عابدة إنعامدار.. نموذج نسائي ملهم في التعليم والعمل الاجتماعي

13-05-2026  آخر تحديث   | 13-05-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
عابدة إنعامدار.. نموذج نسائي ملهم في التعليم والعمل الاجتماعي
عابدة إنعامدار.. نموذج نسائي ملهم في التعليم والعمل الاجتماعي

 


سمير دي. شيخ/ بونه

إن ترك وظيفة حكومية مستقرة ومرموقة من أجل تكريس الحياة لخدمة المجتمع ليس قرارًا سهلًا أبدًا. وقد اتخذت الدكتورة عابدة إنعامدار هذا القرار الشجاع قبل عقود، مكرسةً نفسها للتعليم والارتقاء الاجتماعي، ولا سيما في مجال تمكين المرأة والفئات المهمشة. واليوم، تُعد عابدة إنعامدار واحدة من أبرز التربويين والمصلحين الاجتماعيين احترامًا في مدينة بونه. وقد أسهم دورها في تطوير "حرم أعظم التعليمي" الشهير في إحداث تحول مهم ساعد على دمج الطلاب من الأقليات والمجتمعات البهوجانية في التيار الرئيس للتعليم.

وُلدت عابدة إنعامدار في الرابع من يونيو عام 1949م، وكانت الرابعة بين عشرة أشقاء. ونشأت في أسرة تقوم على الانضباط والقيم، ما أسهم في تنمية شغفها بالتعلم منذ سن مبكرة. وأكملت شهادة الماجستير في تخصص التجارة من جامعة بونه، ثم التحقت لاحقًا بدائرة الجمارك والضرائب المركزية بوصفها مسؤولة تنفيذية.

وشغلت عابدة إنعامدار مناصب مسؤولة في مدينتي بونه ومومباي، قبل أن تقرر التوجه نحو رسالة اجتماعية أوسع. وفي عام 1972م، تزوجت من الدكتور بيرباشا أ. إنعامدار، ثم قدمت استقالتها من وظيفتها الحكومية عام 1981م لتتفرغ بالكامل للعمل التعليمي والاجتماعي.

وتؤمن عابدة إنعامدار إيمانًا راسخًا بأن "التعليم هو الأداة الوحيدة القادرة على إحداث التغيير الاجتماعي والاقتصادي والسياسي". وقد أدركت مبكرًا أن الفتيات في المجتمعات المسلمة والبهوجانية ما زلن بعيدات عن فرص التعليم، لذلك ظلت تدافع باستمرار عن فكرة أن تعليم المرأة يمثّل أساس تقدم المجتمع.

وترى عابدة إنعامدار أن التعليم لا يقتصر على توسيع الآفاق الفكرية فحسب، بل يحرر الإنسان من الجهل والاعتماد على الآخرين. وكثيرًا ما أكّدت أن الاستثمار في تعليم الفتيات يحقق أعظم العوائد للمجتمع. وانطلاقًا من هذه الرؤية، أدّت دورًا محوريًا في توسيع "حرم أعظم التعليمي" التابع لجمعية ماهاراشترا كوزموبوليتان التعليمية في مدينة بونه.

وتحت قيادة الدكتور بيرباشا أ. إنعامدار وعابدة إنعامدار، تطورت المؤسسة من أربع مدارس فقط إلى واحد من أبرز المراكز التعليمية في ولاية ماهاراشترا. ويضم الحرم اليوم، الممتد على مساحة 24 فدانًا، أكثر من 32 مؤسسة تعليمية تخدم ما يزيد على 30 ألف طالب في تخصصات تشمل الآداب، والعلوم، والتجارة، والقانون، والصيدلة، والإدارة، وتكنولوجيا المعلومات. وقد استفاد عدد كبير من الطلاب، ولا سيما من أبناء الأقليات، من هذه المؤسسات التعليمية.

كما أسست عابدة إنعامدار كلية عابدة إنعامدار للبنات، وقدمت مساهمات شخصية كبيرة من أجل تطويرها ونموها. واليوم، تتلقى آلاف الفتيات تعليمهن في هذه المؤسسة، وينطلقن بثقة نحو مسارات مهنية مستقلة. وقد أسهمت جهودها بصورة كبيرة في الارتقاء الاجتماعي والاقتصادي لمجتمعات الأقليات، ولا سيما المسلمين. وأصبحت أجيال من الطلاب الذين تخرجوا في هذه المؤسسات يشغلون اليوم مواقع محترمة في مختلف المهن والتخصصات.

ولا تقتصر إسهامات عابدة إنعامدار على "حرم أعظم التعليمي" فحسب، بل تُعد عضوًا مؤسسًا في "جامعة الدكتور بيرباشا أ. إنعامدار" التي أُنشئت مؤخرًا، كما ارتبط اسمها بعدد من المؤسسات التعليمية والاجتماعية، من بينها "مؤسسة الحاج غلام محمد أعظم التعليمية"، و"مؤسسة بيرباشا أ. إنعامدار التعليمية".

ومن خلال هذه المؤسسات، تواصل عابدة إنعامدار العمل من أجل رفاه الطلاب والنساء على مستوى القاعدة الشعبية. وتحت قيادتها، لم يقتصر دور "حرم أعظم التعليمي" على تعزيز التميز الأكاديمي فحسب، بل امتد إلى ترسيخ الانسجام الاجتماعي والوحدة الوطنية. وإدراكًا منها لأهمية ربط الطلاب بالتيار الثقافي الرئيس في ولاية ماهاراشترا، أطلق الحرم مبادرات خاصة لتعليم اللغة الماراثية للطلاب المسلمين.

وفي كل عام، تُنظم احتفالات "شيف جايانتي" داخل الحرم بحماس وانضباط، بمشاركة آلاف الطلاب الذين يرتدون الأزياء التقليدية. ويعكس هذا التوجه التزام عابدة  إنعامدار بقيم الوئام الطائفي والشمول الثقافي.

وبالمثل، خلال مسيرة "باندهاربور واري" السنوية، يقدم طلاب الطب والأطباء من "حرم أعظم التعليمي" خدمات صحية مجانية لأتباع القديسين سانت توكارام وسانت ديانيشوار، عند توقف مواكب "البالكي" في مدينة بونه. وترى عابدة إنعامدار أن التعليم لا يقتصر على محو الأمية فحسب، بل يمثل وسيلة للتمكين. وهي تؤمن بأن المرأة المتعلمة تسهم بصورة مباشرة في تحسين صحة الأسرة، وتعزيز المساواة الاجتماعية، ودعم النمو الاقتصادي، واتخاذ القرارات الواعية.

ومن أجل دعم التنمية الشاملة للطلاب، يوفر "حرم أعظم التعليمي" قاعات دراسية حديثة، ومختبرات، ومكتبات، ومرافق مزودة بخدمة الإنترنت اللاسلكي، إضافة إلى مساكن آمنة للطلاب والطالبات. كما أنشأ الحرم "مجمع في. إم. غني الرياضي" وفق معايير دولية، بهدف تشجيع الطلاب، ولا سيما الفتيات، على التميز في المجال الرياضي.

وحقّق طلاب الحرم العديد من البطولات على مستوى الولاية والمستوى الوطني في رياضات مثل الكريكيت وكرة القدم والهوكي وغيرها من الألعاب الرياضية. كما قامت عابدة إنعامدار بتطوير مكتبة "معهد دكن الإسلامي" العريقة، التي يعود تأسيسها إلى أكثر من قرن، وتحويلها إلى مركز معلومات حديث يوفر الإرشاد الأكاديمي وبرامج تدريب ميسورة التكلفة للطلاب المتقدمين للامتحانات التنافسية.

اقرأ أيضًا: تنوير نسرين.. شخصية متعددة الأبعاد في المشهد الفكري الهندي

وتقديرًا لإسهاماتها الاستثنائية في مجال تعليم المرأة والخدمة الاجتماعية، منحت حكومة ماهاراشترا عابدة إنعامدار "جائزة سافيتريباي فولي". كما حصلت على "جائزة حقوق الإنسان» و"جائزة أفضل ميسّر" من مؤسسة "فاونديشن فور إكسيلنس" في الولايات المتحدة الأمريكية.

وتظل رحلة الدكتورة عابدة إنعامدار، من مسؤولة حكومية رفيعة إلى تربوية رائدة ومصلحة اجتماعية، مصدر إلهام عميق للكثيرين. فمن خلال رؤيتها الواضحة، وإصرارها، وعملها الدؤوب، أسهمت في إضاءة حياة آلاف الطلاب، وحولت التعليم إلى أداة قوية لإحداث التغيير الاجتماعي.

قصص مقترحة