مطبخ سحابي يحفظ ذاكرة المدينة.. حكاية مليحة بيغ مع التراث الغذائي

18-06-2026  آخر تحديث   | 18-06-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
مليحة بيغ
مليحة بيغ

 


رتنا جي. تشوتراني

بعض القصص لا تتعلق بالطعام فحسب، بل تحمل في طياتها عبق التراث والشغف والأحلام. ومن بين هذه القصص تبرز حكاية "مليحة بيغ" من حيدر آباد، التي استطاعت، رغم عدم تلقيها تعليمًا متخصصًا في فنون الطهي أو امتلاكها خبرة طويلة كطاهية محترفة، أن تُعيد إلى الحياة نكهات أصيلة تستحضر أجواء المطابخ الملكية في عهد نظام حيدر آباد. فالعطر المتصاعد من مطبخها لا يعكس روعة الطعام فقط، بل يروي أيضًا قصة تاريخ وثقافة ومحبة.

وتُعد مليحة بيغ من الطاهيات المنزليات اللاتي لم يحصلن على تدريب مهني رسمي، إلا أنهن يحتفظن بوصفات عائلية وتقليدية عريقة تُعد اليوم كنزًا ثمينًا بالنسبة إلى كبرى الفنادق والمطاعم. وقد أضفى مطبخها السحابي روحًا جديدة على مشهد المأكولات في حيدر آباد، حيث تتلاقى الأصالة مع المذاق الرفيع.

ويشهد مفهوم الطهي المنزلي في حيدر آباد نموًا متسارعًا، إذ تحوّلت المطابخ المنزلية الصغيرة إلى مراكز للإبداع وريادة الأعمال والتعبير عن الشغف. وتُعد مليحة بيغ نموذجًا بارزًا لهذا التحول، حيث تسهم من خلال أسلوبها التقليدي في الطهي في إعادة تشكيل الأذواق الغذائية في المدينة وتعزيز حضور الموروث المطبخي المحلي.

وتعيش مليحة بيغ في منطقة بنجارا هيلز الراقية في حيدر آباد، حيث تتجاور المطاعم الفاخرة والنوادي والمباني الحديثة الشاهقة. غير أن منزلها الواقع في أحد الأزقة الهادئة يختلف عن كل ذلك، إذ تنبعث منه روائح الأطباق الملكية التقليدية التي تعيد إلى الأذهان تراث المدينة العريق. وتمتاز هويتها المطبخية بالبساطة والعمق في آن واحد، إذ يجسد قائمة طعامها روح حيدر آباد بكل تفاصيلها، من مأكولات الشوارع الشعبية إلى الأطباق المنزلية التقليدية والوصفات الكلاسيكية التي اشتهرت بها مطاعم المدينة.

وترى مليحة أن الطهاة المنزليين في المدن الهندية الكبرى باتوا يرسخون حضورهم من خلال الفعاليات المؤقتة المخصصة للمأكولات الإقليمية، وهي بدورها تقدّم أطباقًا منزلية تقليدية في المناسبات الخاصة ووجبات الغداء والعشاء. ولا يقتصر المطبخ الحيدرآبادي على كونه مزيجًا من النكهات فحسب، بل يُعد انعكاسًا لتلاقح ثقافات متعددة، تجمع بين التأثيرات المغولية والتركية والعربية والتيلوغوية. وقد أسس حكام نظام حيدر آباد هذا الإرث المطبخي الغني عندما استقطبوا إلى المدينة شعوبًا وثقافات مختلفة، فأصبحت أطعمتهم وتقاليدهم جزءًا من هوية حيدر آباد المميزة.

وبعد مسيرة مهنية ناجحة امتدت 35 عامًا في مجال التعليم والإرشاد، عادت مليحة بيغ إلى شغفها الحقيقي بالطهي. وكان الإغلاق الذي فُرض عام 2020م خلال جائحة كورونا نقطة تحول حاسمة في حياتها، إذ بدأت بتنظيم وجبات عشاء خاصة من مطبخ منزلها، وهي التجربة التي مهّدت لاحقًا لإطلاق مشروع مطبخها السحابي الذي حقّق نجاحًا لافتًا.

وتقول مليحة: "لم تكن لدينا موارد كبيرة، ولم نعتمد يومًا على استثمارات خارجية، لكننا كنا نؤمن إيمانًا كاملًا بعلامتنا التجارية، وبنكهاتنا، وبالجهد الذي نبذله. وهذا الإيمان هو ما شكّل أساس نجاحنا اليوم".

وتتميز أطباقها بمزيج فريد من الروائح والنكهات، حيث يضفي الزعفران والسمن البلدي والهيل وماء الورد سحرًا خاصًا على مأكولاتها، فيستحضر كل طبق عبق المطابخ الحيدرآبادية العريقة وتراثها الملكي الغني.

واليوم لا تحظى أطباقها بالإقبال بسبب مذاقها المميز فحسب، بل لما تمنحه من إحساس خاص يستحضر الذكريات، ودفء المنزل، وعبق التقاليد الملكية العريقة. ولا يحمل مطبخها السحابي لافتة ضخمة، ولا يضم قاعة فاخرة لاستقبال الزبائن، غير أن رائحة الزعفران التي تعبق في أزقة بنجارا هيلز أصبحت علامة مميزة تدل عليه.

اقرأ أيضًا: فاطمة حسنى تفتح أبواب تاريخ حيدر آباد أمام زوار العالم

وتُجسد قصة مليحة بيغ حقيقة مفادها أن الأحلام لا ترتبط بعمر معين، وأن النجاح لا يشترط دائمًا اتباع المسارات التقليدية. فقد أثبتت أن الشغف الصادق قادر على تحويل مطبخ منزلي بسيط إلى عالم من النكهات الملكية.

وأصبحت أطباقها اليوم أكثر من مجرد طعام؛ فهي مزيج من التاريخ والمحبة والتراث، يروي مع كل لقمة قصة جديدة. وقد تضم حيدر آباد عشرات المطاعم المميزة، لكن ثمة مكانًا واحدًا فقط تُقدَّم فيه الأحلام إلى جانب الطعام، وهو مطبخ مليحة بيغ.

قصص مقترحة