بهاكتي تشالك | بونه
قد تكون بداية مشروع تجاري صغير خطوة كبيرة في حياة المرأة، لكن تحويل هذا المشروع إلى منصة تتيح لآلاف النساء الأخريات فرصة إثبات الذات وتحقيق دخل مستقل يُعد إنجازًا استثنائيًا. وهذا ما استطاعت بروين سيد، من مدينة بونه، أن تحققه؛ إذ بدأت تجارتها في مجال الملابس برأس مال متواضع لم يتجاوز 2500 روبية، وأصبح مشروعها اليوم معروفًا باسم "بوتيك هيرا". غير أن نجاحها لا يقتصر على كونها سيدة أعمال ناجحة، بل يمتد إلى توفير الفرص للنساء اللواتي يبحثن عن مصدر دخل خاص بهن إلى جانب مسؤولياتهن الأسرية.
وبدأت رحلة بروين من مومباي، ثم انتقلت إلى بونه وأستراليا، وصولًا إلى دبي حاليًا. وإلى جانب تطوير مشروعها التجاري، نظمت معارض أتاحت للنساء فرصة عرض منتجاتهن وبيعها والتواصل مباشرة مع الزبائن. وبفضل هذه المنصة، تمكنت نساء كثيرات من تحويل مشروعاتهن المنزلية إلى أعمال تجارية مستقلة؛ فافتتحت بعضهن متاجر خاصة، فيما أطلقت أخريات علامات تجارية لمنتجاتهن.
من مومباي إلى بونه
نشأت بروين سيد في مومباي، وأكملت دراستها حتى الصف العاشر باللغة الأردية. وبعد زواجها في سن مبكرة، انتقلت إلى مدينة بونه، حيث تقيم منذ 32 عامًا. كما عاشت مع أسرتها في أستراليا مدة تتراوح بين ست وسبع سنوات.
وكان اهتمامها بالتجارة حاضرًا منذ طفولتها؛ فقد كان والداها يعملان في صناعة الخيوط التي تُستخدم في إعداد أكاليل الزهور، وكانا يستعينان بالمغزل التقليدي لإنتاجها. وكانت بروين تشاركهما العمل منذ صغرها، إذ تعلمت تشغيل المغزل. وقد نشأت في بيئة تعوّد فيها الأطفال على العمل والاجتهاد، وهو ما أسهم في تنمية حسها التجاري منذ وقت مبكر.
وبعد انتقالها إلى بونه عقب الزواج، افتقدت نمط الحياة النشط الذي اعتادته في مومباي، وأصبح وقت الفراغ يشكِّل مصدر إزعاج لها. ولذلك أرادت أن تشغل وقتها بعمل مفيد، وأن تؤسس في الوقت نفسه مصدر دخل خاصًا بها.
وقبل نحو ثلاثين عامًا، لم يكن خروج النساء من المجتمع المسلم إلى سوق العمل وبدء مشروعاتهن التجارية أمرًا سهلًا؛ إذ كانت تواجههن تساؤلات واعتراضات من الأسرة والمجتمع، مثل: هل ستجد المرأة زبائن؟ وهل سينجح المشروع؟ وماذا سيقول الناس؟ ولكن بروين لم تسمح لهذه المخاوف بأن تعترض طريقها.
وبدأت عملها من منزل أسرتها في منطقة غانيش بيته بمدينة بونه، واشترت أوشحة من مومباي بقيمة 2500 روبية، ثم شرعت في بيعها. وقد لقيت إقبالًا جيدًا منذ المحاولة الأولى، فأعادت استثمار الأرباح في شراء مزيد من البضائع. ومع مرور الوقت، ارتفع رأس مالها تدريجيًا من 3000 إلى 5000 روبية.
مواصلة التعلم والتطور في أستراليا
بعد ممارسة التجارة في بونه مدة سنتين إلى ثلاث سنوات، انتقلت بروين مع أسرتها إلى أستراليا، حيث كان زوجها يعمل. ولكنها لم تحصر نشاطها في شؤون المنزل، بل واصلت التعلم والتطوير؛ فالتحقت بدورات في اللغة الإنجليزية والحاسوب، كما أكملت دورات تدريبية في رعاية الأطفال ومرحلة الحضانة. وبعد ذلك حصلت على وظيفة هناك واكتسبت خبرة عملية. وبعد ست أو سبع سنوات، عادت الأسرة إلى بونه، فاستأنفت بروين نشاطها في تجارة الملابس. ومع مرور الوقت، ازدادت ثقة الزبائن بمنتجاتها، وبدأ مشروعها يتوسع تحت اسم "بوتيك هيرا".
مبادرة جديدة بدأت بـ12 جناحًا بعد الإغلاق
شكّل الإغلاق العام الذي شهدته البلاد عام 2020 فترة صعبة لأصحاب المشروعات الصغيرة؛ إذ أُغلقت المتاجر والأسواق، وتأثرت دخول كثير من الأسر المنتمية إلى الطبقة المتوسطة. وخلال تلك الفترة، لاحظت بروين وجود عدد كبير من النساء في بونه يرغبن في العمل من منازلهن وتحقيق دخل، لكنهن لا يجدن منصة مناسبة لعرض منتجاتهن وبيعها.
وبعد انتهاء الإغلاق، قررت البحث عن حل عملي لهذه المشكلة. فنظمت أول معرض في المساحة المفتوحة أمام منزلها، ولم يضم سوى 12 جناحًا، وحددت رسوم المشاركة بمبلغ 500 روبية يوميًا لكل جناح.
وتواصلت مع معارفها وزبائنها السابقين عبر الهاتف، وأبلغتهم بالمعرض، داعية إياهم إلى شراء منتجات النساء المشاركات. وقد حقّق المعرض، الذي استمر يومين، مبيعات جيدة، وتمكنت المشاركات من بيع منتجاتهن، الأمر الذي عزّز ثقتهن بقدرتهن على إدارة مشروعات تجارية.
وتحولت هذه البداية المتواضعة مع مرور الوقت إلى منصة واسعة؛ فقد نظمت بروين حتى الآن 25 معرضًا، وارتفع عدد الأجنحة من 12 في المعرض الأول إلى 120 جناحًا. كما انضمت إلى منصتها آلاف النساء، تمكنت كثيرات منهن من بدء مشروعاتهن من المنزل، ثم انتقلن لاحقًا إلى افتتاح متاجر خاصة بهن.
ولا يقتصر هدف بروين على توفير أجنحة للنساء في المعارض، بل تطمح إلى أن تمتلك كل امرأة علامتها التجارية الخاصة، وأن تضع لافتة تحمل اسمها على متجرها. وترى أن المطلوب هو مساعدة النساء على تجاوز فرص البيع المؤقتة، والانطلاق نحو تأسيس مشروعات تجارية مستقلة.
الاعتراف بالمواهب إلى جانب دعم المشروعات التجارية
لا تقتصر المعارض التي ينظمها "بوتيك هيرا" على بيع الملابس والمجوهرات، بل تشمل أيضًا إتاحة الفرصة لفنانات نقش الحناء، وخبيرات التجميل، والخياطات، والعاملات في مجال الحرف اليدوية، لعرض مهاراتهن والتعريف بأعمالهن واستقطاب الزبائن. كما تحرص بروين على تخصيص أجنحة للأنشطة الموجهة إلى الأطفال، إيمانًا منها بأهمية إبعادهم عن الانشغال الدائم بالهواتف المحمولة، وتشجيعهم على المشاركة في الأنشطة الإبداعية. فالفنون والأعمال اليدوية وغيرها من الأنشطة تمنح الأطفال فرصة لتعلم أشياء جديدة وتنمية مواهبهم.
وتؤكد بروين ضرورة عدم التقليل من شأن مهن مثل نقش الحناء والخياطة والتجميل؛ فتعلم هذه المهارات وإتقانها يتطلبان وقتًا وجهدًا ومالًا، ولذلك ينبغي احترام النساء اللواتي يتخذن منها مصدرًا لكسب الرزق.
ومن الرسائل المهمة التي تحرص على إيصالها أهمية استثمار الوقت على النحو الأمثل. وترى أن على الإنسان، بدلًا من الانشغال بملاحقة المال، أن يركز على تطوير مهاراته والاستفادة من وقته؛ فبالعمل الجاد والمثابرة تتاح فرص كسب الرزق وتتسع آفاقها.
لماذا تنظم معرضًا كل ثلاثة أشهر؟
على الرغم من تزايد إقبال النساء على المشاركة في معارضها، لا تفضل بروين تنظيمها شهريًا، بل تحرص عادةً على إقامة معرض واحد كل ثلاثة أشهر. وتوضح أن الزبائن لا يشترون المنتجات كل شهر، وأن تكرار المعارض بوتيرة متقاربة قد يؤثر سلبًا على مبيعات النساء المشاركات.
وهي تسعى إلى ضمان تحقيق فائدة اقتصادية حقيقية لكل امرأة تشارك في المعرض. وبروين نفسها تنتمي إلى أسرة من الطبقة المتوسطة، وتدرك جيدًا متطلبات العمل التجاري وتحدياته. لذلك تؤكد أنه إذا لم تتمكن إحدى المشاركات من استقطاب الزبائن أو بيع منتجاتها، فلا يصح أن تُحمّل رسوم استئجار الجناح. فأولويتها ليست تنظيم فعاليات ضخمة أو حشد أعداد كبيرة من الزوار، وإنما تحسين مبيعات النساء وتعزيز مصادر دخلهن. وهذه الرؤية هي ما يميّز نشاطها عن مجرد تنظيم المعارض التجارية.
"رِشْتَه هيرا".. مبادرة لتقريب الأسر وتيسير الزواج
لا يقتصر نشاط بروين على دعم ريادة الأعمال النسائية، بل يمتد أيضًا إلى مجال العلاقات الأسرية؛ فمنذ عامين، تدير مبادرة باسم "رِشْتَه هيرا" (Rishtaa Heera)، تهدف إلى مساعدة الأسر التي تواجه صعوبة في العثور على شريك مناسب لأبنائها وبناتها.
فكثير من أسر الطبقة المتوسطة لا تستطيع تحمل الرسوم المرتفعة التي تتقاضاها وكالات التوفيق بين الراغبين في الزواج. ومن هنا، توفر بروين منصة تجمع هذه الأسر، حيث تُعرض بيانات الشباب والفتيات وملفاتهم التعريفية، ثم تتاح للأسر فرصة اللقاء المباشر والتعارف والتشاور.
ولا تتقاضى بروين أي رسوم عند إتمام الزواج بين الطرفين، وإنما تفرض رسوم تسجيل لتغطية تكاليف القاعة والضيافة والمأكولات الخفيفة خلال اللقاءات. كما تتيح للأسر البقاء ضمن المجموعة المعنية مدة ستة أشهر.
وقد تلقت المبادرة استفسارات من دبي وأستراليا وكندا أيضًا. وتخطط بروين لتنظيم فعالية "رِشْتَه هيرا" في دبي يوم 15 نوفمبر.
الاستعداد لفتح أسواق دبي أمام منتجات نساء بونه
تحمل زيارة بروين إلى دبي هدفًا آخر، يتمثل في إيصال منتجات النساء من بونه ومدن هندية أخرى إلى الأسواق العالمية. وتخطط لإتاحة الفرصة للنساء المشاركات في معارضها لافتتاح أجنحة في دبي، وعرض منتجاتهن أمام الزبائن هناك.
وترى أن إقبال الزبائن في دبي على منتجات إحدى المشاركات يمكن أن يفتح أمامها آفاقًا جديدة، حتى بعد عودتها إلى الهند، من خلال مواصلة البيع عبر الإنترنت. وبذلك يمكن أن تسهم كل عملية بيع في استقطاب زبائن جدد وتوسيع نطاق النشاط التجاري.
وتضم منصتها نساء من مدن هندية عديدة، كما أبدت بعض النساء المقيمات في هونغ كونغ رغبتهن في المشاركة في المعرض المزمع تنظيمه في دبي. وتسعى بروين إلى توفير أسواق أوسع للنساء، ومساعدتهن على إيصال منتجاتهن إلى ما وراء حدود البلاد.
رسالة إلى النساء المسلمات: الحجاب لا يقف عائقًا أمام النجاح
تؤمن بروين بأن المرأة التي ترتدي الحجاب أو النقاب قادرة أيضًا على ممارسة التجارة وصنع هوية مستقلة لنفسها. وترى أن نجاح المرأة لا يرتبط بملابسها، وإنما بمهاراتها واجتهادها وثقتها بنفسها.
وبعد انتهاء فترة الإغلاق العام، نشرت بروين مقطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي يحمل هذه الرسالة، فتواصلت معها نساء كثيرات. وفي البداية، ترددت بعض الأسر في السماح لنسائها بالمشاركة في المعارض، لكن بعدما تعرفت إلى طبيعة هذه الفعاليات وشاهدت أجواءها وأعمال النساء المشاركات، ازدادت ثقتها بها.
ويقدم أفراد الأسرة من الرجال أيضًا الدعم للنساء خلال هذه الفعاليات. فقد كان زوج بروين، ذاكر سيد، وأبناؤها إلى جانبها في كل خطوة. كما تشاركها ابنتها وأبناؤها الثلاثة وزوجة ابنها وصهرها في هذا العمل، ويتولى أحد أبنائها مسؤولية إدارة الأعمال وتنظيمها.
وفي معرضها الأخير، كرّمت بروين عددًا من النساء المجتهدات، حيث وضعت التيجان على رؤوسهن تقديرًا لجهودهن، ومن بينهن نساء يعملن في مجال النظافة. وجاءت هذه المبادرة اعترافًا بجهود نساء كثيرًا ما يُغفل الحديث عن مسؤولياتهن وإسهاماتهن في المجتمع.
اقرأ أيضًا: رخسار خان تُدرِّب الأشخاص على ممارسة اليوغا في مومباي وعبر الإنترنت
فتقدم رحلة بروين سيد، البالغة من العمر 53 عامًا، نموذجًا لما يمكن تحقيقه من إنجازات كبيرة انطلاقًا من إمكانات محدودة وبدايات متواضعة. فقد أسست مشروعًا تجاريًا خاصًا بها، لكن القيمة الحقيقية لنجاحها تتجلى في تقدم النساء اللواتي منحتْهن فرصة للانطلاق وتحقيق طموحاتهن.
ورسالتها واضحة: ثقن بمهاراتكن، وقدّرن قيمة الوقت، ولا تترددن في مد يد العون إلى النساء الأخريات وأنتن تمضين في طريق النجاح