فاطمة سلطانة.. رحلة علمية أعادت الحياة إلى غابات دارا ورامغاره

01-08-2026  آخر تحديث   | 31-07-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
فاطمة سلطانة
فاطمة سلطانة

 


نيلام غوبتا

كان هناك زمنٌ كانت فيه غابات دارا ورامغاره في منطقة هادوتي بولاية راجستان، التي تضم مدن كوتا وبوندي وجالاوار، تُعد موطنًا للنمور ومناطق مخصصة للصيد الملكي لحكام الولايات السابقين. إلا أن هاتين الصفتين بدأتا تتلاشيان تدريجيًا بعد استقلال الهند. ففي حين أعلنت حكومتا راجستان والهند غابات رانثامبور في منطقة ساواي مادوبور محميةً للنمور ووفرتا لها الحماية، بقيت غابات دارا ورامغاره مهمَلة، ما أدى إلى اختفاء النمور منها وانقطاع الممر الطبيعي الذي كان يربطها بمحمية غاندي ساغار للحياة البرية في ولاية مادهيا براديش.

وكانت الغابات الكثيفة الممتدة على مساحة تقارب 17 ألف كيلومتر مربع، من رانثامبور مرورًا برامغاره ودارا وصولًا إلى غاندي ساغار، تشكل في الماضي نظامًا بيئيًا متصلًا كانت النمور تتنقل فيه بحرية. ومع مرور الوقت، فُقد هذا الترابط البيئي، قبل أن تبدأ ملامحه في التعافي تدريجيًا خلال العقد الأخير. واليوم توسعت محمية دارا السابقة من نحو 250 كيلومترًا مربعًا إلى ما يقارب 800 كيلومتر مربع، وتحولت إلى محمية تلال موكوندرا للنمور. كما تحولت محمية رامغاره إلى محمية رامغاره فيشدهاري للنمور.

ما الذي قاد إلى هذا التحول؟

يُنسب جانب كبير من هذا الإنجاز إلى الأبحاث الرائدة التي أجرتها البروفيسورة فاطمة سلطانة، عالمة الحيوان والأستاذة السابقة في كلية JDB للبنات بمدينة كوتا. وتروي البروفيسورة سلطانة قائلة: "حصلت على درجة الماجستير في علم الحيوان من الكلية الحكومية في كوتا عام 1988م، وتخرجت في المرتبة الأولى. وبفضل هذا التفوق، عُينت مباشرة محاضرة في الكلية الحكومية بمدينة باران. وخلال مسيرتي الوظيفية نُقلت أربع مرات، وكانت إحدى تلك المحطات في جالاوار".

وخلال تنقلها المتكرر برًا بين كوتا وجالاوار، لفتت انتباهها الغابات الكثيفة في دارا. وأضافت: "كنت أفكر دائمًا أنه إذا أتيحت لي فرصة إجراء بحث علمي، فسأختار هذه الغابات موضوعًا له".

وجاءت نقطة التحول أثناء مشاركتها في دورة تدريبية متقدمة بمدينة جودبور، حيث التقت بخبير الحياة البرية البروفيسور بي. بي. باركار، الذي عرّف المشاركين بالنظام البيئي في رانثامبور.

وتقول: "أخبرته برغبتي في إجراء بحث عن محمية دارا، فابتسم وقال: "الأمر صعب جدًا، ولن تتمكني من إنجازه". فأجبته: "أنا مستعدة لبذل كل ما يلزم من جهد".

وبإصرارها على إثبات قدرتها، سجلت لنيل درجة الدكتوراه تحت إشراف الدكتورة أنورادها سينغ في كلية JDB للبنات بمدينة كوتا، وكان عنوان رسالتها: "دراسة التنوع الحيواني في محمية دارا بمنطقة هادوتي في راجستان". وأكملت الدكتوراه عام 2007م.

وبعد الانتهاء من البحث، سلّمت نسخًا من أطروحتها إلى دائرة الغابات والحياة البرية في كوتا، وإلى المقر الرئيس للدائرة في جايبور. وتختتم حديثها بالقول: "وللمرة الأولى بدأ قسم الغابات يناقش بجدية الأهمية البيئية لمحمية دارا استنادًا إلى نتائج بحثي".

وبعد فترة وجيزة، تلقت البروفيسورة فاطمة سلطانة خطابًا رسميًا من دائرة الغابات في حكومة راجستان، خاطبتها فيه بصفتها عالمة بيئة، وطلبت منها إعداد تقرير علمي مفصل لتقييم إمكانية إعادة توطين النمور في المنطقة، وآلية تنفيذ ذلك إذا ثبتت جدواه.

وتقول: "قدمت التقرير في فبراير 2012م، واستنادًا إلى توصياته أعلنت حكومة راجستان في أبريل 2013م المنطقة محمية تلال موكوندرا للنمور، وبعد ذلك بوقت قصير نُقل نمران من محمية رانثامبور إليها".

غير أن تحديًا بيئيًا آخر كان لا يزال قائمًا. فمع تزايد أعداد النمور في رانثامبور، برزت الحاجة إلى توفير موائل جديدة لها، الأمر الذي استلزم إعادة إحياء محمية رامغاره فيشدهاري الواقعة بين رانثامبور وموكوندرا. وكان الهدف من ذلك إنشاء ممر بيئي آمن يسمح للنمور وغيرها من الحيوانات البرية بالانتقال بحرية وتأسيس مناطق نفوذ جديدة.

وتضيف: "طلبت مني دائرة الغابات بعد ذلك إعداد تقرير مماثل حول ملاءمة الموائل في رامغاره فيشدهاري، وقد سلمته عام 2022م. وشكّلت توصياتي الأساس لخطة إدارة المحمية، كما شاركت في المشروع محللةً للبيانات وخبيرةً فنية".

واليوم لم تعد رامغاره فيشدهاري مجرد محمية للحياة البرية، بل أصبحت إحدى المناطق الحيوية للحفاظ على النمور. وتوضح: "بات بإمكان النمر القادم من رانثامبور أن ينتقل بأمان عبر رامغاره إلى تلال موكوندرا ثم يعود بصورة طبيعية. وهذا لا يفيد الحياة البرية فحسب، بل يمنح محبي الطبيعة والسياح فرصة لقضاء ثلاثة أو أربعة أيام في استكشاف هذا المثلث الفريد من الغابات".

وترى البروفيسورة سلطانة أن ما حقّقته يعود إلى شغفها العميق بالحياة البرية. وتقول: "اعتمدت دائرة الغابات تقاريري لأنها، رغم امتلاكها سجلات متفرقة عن هذه المحميات، لم تكن تملك وثيقة علمية شاملة يمكن الاستناد إليها لإعادة توطين النمور".

كما استذكرت الصعوبات الكبيرة التي واجهتها أثناء إعداد أطروحة الدكتوراه. وأضافت: "عندما بدأت البحث عن المراجع، لم أجد تقريبًا أي مادة علمية في مكتبات أو دوائر حكومية في كوتا أو جايبور. وحتى المعهد الهندي للحياة البرية في دهرادون لم يكن لديه سوى معلومات محدودة للغاية. وأما المرجع الوحيد الذي عثرت عليه، فلم يتجاوز ذكر الإحداثيات الجغرافية لمحمية دارا".

وتشير إلى أن المفارقة كانت أن العلماء العاملين هناك لم تكن لديهم معرفة كافية بالمنطقة. وتقول: "بدلًا من أن أشعر بالإحباط، أدركت مدى أهمية هذا البحث وما يمكن أن يحققه".

وفي نهاية المطاف، عثرت على وثيقة أرشيفية نادرة تعود إلى عام 1918م في أرشيف دائرة الغابات بمدينة كوتا. ورغم أنها قدمت معلومات تاريخية قيّمة، فإنها لم تغنِ عن إجراء عمل ميداني مكثف لتوثيق الغطاء النباتي والحياة البرية في المحمية وفق واقعها المعاصر.

وتروي تجربتها قائلة: "لم أكن أستطيع زيارة الغابات إلا في أيام العطل بسبب مسؤولياتي في التدريس. وكان زوجي يرافقني أحيانًا، لكن ليس دائمًا. وكانت ابنتي لا تزال صغيرة، لذلك كنت أضطر إلى اصطحابها معي. وكنت أتركها في مكتب مسؤول الغابات بينما أتوجه إلى أعماق الغابة لإجراء الدراسة. وإذا تأخرت حتى المساء، كنت أعود بين الحين والآخر للاطمئنان عليها والتأكد من أنها بخير".

وتبتسم البروفيسورة فاطمة سلطانة وهي تستعيد تلك الأيام، قائلة: "أحيانًا أتساءل كم كان شغفي بالبحث كبيرًا. فقد عرّضت أطفالي، من دون أن أشعر، لبعض المخاطر بسبب إخلاصي العميق لعملي البحثي".

ولم تقتصر أبحاثها على بيئة النمور، بل أجرت أيضًا دراسة مستقلة بتمويل من "لجنة المنح الجامعية" الهندية حول بيئة ودراسة التنوع الحيوي للدب الكسلان، الذي ينتشر بأعداد كبيرة في غابات دارا. وقد أتاحت لها هذه الدراسة فرصة المشاركة في مؤتمرات علمية دولية في اليونان واليابان، حيث قدّمت نتائج أبحاثها أمام علماء من مختلف أنحاء العالم، كما ترأست عددًا من الجلسات العلمية. وتقول: "لم أكتفِ بعرض أوراقي البحثية أمام علماء من مختلف دول العالم، بل ترأست أيضًا عدة جلسات علمية. وكانت تلك من أكثر اللحظات فخرًا في حياتي، إذ أدركت أن كل الجهد الذي بذلته لم يذهب سدى".

وتقاعدت البروفيسورة سلطانة من منصب مديرة الكلية الحكومية في أنتا في فبراير 2026م، بعد مسيرة أكاديمية حافلة. وقبل ذلك أمضت ما يقرب من 28 عامًا في كلية جاناكي ديفي باجاج للبنات بمدينة كوتا، حيث شغلت أولًا منصب رئيسة قسم علم الحيوان، ثم أصبحت مديرة للكلية.

وخلال فترة عملها، استحدثت مقررًا تخصصيًا في إدارة الغابات والحياة البرية ضمن مناهج قسم علم الحيوان. وتوضح: "كنت أريد أن يكتسب طلاب علم الحيوان فهمًا راسخًا لقضايا الحفاظ على الحياة البرية قبل أن يصبحوا معلمين في المستقبل".

وقد حقّقت هذه المبادرة نجاحًا لافتًا. وأضافت: "اختارت كثير من الطالبات هذا المقرر، واليوم تبنّت العديد من الكليات في مختلف أنحاء راجستان، بما في ذلك كليات منطقة ساواي مادوبور، هذا التخصص ضمن مناهجها".

وفي عام 2010م، أسهمت جهودها أيضًا في إنشاء قسم مستقل للحياة البرية في جامعة كوتا. ولم يقتصر دور البروفيسورة سلطانة على تطوير المناهج الأكاديمية، بل نظّمت العديد من المؤتمرات وورش العمل والبرامج التوعوية التي شجّعت الطلاب على دراسة الحياة البرية، إلى جانب منظومة نهر تشامبال وروافده. وقد ألهمت جهودها أجيالًا من الباحثين لاستكشاف التنوع البيولوجي الغني في المنطقة.

وأشرفت حتى اليوم على أكثر من 50 طالبًا وطالبة في مرحلتي الماجستير والدكتوراه، كما نُشر لها أكثر من 100 بحث علمي في دوريات وطنية ودولية. ورغم أنها تصف أبحاث الحياة البرية بأنها شغف شخصي، فإن أثرها تجاوز حدود الأوساط الأكاديمية، وأسهم بصورة ملموسة في دعم جهود الحفاظ على النظم البيئية والحياة البرية في راجستان.

وقد أحدثت أعمال البروفيسورة فاطمة سلطانة تحولًا جذريًا في جهود الحفاظ على البيئة بمنطقة هادوتي، إذ أسهمت في توفير فرص عمل من خلال السياحة البيئية، وتعزيز حماية الحياة البرية، وإحياء الغابات التي ظلت مهملة لعقود طويلة. فالغابات التي كانت تُعرف يومًا بأنها مناطق صيد مخصصة للملوك، أصبحت اليوم موائل طبيعية محمية تجوبها النمور والعديد من الأنواع البرية الأخرى بحرية.

ومن خلال إدماج دراسات الحياة البرية في برامج التعليم الجامعي، أرست أيضًا أساسًا متينًا لأبحاث مستقبلية تمتد عبر آلاف الكيلومترات المربعة من الغابات والأنظمة البيئية النهرية، وصولًا إلى ولاية مادهيا براديش المجاورة.

وتؤكد أن الباحثين في المستقبل لن يضطروا إلى السفر إلى دهرادون بحثًا عن المراجع العلمية، لأن المعرفة المتعلقة بهذه المنطقة أصبحت متاحة اليوم في موطنها.

اقرأ أيضًا: نشاط حسين.. 32 عامًا في الدفاع عن المرأة وإنقاذ الأسر من التفكك

وقد نالت البروفيسورة سلطانة أكثر من أربعة عشر تكريمًا وجائزة تقديرًا لعقود من العطاء في مجالات الحفاظ على الحياة البرية، والبحوث البيئية، والتعليم.

وتختتم البروفيسورة سلطانة حديثها برسالة دأبت على توجيهها إلى طالباتها، قائلة: "أقول لطالباتي دائمًا: لا تفكرن أبدًا بأنكن "مجرد فتيات". لقد كنت فتاة مثلكن، ومع ذلك انظرن إلى ما حققته. وأنجزت أبحاثي في الحياة البرية، وأوراقي العلمية، وكتبي، بالتوازي مع مسؤولياتي في الكلية. وفي كل مؤسسة عملت فيها، سعيت إلى تقديم شيء جديد. فإذا استطعت أنا أن أفعل ذلك، فبإمكانكن أن تحققن الأمر نفسه".