روبينة مجيد.. المعلمة التي بنت مدرسة لكل طفل في حيدر آباد

21-06-2026  آخر تحديث   | 21-06-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
روبينة مجيد
روبينة مجيد

 


 راتنا جي. تشوتراني 

في عالم التعليم، غالبًا ما ينصبّ الاهتمام على الأطفال الذين يحققون أداءً متميزًا ويحصلون على أعلى الدرجات ويتصدرون سباق النجاح. لكن في كل فصل دراسي هناك أيضًا أطفال يجلسون بصمت في المقاعد الخلفية، ويُصنَّفون عادةً على أنهم "متوسطو المستوى" أو "ضعفاء التحصيل". وقد كرّست التربوية روبينة مجيد من حيدر آباد حياتها لهؤلاء الأطفال تحديدًا. فقد أثبتت أن كل طفل يمتلك قدرات استثنائية كامنة، لكنه يحتاج فقط إلى معلم يؤمن به. وتُجسّد مدرسة "أور سكول 12 أفينيو" قصة ثورة تعليمية قامت على الإيمان بالطفل، والمحبة، والشمولية. 

ويعكس نظام الجلوس في "أور سكول 12 أفينيو" الواقعة في منطقة حسيني عالم رسالة المؤسسة وأهدافها بوضوح. ففي هذه المدرسة يجلس ابن الجزار، وابنة بائع أوراق التنبول، والأطفال الذين خضعوا لزراعة القوقعة السمعية، والفتيات من ذوي اضطراب طيف التوحد، إلى جانب أبناء الأطباء والمهندسين في الفصل نفسه. ويتشاركون المقعد ذاته، والكتاب نفسه، ووقت الاستراحة نفسه. ويعود الفضل في ذلك إلى امرأة واحدة هي روبينة مجيد، التي اتخذت قبل سنوات قرارًا بأن تجعل أولويتها الأطفال الذين غالبًا ما يتجاهلهم المجتمع والنظام التعليمي أو يضعهم على هامش الاهتمام.

 https://www.awazthevoice.in/upload/news/1781942069WhatsApp_Image_2026-06-10_at_5.52.16_PM_(3).jpeg

وبدأت هذه الرحلة في جدة، حين تحوّل عملٌ تدريسي مؤقت استمر أسبوعًا واحدًا فقط إلى نقطة تحول في حياة خريجة ماجستير إدارة الأعمال، لتصبح معلمة تحمل رسالة تربوية. 

وعندما عادت إلى حيدر آباد عام 2008م، تجسد ذلك الحلم في مدرسة أُنشئت خصيصًا للأطفال الذين غالبًا ما يُنظر إليهم على أنهم "متأخرون دراسيًا" أو "متراجعون عن أقرانهم". 

وُلدت روبينة مجيد في حيدر آباد، وأتمّت تعليمها المدرسي في كشمير، قبل أن تحصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال من جامعة علي كراه الإسلامية، وهي شهادة تقود عادةً إلى مسار مهني في عالم الشركات والأعمال. 

وبعد زواجها، انتقلت مع زوجها إلى جدة، حيث كان يعمل مهندسًا للطيران في الخطوط الجوية السعودية. وكانت حياتها مستقرة ومنظمة وآمنة. ولكن في أحد الأيام، طرقت إحدى الجارات باب منزلها حاملة طلبًا بسيطًا؛ فقد كانت إحدى المدارس بحاجة إلى معلمة بشكل مؤقت لمدة أسبوع واحد فقط. وافقت روبينة على الفور. 

 https://www.awazthevoice.in/upload/news/1781942137WhatsApp_Image_2026-06-10_at_5.52.16_PM.jpeg

وكانت تلك الموافقة بكلمة واحدة كفيلة بتغيير مسار حياتها بالكامل. فما إن دخلت الفصل الدراسي حتى شعرت بإحساس عميق بالرضا والهدف، وهو شعور لم تجده في دراسة إدارة الأعمال ولا في أي مسار مهني آخر كان يمكن أن تسلكه في عالم الشركات.

وبعد ذلك واصلت روبينة تطوير مسيرتها التعليمية، فالتحقت مجددًا بالدراسة وحصلت على درجة الماجستير في تدريس اللغة الإنجليزية، وهي شهادة معتمدة من مجلس التعليم في ولاية إلينوي الأمريكية.

وفيما بعد، أتيحت لها فرصة التدريس في مدرسة السفارة الأمريكية في جدة، حيث قامت بتدريس مواد مختلفة لطلاب تتراوح أعمارهم بين المرحلة الابتدائية والثانوية. وهناك تعلمت كيف تشرح مبادئ القراءة الصوتية لطفل في السابعة من عمره، وكيف تجعل مادة الكيمياء ممتعة ومشوقة لطالب في السادسة عشرة.

غير أن أهم ما تعلمته خلال تلك السنوات كان أن عيون الأطفال تكشف عن قدراتهم واحتياجاتهم أكثر بكثير مما تكشفه درجات الامتحانات.

وفي عام 2008م، تقاعد زوجها وعادت الأسرة إلى حيدر آباد. ورغم كثرة المدارس في المدينة، رأت روبينة أن المؤسسات التعليمية التي تمنح جميع الأطفال الاهتمام نفسه كانت قليلة ونادرة.

وفي البداية أسست مؤسسة للاستشارات التعليمية، وقدمت النصح للمدارس حول تطوير أساليب التدريس وتحسين العملية التعليمية. لكنها سرعان ما أدركت أن العمل الحقيقي لا يوجد في المكاتب وقاعات الاجتماعات، بل داخل الفصول الدراسية، إلى جانب الأطفال الذين يجلسون في الصفوف الخلفية ويغفل عنهم كثيرون. 

 https://www.awazthevoice.in/upload/news/1781942113WhatsApp_Image_2026-06-10_at_5.52.15_PM_(2).jpeg

ومن هذا الإيمان وُلدت مدرسة "أور سكول @ 12 أفينيو" في منطقة حسيني عالم. وكان اسم المدرسة بحد ذاته رسالة واضحة ووعدًا صريحًا: "إنها مدرستنا جميعًا، مدرسة لكل طفل".

وتحرص روبينة على تكرار عبارة واحدة لكل معلم جديد ينضم إلى المدرسة: "لسنا هنا لصناعة الأوائل والمتفوقين فحسب، بل لصناعة أناس صالحين. وأما الدرجات والنتائج فستأتي تلقائيًا".

وترى أن بناء إنسان صالح يبدأ أولًا بإعداد معلم متميز. ولذلك لا تعتمد المدرسة في التوظيف على الشهادات الأكاديمية وحدها، بل تفرض على كل معلم جديد برنامجًا تدريبيًا إلزاميًا يمتد أربعة أشهر ونصف الشهر، يتبعه ستة أسابيع من الملاحظة والتدريب العملي داخل الفصول الدراسية قبل توليه مسؤولية التدريس بشكل كامل.

ويتلقى المعلمون في المدرسة تدريبًا عمليًا مكثفًا يشمل إعداد الخطط التعليمية، وفهم علم نفس الطفل، والتعامل مع صعوبات التعلم، وإدارة الصفوف الدراسية. فهنا لا يُدرَّب المعلم على تدريس المنهج فحسب، بل على فهم الطفل وتعليمه. 

ويشكّل الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة نحو 10 في المائة من إجمالي طلاب المدرسة، ومن بينهم أطفال يستخدمون زراعة القوقعة السمعية وآخرون من ذوي اضطراب طيف التوحد. ويتلقى هؤلاء تعليمهم جنبًا إلى جنب مع بقية الطلاب في البيئة التعليمية نفسها، دون أجنحة منفصلة أو أي شكل من أشكال التمييز. 

وتقوم المدرسة على مبادئ علمانية شاملة، وترحب بالأطفال من جميع الخلفيات والمجتمعات. كما تم تحديد الرسوم الدراسية عمدًا عند مستوى منخفض، بما يتيح لأبناء الأسر محدودة الدخل الحصول على تعليم جيد. وتقول روبينة: "إذا كان ابن بائع أوراق التنبول غير قادر على تحمل رسوم مدرستنا، فهذا يعني أننا فشلنا في تحقيق رسالتنا".

ولا تقتصر جهودها على إدارة المدرسة، بل تشارك أيضًا في تدريب المعلمين في مختلف مناطق ولاية آندهرا براديش، كما تشرف على برامج خاصة لتمكين الشابات وإعدادهن للعمل في المجال التعليمي. 

https://www.awazthevoice.in/upload/news/1781942090WhatsApp_Image_2026-06-10_at_5.52.17_PM_(1).jpeg

وقد أسهمت هذه البرامج في انخراط نحو 300 امرأة في مهنة التدريس. وتؤمن روبينة بأن تدريب امرأة واحدة يمكن أن يغيّر المستقبل التعليمي لأسرة بأكملها. كما تُعد روبينة خبيرة في مجال القراءة ومطورة للمناهج التعليمية. فإذا كان أحد طلاب الصف الخامس يقرأ بمستوى طالب في الصف الثاني، فإن المدرسة لا تعتبره فاشلًا، بل تضع له خطة تعليمية خاصة تراعي احتياجاته الفردية. ويُقدَّم له الدعم من خلال تعليم الفونيكس، ومنحه وقتًا إضافيًا، والعمل ضمن مجموعات صغيرة، وتوفير التوجيه المستمر حتى يتمكن من تجاوز الصعوبات التي يواجهها. وتؤكد روبينة أن الاهتمام الحقيقي يجب أن ينصب على الطلاب المتوسطين والضعفاء، لأن الطلاب المتفوقين غالبًا ما يجدون طريقهم إلى النجاح بأنفسهم، وأما أولئك الذين يتعثرون في المسيرة التعليمية فهم الأكثر حاجة إلى من يساندهم ويؤمن بقدراتهم.

وإذا دخلت هذه المدرسة في وقت الظهيرة، فلن تجد هدوءًا مطبقًا كما قد تتوقع، بل ستشاهد حركة ونشاطًا يعكسان هدفًا تربويًا واضحًا. فقد ترى طفلًا يستخدم زراعة القوقعة السمعية يقدّم نموذجًا يشرح دورة المياه في الطبيعة، أو معلمًا يجلس على الأرض إلى جانب مجموعة من الأطفال لمساعدتهم على القراءة، أو تلاميذ الصف الثالث يناقشون صفات الصديق الجيد. إنه ذلك النوع من البيئات التعليمية التي تُصنع فيها الشخصيات والقيم قبل أن تُمنح الشهادات والدرجات. 

 https://www.awazthevoice.in/upload/news/1781942045WhatsApp_Image_2026-06-10_at_5.52.14_PM_(1).jpeg

وتُعد حياة روبينة مجيد دليلًا حيًا على قدرة المعلم الواحد على إحداث تغيير عميق في المجتمع. فقد بدأت حياتها المهنية حاملةً شهادة في إدارة الأعمال، لكنها اختارت أن تكون معلمة، فأسهمت في إضاءة حياة آلاف الأطفال. ولا يقتصر هدفها على تعليم الطلاب المواد الدراسية، بل يتمثل في إعداد أفراد يتحلون بالتعاطف، وحسن الخلق، والثقة بالنفس. 

اقرأ أيضًا: مطبخ سحابي يحفظ ذاكرة المدينة.. حكاية مليحة بيغ مع التراث الغذائي

ومن زقاق صغير في منطقة حسيني عالم انطلقت هذه الرسالة التعليمية لتصل إلى مناطق مختلفة في ولاية أندهرا براديش. وقد أثبتت روبينة مجيد أن الطفل الذي يُنظر إليه على أنه عادي أو متوسط القدرات يمكن أن يحقق إنجازات استثنائية عندما يجد معلمًا يؤمن به ويمنحه الدعم الذي يحتاج إليه. فمثل هذا الطفل لا ينجح في الامتحانات فحسب، بل ينجح في الحياة. وربما يكون هذا النوع من النجاح هو الأهم على الإطلاق؛ نجاح لا يمكن قياسه بالأرقام أو التصنيفات، لكنه يظل الأكثر قيمة وتأثيرًا في حياة الأفراد والمجتمعات.

قصص مقترحة