فرص الخروج للتدريب نادرة، فحوّلت منزلها إلى ميدان رماية، حيث ثبّتت هدفًا بين غرفتين وظلت تتدرّب لساعات طويلة. وبفضل إصرارها وشغفها، انتقلت من ميدانها المنزلي إلى منصات التتويج الدولية.

ووُلدت أنيسة سيد، البالغة من العمر 45 عامًا، في منطقة خدكي التابعة لمقاطعة ساتارا بولاية ماهاراشترا. وقد ورثت شغف الرياضة عن والدها عبد الحميد سيد، الذي كان لاعب كرة قدم على مستوى الأندية. وبدأت رحلتها في الرماية خلال سنوات دراستها الجامعية عبر برنامج "فيلق الكاديت الوطني"، حيث حصلت على لقب أفضل رامية في البرنامج على مستوى المدرسة. وتزوّجت أنيسة سيد من مبارك حسين خان، وهو من سكان منطقة ميوات في ولاية هاريانا.
وازدهرت مسيرة أنيسة سيد في دورة ألعاب الكومنولث التي أُقيمت في دلهي عام 2010م، حيث لم تكتفِ بالفوز بالميدالية الذهبية في منافسات الفرق لمسدس 25 مترًا إلى جانب راهي سارنوابات، بل أحرزت أيضًا الميدالية الذهبية الفردية محققة رقمًا قياسيًا بلغ 776.5 نقطة. وقد شكّل هذا الإنجاز آنذاك بارقة أمل جديدة للرياضة الهندية.

كما فازت بالميدالية الذهبية في ألعاب جنوب آسيا عام 2010م، ونالت الميدالية الفضية في دورة ألعاب الكومنولث في غلاسكو، وأضافت ميدالية برونزية في دورة الألعاب الآسيوية في إنشيون، وفي عام 2016م عادت لتحصد الذهبية في بطولة الرماية الوطنية.
وشكّلت منطقة ميوات، المعروفة بطابعها المحافظ والتقاليد الصارمة، تحديات كبيرة أمام أنيسة بصفتها رياضية، وهي تحديات لا تقل صعوبة عن الفوز بميدالية ذهبية.
وقصة أنيسة سيد ليست مجرد حكاية انتصارات، بل هي أيضًا قصة صراع مع النظام. ففي مرحلة ما، عملت كجابية تذاكر في السكك الحديدية الهندية، لكنها اضطرت إلى الاستقالة بعد رفض طلبات نقلها مرارًا.
اقرأ أيضًا: "راكبة الدراجة المحجبة".. أيقونة جديدة لتمكين المرأة
وفي الوقت الحالي، ابتعدت أنيسة عن ميادين الرماية، إذ أصبحت أولويتها اليوم رعاية ابنتها البالغة من العمر تسع سنوات. ومع ذلك، لا يزال عشّاق الرياضة يفتقدونها، فكلما ذُكرت راميات المسدس في الهند، يبرز اسم أنيسة كمصدر إلهام. ولقد أثبتت أن الفتاة من الطبقة المتوسطة، إذا امتلكت إرادة قوية، يمكنها أن تتجاوز حدود المنزل وترفع علم بلادها على أعلى المنصات العالمية.
ورغم أن أنيسة سيد تعيش اليوم بعيدًا عن الأضواء، فإن التاريخ سيظل يذكرها باعتبارها تلك "الرامية الدقيقة" التي منحت رياضة الرماية النسائية في الهند هوية جديدة.