صبيحة فاطمة / بنغالورو
نكهت تبسم آبرو، التي تقاعدت مؤخرًا من الخدمة الإدارية الهندية، والمعروفة أيضًا باسم "آبرو"، تلقت تعليمها في مدرسة "كندريا فيديالايا". وقد نشأت بين أسرتين تُعدّان من الأسر التقدمية في مدينة بنغالورو؛ أسرة والدها وأسرة والدتها، وكلتاهما متجذرتان في المدينة. وكان جدها طبيبًا بيطريًا، بينما خدم جَدّاها من جهة الأم في الجيش. وفي زمن كان التمييز بين الأبناء والبنات شائعًا على نطاق واسع، لم يكن لهذا التمييز أي وجود داخل أسرتها. كما كانت عماتها وخالاتها يحملن درجات علمية عليا، وكان التفوق والنجاح في عائلتها أمرًا مألوفًا، فيما كانت المعرفة والتعليم يُنظر إليهما بوصفهما قيمة مقدسة.
وفي تربيتها، حظيت التربية الدينية بأهمية خاصة أيضًا. فقد كان من ضمن برنامجها اليومي الاستيقاظ لصلاة الفجر، ثم المطالعة، وتعلّم اللغة العربية، قبل التوجه إلى المدرسة. ولم تُفرض عليها التعاليم الدينية على أنها أوامر جامدة، بل قُدِّمت لها بوصفها أسلوب حياة إيجابيًا وهادفًا. وكانت جدتها تحكي لها قصص الأنبياء عليهم السلام والحكايات التي تتضمن دروسًا أخلاقية وتربوية، وهو ما أسهم بدور مهم في بناء شخصيتها وتشكيل قيمها.

وكان والد أبرو يعمل مديرًا لمكتب البريد، بينما كانت والدتها معلمة في مدرسة. وقد جمعت بينهما علاقة قائمة على المحبة والاحترام والتعاون المتبادل، مما وفر للأبناء بيئة أسرية مثالية للنمو والتعلم. وكان والدها يشارك في الأعمال المنزلية، ويهتم برعاية الأطفال، ويحرص على التشاور مع والدتها في مختلف شؤون الحياة. وسادت المنزل أجواء من الحوار والثقة بدلًا من الخلافات والتوترات، وهو ما شكّل لاحقًا الأساس المتين لشخصية أبرو وأسهم في صقلها.
وقبل زواجها، كانت قد تقدمت بطلب للمشاركة في امتحان لجنة الخدمة العامة بولاية كارناتاكا، لكنها لم تتمكن من خوض الامتحان بسبب الزواج. وقد نصحها والدها بألا تتخلى عن أحلامها أو تتجاهل طموحاتها. ورغم أن تلك الفرصة ضاعت آنذاك، فإن القدر كان يخبئ لها مسارًا آخر. وبعد نحو عشر سنوات، عندما أصبحت أمًّا لثلاث بنات وانشغلت بمسؤولياتها الأسرية، قررت إعادة المحاولة بناءً على نصيحة أحد الجيران، فتقدمت مرة أخرى للامتحان. ولم يكن القرار سهلًا؛ فالعودة إلى الدراسة والتحضير لامتحان تنافسي بعد سنوات طويلة شكّلت تحديًا كبيرًا. وكانت ابنتها الصغرى آنذاك لا يتجاوز عمرها شهرًا واحدًا. ومع ذلك، خاضت الامتحان وحققت المركز الثالث عام 1996م، وهي اللحظة التي شكّلت نقطة تحول حاسمة في حياتها. وفي عام 1997م، التحقت بخدمة كارناتاكا الإدارية كضابطة إدارية، وعُيّنت مساعدةً للمفوّض في منطقة كولار. ثم رُقّيت عام 2008م إلى الخدمة الإدارية الهندية، ليقترن اسمها منذ ذلك الحين بالحكم الرشيد، وخدمة المواطنين، والمبادرات الإصلاحية الفاعلة.

وخلال مسيرتها المهنية في الخدمة العامة، قدمت نغت تبسم أبرو إسهامات بارزة في مجالات حقوق المرأة، والتنمية الريفية، والنظافة العامة، والحوكمة الإلكترونية. فبصفتها رئيسةً لـ"لجنة شؤون المرأة بولاية كارناتاكا" عملت على استحداث سياسات فعالة لمعالجة القضايا المتعلقة بالمرأة وتعزيز حقوقها. كما أدت دورًا مهمًا في قيادة "حملة النظافة الشاملة"، وأسهمت لأول مرة في حصول ولاية كارناتاكا على 426 جائزة "نيرمال غرام بانشايات" المخصصة للقرى المتميزة في مجال النظافة. وبرزت كذلك مساهماتها في تطوير وتنفيذ عدد من مشروعات الحوكمة الإلكترونية المهمة، من بينها مشروع KSWAN، وخدمة "بنغالورو ون"، ومنصة المشتريات الإلكترونية وغيرها. وخلال جائحة كوفيد-19، وبصفتها رئيسةً لـ"صندوق سوفارنا أروغيا سوراكشا"، عملت بلا كلل لضمان توفير الخدمات الطبية المجانية للمواطنين في إطار برنامج "آيوشمان بهارات – آروغيا كارناتاكا". وتقديرًا لخدماتها الاستثنائية، مُنحت فترة تمديد في الخدمة حتى بعد بلوغها سن التقاعد.
وترى نكهت تبسم آبرو أن النساء كثيرًا ما يضعن العقبات أمام أنفسهن أكثر مما يضعها الآخرون لهن. وتؤكد أن المجتمع قد يبادر إلى الانتقاد في البداية، لكنه يعود إلى الإشادة عندما يتحقق النجاح. ولهذا تنصح الشابات بالتركيز على أهدافهن وعدم الانشغال بكلام الآخرين، مع الثقة بقدراتهن وإمكاناتهن.

واليوم، تواصل بناتها الثلاث مسيرة النجاح في مجالات مختلفة؛ فإحداهن طبيبة متخصصة في أمراض القلب، والثانية عالمة، والثالثة حاصلة على درجة الماجستير في إدارة الأعمال. وتعكس هذه الإنجازات البيئة التربوية والقيم التي نشأت عليها نكهت تبسم آبرو، ثم نقلتها بدورها إلى الجيل التالي.
وتُجسّد حياة نكهت تبسم آبرو خير دليل على أن القيم الأسرية الراسخة، والتعليم الجيد، والوعي الديني، والعمل الدؤوب، قادرة مجتمعة على صنع إنجازات استثنائية. فمسيرتها ليست مجرد قصة نجاح لمسؤولة إدارية بارزة، بل تمثل نموذجًا لفكرٍ يؤمن بحق الفتيات في الحلم، والتعلم، والمشاركة الفاعلة في خدمة المجتمع.

اقرأ أيضًا: الدكتورة شبينة حسن.. عالمة آثار من آسام تحفظ التاريخ وتبني الوعي الثقافي
وتوجّه آبرو اليوم رسالة إلى الأجيال الشابة مفادها أن النجاح الحقيقي لا يقتصر على تحقيق التقدم الشخصي، بل يشمل أيضًا الإسهام في تحسين المجتمع وتمهيد الطريق أمام الآخرين لتحقيق طموحاتهم. ولعل هذا ما يفسر ردّها المتواضع عندما يصف الناس رحلتها بأنها استثنائية؛ إذ تبتسم وتقول إن كل ما حققته كان ثمرة أسرة متوازنة ومحبة وفّرت لها الدعم والتشجيع، مؤكدة أن ذلك يظل أعظم ما تملكه وأثمن رصيد في حياتها.