إس. مينن/ كيرالا
في عصرٍ باتت فيه الشخصيات العامة تُعرَف من خلال التصريحات المقتضبة ووسائل التواصل الاجتماعي، يظل حضور وعمل الدبلوماسية الهندية نجمة محمد مَلِك مختلفًا ومتميزًا، إذ يتسم بالهدوء ويكاد يكون بعيدًا عن الأضواء. فصوتها وعملها يقتصران في الغالب على قاعات الاجتماعات والمؤتمرات التي تُرسَم فيها ملامح علاقات الهند المستقبلية مع العالم، وتُقدِّم فيها الهند روايتها ورؤيتها التي تسهم في التأثير على المجتمع الدولي وإقناعه بمصداقية مواقفها ونواياها.
وتشغل نجمة محمد ملك حاليًا منصب سفيرة الهند لدى اليابان وجزر مارشال، وهي، شأنها شأن معظم الدبلوماسيين، حافظت على حضور محدود في المجال العام، مكرسةً جهودها لأداء مهامها الدبلوماسية. وتنتمي مالك إلى دفعة عام 1991م من السلك الدبلوماسي الهندي، وتعود أصولها إلى ولاية كيرالا، وهي ولاية لا تُعرف بكثرة ممثليها في السلك الإداري أو الدبلوماسي الهندي مقارنة ببعض الولايات الأخرى. ورغم أن وسائل الإعلام المحلية في الولاية غالبًا ما تحتفي بالشخصيات المرتبطة بها، فإن نجمة مالك لم تحظَ بالقدر نفسه من الاهتمام الإعلامي.

وُلدت نجمة في أسرة عُرفت بتولي أدوار مجتمعية بارزة وتحمّل المسؤوليات الصعبة. فقد كان جدها بوثيابورا أحمد من أوائل المحامين المسلمين الذين مارسوا المحاماة في منطقة كاسارغود في أوائل ثلاثينيات القرن الماضي، بينما كان عمها محمد هاشم من شهداء الحرب الهندية-الباكستانية عام 1962م. وترعرعت نجمة ملك في نيودلهي، حيث أكملت دراستها العليا في كلية سانت ستيفنز ومدرسة دلهي للاقتصاد التابعة لـجامعة دلهي. وهي متزوجة وأم لطفلين، وقد قادتها مسيرتها المهنية إلى العمل في عدد من القارات، إذ شغلت مناصب دبلوماسية في تونس وبولندا وبروناي، قبل أن تتولى منصبها الحالي سفيرةً للهند لدى اليابان، إلى جانب اعتمادها المتزامن لدى جمهورية جزر مارشال.

وتنعكس خبرتها الدبلوماسية الواسعة في النبرة الهادئة والمتزنة التي تميز خطاباتها. فعلى سبيل المثال، عندما تحدثت في تونس عقب اعتماد دستورها الجديد، أشادت بنضال الشعب التونسي وانتصار الديمقراطية، معربةً عن استعداد الهند لتقديم الدعم والمساعدة في مختلف المجالات. وقالت إن الهند، رغم كونها ديمقراطية أقدم عهدًا، لا تزال تملك الكثير لتتعلمه من التجربة التونسية، مضيفة: "لقد أظهرت تونس للعالم قدرتها على حل الخلافات السياسية والفكرية الكبرى من خلال الحوار والتفاوض والتوافق. وأنا على يقين بأن هذه الروح نفسها ستسهم في تجاوز الانقسامات السياسية والاجتماعية هنا. وأود أن أختتم بكلمات لوزير خارجيتنا خلال زيارته لتونس: "إن الديمقراطيات الراسخة لديها الكثير لتتعلمه من الديمقراطيات الفتية". وبعبارة أخرى، يا تونس، نحن إلى جانبكم، نمسك بأيديكم ونتعلم منكم أيضًا".
وتتضمن العديد من خطاباتها خلال مهامها السابقة في تونس وغيرها من الدول إشارات إلى المهاتما غاندي ومبادئ اللاعنف. فهي تقدم كفاح الهند من أجل الاستقلال ليس بوصفه فصلًا منتهيًا من التاريخ، بل باعتباره مرجعًا أخلاقيًا متجددًا لعالم ما زال بحاجة إلى قيم "الأهيمسا" (اللاعنف) وما تحمله من رسائل للسلام والتعايش.
وعلى الرغم من الطابع الرسمي الذي يميز خطاباتها والمناسبات التي تُلقى فيها، فإنها تحرص بطريقة غير مباشرة على الربط بين حرية المرأة وحقوقها وبين حركة التحرر الوطني في الهند. وتشير في هذا السياق إلى الدور الذي أداه المهاتما غاندي في إخراج النساء من دائرة الحياة المنزلية إلى المجال العام، حيث شاركن في الاحتجاجات السلمية المستندة إلى فلسفة غاندي، بما في ذلك الاعتصام أمام متاجر بيع الخمور ومقاطعة السلع المستوردة وإحراقها ضمن حملات العصيان اللاعنفي.
وترى نجمة ملك أن النساء لم يكنّ مجرد مشاركات في صناعة التاريخ، بل أصبحن فاعلات رئيسات في إحداث التغيير الاجتماعي داخل مجتمع كان يتسم بقدر كبير من المحافظة والقيود الاجتماعية في تلك المرحلة.
اقرأ أيضًا: القيم الأسرية والتعليم والوعي الديني.. مفاتيح نجاح نكهت تبسم آبرو
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في شخصية نجمة محمد ملك هو ما تتسم به من تحفظ ورصانة، إلى جانب حرصها على البقاء بعيدًا عن الأضواء. فلا توجد لها مقابلات إعلامية واسعة الانتشار، ولا مناظرات تلفزيونية متداولة، ولا حتى سرديات شخصية متاحة بسهولة للجمهور. وبدلًا من ذلك، تُوثَّق مسيرتها المهنية من خلال الخطب الرسمية والوثائق والمذكرات الدبلوماسية. وفي عالم تغمره وسائل الإعلام وتدفق المعلومات، يخلق ذلك مفارقة لافتة؛ إذ إن شخصية ذات أهمية كبيرة تظل، بالنسبة إلى الجمهور الواسع، بعيدة نسبيًا عن الأنظار. ومع ذلك، فإن هذا الحضور الهادئ ينسجم تمامًا مع طبيعة دورها كمفاوضة ودبلوماسية في مرحلة دولية معقدة. فمعظم عملها يجري في فضاءات لا تكون مرئية للرأي العام، إلا أن نتائج هذا العمل تسهم في رسم ملامح علاقات الهند مع مختلف دول العالم، حاضرًا ومستقبلًا.
ويُعد هذا الدور من أكثر الأدوار تحديًا في زمن تبدو فيه الدول وكأنها تسير على خيط رفيع من الحذر والدقة، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية التي تشهدها الساحة الدولية وتلقي بظلالها على مختلف أنحاء العالم.