إم. سريلاتا / كيرالا
في أحد الاحتفالات بيوم المرأة قبل بضع سنوات، دعت ناهِدة زم زم، مساعدة المفوض في مدينة تومكور، النساء إلى بناء روح الأُخوّة والتضامن فيما بينهن، والوقوف إلى جانب بعضهن بعضًا والدفاع عن مصالحهن المشتركة. وقد جاءت كلماتها مباشرة وصريحة، بل وربما بدت مستفزة للبعض. وقالت إن المرأة غالبًا ما تُصوَّر في المجتمع في أحد دَورين: إما ضحية أو شريرة. وأضافت محذرة: "من تُصنَّف ضحيةً مرة، تبقَ ضحيةً دائمًا". ثم دعت النساء إلى أن يصبحن "شريرات بطريقة إيجابية".
وكانت تقصد بذلك حثّ النساء على الخروج من قوقعة الطيبة والصمت، والتعبير عن مطالبهن والدفاع عن حقوقهن بأنفسهن، بدلًا من أن يظللن مجرد أدوات لتحمّل الأعباء والتكيف المستمر مع الظروف.

وتُعد ناهدة زم زم، وهي ضابطة في الخدمة الإدارية لولاية كارناتاكا من دفعة عام 2016م، من المسؤولات اللاتي يعتمدن على الخطابات العامة وسيلة رئيسة للتواصل مع المواطنين الذين تخدمهم. وفي خطاب تلو الآخر، تعود ناهدة إلى واقع المرأة اليومي والتحديات التي تواجهها. وتشير إلى أنه حتى في عصر يتحدث فيه الناس عن الوصول إلى القمر والمريخ، لا تزال المرأة العاملة مطالبة بالاستيقاظ مبكرًا، وإعداد الطعام لجميع أفراد الأسرة، ثم التوجه إلى عملها. وترى أن المجتمع غالبًا ما يمجّد هذا الواقع باعتباره "قوة خارقة" لدى المرأة، لكنها ترفض هذا الوصف، مؤكدة أن الأمر لا يمثل تمكينًا للمرأة بقدر ما يعكس شكلًا من أشكال الاستغلال واستمرارًا لعقلية لم تعد صالحة أو قابلة للاستمرار في العصر الحالي.
وبدلًا من الاحتفاء بصورة "المرأة الخارقة"، تدعو ناهدة زم زم المجتمع إلى منح المرأة حريتها، بحيث تتمكن من السعي وراء أهدافها وطموحاتها الخاصة من دون أن تتحمل ذلك العبء الخفي المتمثل في التوقعات الاجتماعية المفروضة عليها. ورسالتها إلى النساء واضحة ومباشرة: استعدن مكانكن تحت الشمس. فهي ترى أن النساء كثيرًا ما يُمنعن من تحقيق طموحاتهن أو توسيع آفاقهن بحجة الحفاظ على سلامتهن. فهناك دائمًا خطر يُستشهد به، أو مبرر يُقدَّم لتقييد حركتهن. غير أنها تؤكد أن المخاطر موجودة في كل مكان؛ فحتى الخروج إلى الطريق أو ركوب الحافلة لا يخلو من المخاطر. ولذلك، لا ينبغي أن يكون الخوف أساسًا تُبنى عليه القيود المفروضة على حياة النساء.
.jpeg)
وأما فلسفتها الشخصية في التحفيز، فتتلخص في عبارة بسيطة: "إذا فزتِ فأنتِ تقودين، وإذا خسرتِ فأنتِ تتعلمين". ولديها أيضًا رؤية قد تُحدث شيئًا من الجدل في موازين الأدوار التقليدية بين الجنسين؛ فبينما يُنظر إلى الرجال غالبًا على أنهم قادة، ترى أن النساء كثيرًا ما يكنّ العقل المدبر وراء هؤلاء القادة، إذ يوجهن ويخططن ويحافظن على استمرارية العمل من خلف الكواليس. وترى أن الوقت قد حان لكي يصبح هذا الدور غير المرئي مرئيًا ومعترفًا به.
وقد بنت ناهدة زم زم سمعة طيبة باعتبارها مسؤولة إدارية قريبة من الناس. ولاقت جهودها خلال جائحة كوفيد-19 إشادة واسعة، إذ واصلت متابعة الأوضاع الميدانية وأداء مهامها الرقابية في نطاق عملها الإداري حتى أثناء فترة حملها. وفي وقت لاحق، أُسندت إليها مسؤوليات إدارية مهمة في منطقة توماكورو، تقديرًا لكفاءتها وخبرتها في العمل الإداري والخدمي.
ولقد جعلت صورة ناهدة زم زم، وهي تجوب القرى والمنازل خلال جائحة كوفيد-19 رغم حملها، منها شخصية تحظى بتقدير واسع في الأوساط الريفية والحضرية على حد سواء، وأكسبتها سمعة المسؤول الموثوق والقريب من الناس. ولا يقتصر اهتمامها بالناس على مستوى السياسات والبرامج الحكومية فحسب، بل يمتد إلى التفاصيل اليومية لحياة المواطنين.
ففي محكمة الصلح التي تشرف عليها بصفتها قاضية تنفيذية، تُعرف باهتمامها بكبار السن الذين ينتظرون حل قضاياهم ومشكلاتهم العالقة. فهي تتحدث إليهم مباشرة وتحرص على متابعة شؤونهم والتأكد من معالجة قضاياهم. وقد يبدو ذلك تفصيلًا بسيطًا، لكنه يعكس النهج الذي تتبعه في أداء مسؤولياتها. وعندما تولت منصب المسجل في جامعة توماكورو، تحوّل تركيزها إلى الطلاب والتعليم. وهناك كانت رسالتها الأساسية تتمحور حول أهمية التعلم، إذ تؤكد أن القائد الجيد يجب أن يكون قارئًا جيدًا أولًا.
وفي زمن تهيمن عليه وسائل التواصل الاجتماعي ومصادر التشتيت المستمرة، تحثّ الطلاب على الابتعاد عن المقاطع القصيرة والمنشورات السريعة والعودة إلى الكتب والقراءة الجادة. وتؤكد أن القدرة على الكسب والنجاح المهني ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالقدرة على التعلم واكتساب المعرفة.
كما تتناول في أحاديثها قضية العمل غير المرئي الذي تؤديه النساء داخل الأسرة. فهي ترى أن الجهود التي تبذلها الأمهات والزوجات يجب أن تُعترف بها بوصفها جزءًا من "اقتصاد الرعاية"، وأن تؤخذ في الاعتبار عند مناقشة مؤشرات الاقتصاد والناتج المحلي الإجمالي.
.jpeg)
وتؤكد أن ما اعتاد المجتمع اعتباره أمرًا مفروغًا منه ينبغي أن يُحسب ويُقدَّر ويُعترف بقيمته. ويمتد هذا الاهتمام ليشمل النساء عمومًا، والنساء المسلمات على وجه الخصوص. ففي عدد من اللقاءات العامة، تتحدث ناهدة زم زم بصراحة عن أولئك الذين يحتكرون تفسير النصوص الدينية أو يدّعون امتلاك السلطة المطلقة في هذا المجال. وترى أن كثيرًا مما يُقدَّم على أنه أحكام قانونية أو دينية ثابتة لا يمثل بالضرورة انعكاسًا مباشرًا للتعاليم الإلهية، بل قد يكون نتاج تفسيرات ضيقة تبناها عدد محدود من الأشخاص، وهو ما يستدعي -في رأيها- مزيدًا من التفكير والنقاش والنظر النقدي.
ويتسم خطاب ناهدة زم زم في هذه القضايا بالصرامة والوضوح، فهي لا تتردد في الحديث عن الحجاب، وتؤكد أنه أمر مقبول ما دامت المرأة ترتديه بإرادتها الحرة واختيارها الشخصي، لا نتيجة فرض أو إكراه. كما تطرح تساؤلات حول الأسباب التي تجعل بعض التفسيرات والاجتهادات تُعامل بوصفها أحكامًا نهائية لا تقبل المراجعة أو إعادة النظر، ولا سيما عندما يكون لها تأثير عميق في حياة النساء وحقوقهن.
اقرأ أيضًا: نجمة محمد ملك.. دبلوماسية هندية تعمل بعيدًا عن الأضواء وتصنع التأثير
وفي بعض الأحيان، تبدو ناهدة زم زم شديدة الصراحة، بل أقرب إلى نفاد الصبر، خاصة عندما تتحدث إلى أولياء الأمور الذين يفضلون ادخار الأموال للدوطة وتكاليف الزواج بدلًا من الاستثمار في تعليم بناتهم. فهي تدعوهم إلى توجيه مواردهم نحو بناء مستقبل الفتيات وتمكينهن من التعليم، وتشجعهم على أن يطمحن إلى مسارات مهنية متنوعة، سواء في الإدارة الحكومية أو الشرطة أو أي مجال آخر يخترنه لأنفسهن. وأما الحل الذي تطرحه لكثير من المشكلات التي تراها في المجتمع، فهو مباشر وواضح: لا تبدأوا بإلقاء اللوم على الآخرين، بل ابدأوا بتغيير أنفسكم أولًا.
وهذا المزيج من السلطة الإدارية، والتواصل المباشر مع الجمهور، والإصرار على المراجعة الذاتية والتفكير النقدي، هو ما يميز صوت ناهدة زم زم وخطابها العام. فخطاباتها ليست عروضًا خطابية مصقولة أو كلمات معدّة لإثارة الإعجاب، بقدر ما هي محاولات للتأثير والتدخل الإيجابي؛ خطابات جريئة ومحفزة، تهدف دائمًا إلى دفع جمهورها نحو التفكير بعمق، وربما إلى اتخاذ خطوات عملية نحو التغيير.