عمران لون يكتب قصة أمل: من حرمان شخصي إلى تمكين جماعي

13-01-2026  آخر تحديث   | 13-01-2026 نشر في   |  أحمد      بواسطة | آواز دي وايس 
عمران لون يكتب قصة أمل: من حرمان شخصي إلى تمكين جماعي
عمران لون يكتب قصة أمل: من حرمان شخصي إلى تمكين جماعي

 


دانيش علي / سريناغار / نيودلهي

ينحدر عمران لون من قرية تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، تقع على بُعد نحو عشرة كيلومترات من مقاطعة بانديبورا في كشمير، لكنه استطاع أن يتحوّل إلى رمزٍ للأمل بالنسبة لآلاف الشباب الكشميريين الذين يطمحون إلى إلى خدمة الوطن وجامو وكشمير عبر الالتحاق بالجيش أو الشرطة.

وكان حلم عمران الشخصي أن يرتدي الزي العسكري، غير أنّ غياب التوجيه السليم والمعلومة الصحيحة في الوقت المناسب حال دون تحقّق هذا الطموح. ومع ذلك، لم يتحوّل الحلم المؤجَّل إلى إحباط، بل أعاد توجيهه ليصبح دافعًا لخدمة الآخرين، فكرّس جهده لمساعدة الشباب على تحقيق ما عجز هو عن بلوغه. واليوم، يقوم عمران بما لم يجده لنفسه في السابق، إذ يوفّر لهؤلاء الشباب الإرشاد والتوجيه الصحيحين، ويفتح أمامهم الطريق نحو تحقيق طموحاتهم وخدمة مجتمعهم ووطنهم.

ويقول عمران: "كنت أحلم بالانضمام إلى الجيش، لكنني لم أتلقَّ التوجيه في الوقت المناسب، ولم تكن لدي أي معلومات عن الإجراءات المطلوبة. وحين فهمت كل شيء، كنت قد تجاوزت السنّ المسموح به. وكان حلمي أن أخدم الوطن من خلال الالتحاق بالجيش".

ورغم أن حلمه لم يُكتب له أن يتحقق، فقد أصبح حافزًا موجّهًا لمسيرته، إذ يكرّس جهوده لتدريب شباب كشمير وإعدادهم للالتحاق بالجيش وقوات الشرطة، مستثمرًا تجربته الذاتية في خدمة آمال جيلٍ جديد.

ويوضح عمران، في حديثه مع "آواز دي وايس"، أن المشهد العام في كشمير بدأ يشهد تحوّلًا تدريجيًا بعد سنوات طويلة من الضغوط الاجتماعية والاقتصادية، مشيرًا إلى أن البطالة وغياب الفرص على مدى فترة ممتدة دفعتا عددًا من الشباب الكشميري إلى الإحباط والانجراف نحو تعاطي المخدرات. ويضيف أن ما يقارب 80 في المئة من الشباب يعانون حالة من الاكتئاب نتيجة انعدام فرص العمل.

ويقول عمران إن الإحباط دفع كثيرًا من الشباب في السابق إلى اللجوء إلى المخدرات، غير أن هذا الواقع بدأ يتغيّر تدريجيًا. فقد أبدى الشباب الكشميري اهتمامًا متزايدًا بالالتحاق بالجيش وقوات الشرطة، حيث يشارك اليوم آلاف منهم في حملات التجنيد، ويواصلون العمل بجدية في معسكرات التدريب، في مؤشر على تحوّل ملحوظ في التوجّهات والطموحات.

ويُعدّ عمران جزءًا فاعلًا من هذا التحوّل، إذ بادر إلى إنشاء أكاديمية لياقة بدنية مجانية تستهدف الشباب الراغبين في الالتحاق بالجيش وقوات الشرطة. وتُنظَّم التدريبات في أوقات منضبطة تعكس الجدية والانضباط، حيث تبدأ عقب صلاة الفجر صباحًا، ثم تُستأنف مجددًا عند الساعة الرابعة مساءً.

ولا تقتصر أنشطة الأكاديمية على تدريب الفتيان فحسب، بل تشمل أيضًا عددًا كبيرًا من الفتيات. ونجحت، ومؤخرًا، سبع فتيات وثلاثون شابًا من منتسبي الأكاديمية في اجتياز إجراءات التوظيف برتبة شرطي، في إنجاز يعكس فاعلية هذا النموذج التدريبي. وتواصل الأكاديمية، وفي الوقت الراهن، تأهيل المتقدّمين للالتحاق ببرامج التجنيد ضمن رامج "أغني فير".

ويمارس عمران رياضة الكاليستينيكس، وهو نظام تدريبي يعتمد على وزن الجسم لتطوير القوة والتوازن والتحمّل، ويسهم في الوقاية من الإصابات وتعزيز اللياقة الوظيفية اللازمة للتدريب العسكري والشرطي. وتُعدّ رياضة الكاليستينيكس من الأساليب التدريبية عالية الفاعلية في تنمية القدرات البدنية المرتبطة بالقوة والاشتباك والثبات، لما توفّره من تحكّم متوازن بالجسم وانسجام بين القوة والحركة. وفي هذا السياق، تمثّل الأكاديمية التي يديرها عمران تجربة فريدة.

ولم تكن مسيرة عمران الشخصية أقل صعوبة من الواقع الذي يسعى اليوم إلى تغييره. فقد نشأ في قرية محرومة من أبسط الخدمات، كشبكات الطرق والكهرباء والإنترنت، وكان يقطع يوميًا مسافة سبعة إلى ثمانية كيلومترات سيرًا على الأقدام للوصول إلى مدرسته، متحديًا قسوة الطقس وظروف الحياة القاسية. ومع تراكم هذه التحديات، اضطر إلى الانقطاع عن الدراسة في مرحلة مبكرة، غير أن طموحه في استكمال تعليمه وتحسين ظروفه المعيشية دفعه لاحقًا إلى الانتقال إلى سريناغار.

وكانت أيامه الأولى في سريناغار بالغة الصعوبة؛إذ اضطر، لسدّ احتياجاته اليومية، إلى العمل في مهن متعددة تراوحت بين غسل الصحون في الفنادق والعمل نادلًا وبائعًا. ومع ذلك، ظلّ داخله شغفٌ قوي يدفعه إلى السعي نحو مسار مختلف، فقد كان منذ طفولته متأثرًا بأفلام بروس لي وجاكي شان، التي أشعلت فيه روح التحدي والطموح.وألهمته الأفلام التوجّه نحو الفنون القتالية، غير أن انتشار نوادي التدريب في سريناغار دفعه إلى القناعة بأن التميّز يتطلّب اختيار مسار مختلف عن المألوف.

وبدأت هنا نقطة التحوّل في حياته، إذ اتجه إلى ممارسة رياضة الكاليستينيكس، وهي رياضة شديدة الصرامة وتتطلب قدرًا عاليًا من الانضباط. وبعد سنوات من المثابرة والتدريب الشاق، تمكّن من إتقان هذا الفن، الذي غدا اليوم عنوان هويته الشخصية وركيزة أساسية في معيشته.  

واتجه عمران إلى توظيف منصات التواصل الاجتماعي لنشر محتوى مرتبط برياضة الكاليستينيكس واللياقة البدنية، فبدأ بإنتاج مقاطع فيديو تعكس خبرته وتجربته العملية. وسرعان ما لاقت هذه المقاطع تفاعلًا واسعًا، ما أسهم في ترسيخ حضوره بوصفه أحد أبرز المؤثرين في كشمير، غير أن تأثيره لم يقتصر على الحضور الرقمي، إذ تجاوز ذلك إلى دور فعلي على الأرض؛ فبصفته مدرّبًا للياقة البدنية، يعمل على تدريب آلاف الشباب جسديًا، وفي الوقت نفسه يركّز على تمكينهم نفسيًا، وبناء الثقة والانضباط لديهم.

ويرى عمران أن وسائل التواصل الاجتماعي تحوّلت إلى أداة بالغة الفاعلية في نشر الوعي بأهمية اللياقة البدنية، مؤكدًا أن توظيفها بالشكل الصحيح يمكن أن يساعد الشباب على تجاوز الإدمان والاكتئاب. ويشير إلى أن دخله اليوم يعتمد أساسًا على ما يحققه عبر هذه المنصات، غير أن إسهامه الأهم لا يتمثل في الجانب المادي، بل في الأثر الإيجابي الذي يتركه في حياة الشباب، من خلال تغيير أنماط تفكيرهم وتعزيز ثقتهم بأنفسهم وفتح مسارات جديدة أمامهم.

ويستمدّ عمران رؤيته من خبرات القوات شبه العسكرية، ويطمح إلى توفير مستوى مماثل من التدريب للشباب. ويأتي معظم المنتسبين إلى أكاديميته من خلفيات اقتصادية محدودة، الأمر الذي دفعه إلى تقديم التدريب مجانًا دون أي مقابل. ويبرّر ذلك بإيمانه بأن إتاحة الفرصة في الوقت المناسب قادرة على تغيير مسار حياة الإنسان بالكامل، تمامًا كما كان يتمنى أن تُتاح له فرصة مماثلة في وقت سابق.

اليوم يُعرف هذا الشاب القادم من قرية صغيرة في بانديبورا بلقب "تايغر" (الأسد)، وهو لقب لم يعد يرمز إلى القوة الجسدية فحسب، بل إلى تحوّل أعمق في الدور والمعنى. فلم يعد عمران مجرد مدرّب لياقة بدنية أو مؤثّر على منصات التواصل الاجتماعي، بل أصبح صوتًا لشباب فقدوا الاتجاه في مرحلة ما بسبب غياب التوجيه والفرص، ثم وجدوا في تجربته نموذجًا بديلًا وإطارًا للأمل.

اقرأ أيضًا: وفاة المفكر الإسلامي محمد منظور عالم تترك فراغًا في الأوساط الأكاديمية الهندية

وتشكّل قصة عمران لون دليلًا واضحًا على أن الإرادة الصلبة قادرة على تجاوز محدودية الإمكانات، وأن شحّ الموارد لا يمكنه أن يقف عائقًا أمام من يملك العزم والرؤية. فحياته تمثّل تجربة حيّة للكفاح والانضباط وخدمة المجتمع، كما تعكس تحوّلًا اجتماعيًا أوسع، يقدّم لمحة عن مستقبل كشمير المتغيّر، حيث تتحوّل المعاناة إلى طاقة بناء، ويغدو الأفراد العاديون صُنّاع تغيير في محيطهم.