دايارام واشيشت/ لكناؤ
حين تُذكر ثقافة لكناؤ ورقّتها وتطريز "الشيكانكاري" الدقيق، لا يمكن أن يغيب اسم رانا أحمد. فقصة رانا أحمد، البالغة من العمر 55 عامًا، ليست مجرد حكاية نجاح لحِرَفية، بل هي نموذج حيّ يجسّد الموهبة والشجاعة وإحياء التراث ومنحه الاعتراف الذي يستحقه. وإنها قصة تؤكد أن الفن هو أثمن زينة للإنسان؛ فهو لا يمنحه الاحترام فحسب، بل يهبُه الهوية والمكانة والازدهار.
وُلدت رانا أحمد في أسرة لم يكن فيها فن "الشيكانكاري" مجرد حرفة، بل كان تقليدًا متجذرًا وجزءًا من الروح. فوالدتها، خير النساء، كانت من أشهر حرفيات هذا الفن في مدينة لكناؤ. وكانت أصابعها تنسج السحر على القمصان النسائية، والأوشحة...، حتى بدا كلّ زيٍّ وكأنه لوحة فنية نابضة بالحياة.
ومنذ طفولتها، كانت رانا تجلس إلى جوار والدتها، تراقب حركة الإبرة والخيط، وتتعلّم دقائق الغرز وأسرارها، حتى انتقلت هذه المهارة تدريجيًا إليها. ولم يكن هذا التعلّم مقتصرًا على إتقان التقنية فحسب، بل شمل الصبر، والإحساس بالجمال، والالتزام الصارم بالجودة.
وانتقلت رانا أحمد، بعد زواجها، إلى بيت زوجها، برويز أحمد رجل الأعمال البارز في لكناؤ، حيث كانت تجارة العائلة العريقة تقوم على الأواني. وكان العمل مزدهرًا، غير أن الفنانة الكامنة في داخل رانا أحمد كانت تتوق إلى خوض تجربة جديدة وتحقيق بصمتها الخاصة في عالم الحِرَف.
وقرّرت رانا أحمد ألا تحصر موهبتها في نطاقٍ ضيّق، بل أن تمنحها هوية مستقلة ومكانة خاصة. وبعد عامين فقط من زواجها، بدأت تمارس فنّ "الشيكانكاري" في منزل أسرتها الجديدة، ولم تكن البداية سهلة. فقد بدأت أولًا بتسلّم طلبات من والدتها نفسها، حرصًا على الحفاظ على الجودة وكسب الثقة. ومع مرور الوقت، بدأ صيت تصاميمها ينتشر. فقد جمعت تطريزاتها بين الرقة التقليدية ولمسة عصرية جذابة، الأمر الذي نال إعجاب الزبائن على نطاق واسع.
وأثمرت جهود رانا أحمد؛ إذ خرجت أعمالها من حدود السوق المحلي لتصل إلى مدن أخرى، ثم إلى مختلف أنحاء البلاد. وبعد أن أنهت دراستها الجامعية ونالت درجة البكالوريوس، تفرغت بكل شغف لتطوير مشروعها وتوسيعه. وكانت أبرز سمات أعمالها التطريز اليدوي الدقيق بالكامل، حيث بدت كل غرزة وكأنها تروي حكاية.
#SurajKund Mela #लखनऊ की तहज़ीब, नफ़ासत और चिकनकारी की महीन कढ़ाई की बात हो और राणा अहमद का नाम न आए, ऐसा संभव नहीं। 55 वर्षीया राणा अहमद की कहानी केवल एक महिला #शिल्पकार की सफलता की गाथा नहीं, बल्कि हुनर, हिम्मत और विरासत को पहचान दिलाने का जीवंत उदाहरण है। यह कहानी बताती है कि… pic.twitter.com/tSDVPR4O0q
— Awaz -The Voice हिन्दी (@AwazTheVoiceHin) February 12, 2026
وأما القمصان الرجالية التي أنجزتها بالإبرة والخيط، فقد شكّلت علامة فارقة ونجاحًا لافتًا في مسيرتها. ففي عام 1997م، عُرض أحد القمصان الرجالية المميّزة التي أنجزتها بيديها في معرض أُقيم بمنطقة آر. كيه. بورام بنيودلهي. وقد لفتت هذه القطعة المتقنة أنظار لجنة التحكيم، فنالت إعجابهم الكبير، وتم تكريمها بـ"الجائزة الوطنية" على يد رئيس الوزراء آنذاك أتال بيهاري فاجبايي. وشكّل هذا التكريم نقطة تحوّل حاسمة في حياتها؛ فبعد حصولها على الجائزة الوطنية، لم تلتفت رانا أحمد إلى الوراء. وتضاعف إحساسها بالثقة، وانطلقت موهبتها نحو آفاق أرحب.
كما فتح لها هذا الإنجاز أبوابًا دولية؛ ففي عام 2003م أُتيحت لها فرصة عرض أعمالها الحِرفية في باريس، حيث أبهرت دقة "الشيكانكاري" الهندية الجمهور الأجنبي بسحرها وتفاصيلها المتناهية. وفي عام 2007م عرضت فنّها في كولومبو، ثم في أستراليا عام 2013م. وفي كل منصة، قدّمت تطريزاتها صورة مشرّفة عن رقة الثقافة الهندية وجمالها أمام العالم. ولم تعد شهرتها محصورة في لكناؤ أو داخل الهند، بل ترسّخت مكانتها كحِرَفية ذات حضور دولي.
وفي مسيرة نجاح رانا أحمد، كان لعائلتها دورٌ داعمٌ ومؤثر، إذ وقفت إلى جانبها خطوةً بخطوة. ويشاركها اليوم ابنها الوحيد، أحمد حسن، البالغ من العمر 22 عامًا، في إدارة العمل بعد إتمام دراسته، حيث يؤدي دورًا فاعلًا في تطوير المشروع. ويعتبر أحمد حسن والدته مُعلّمته الأولى، مؤكدًا أنه تعلّم منها أدقّ تفاصيل التجارة، والحرص على الجودة، وفهم أذواق الزبائن ومتطلباتهم. وهو يسعى اليوم إلى مواصلة هذا الإرث العائلي وتحويله إلى علامة تجارية متميزة تحمل هوية واضحة في عالم الأزياء والحِرَف التقليدية.

ويطمح أحمد حسن إلى إنشاء مصنع حديث في المستقبل القريب، وتعزيز نشاطه التجاري على مستوى البيع بالجملة، بهدف ترسيخ حضورٍ مستدام في الأسواق الدولية. وهو يحرص على المشاركة في المعارض والملتقيات لفهم أذواق العملاء عن قرب، والعمل على ابتكار تصاميم جديدة مستلهمة من الثقافة الهندية وطبيعتها الغنية. ويرى أحمد أن جودة القماش، وقوة الخيط، وتميّز الطباعة، هي العناصر الثلاثة التي تحدد نجاح أي قطعة ملابس. وانطلاقًا من هذه الرؤية، يسعى إلى الحفاظ على أعلى معايير الإتقان في كل منتج يقدّمه، مواصلًا بذلك مسيرة التميز التي أرستها والدته.
اقرأ أيضًا: عندما تتحول الإرادة إلى فنّ.. حكاية ظهير مع النقش على الخشب
ويبلغ حجم الأعمال السنوي لمشروع رانا أحمد في مجال فن "الشيكانكاري" اليوم ما بين 2.5 و3 ملايين روبية، وهو يقارب عائدات تجارة الأواني التي يديرها زوجها. ويولي أفراد الأسرة اهتمامًا متساويًا لكلا النشاطين، مع خططٍ مستقبلية لتوسيع نطاقهما وتعزيز حضورهما في الأسواق. وتحظى تصاميمها بإقبال جيد في مدن كبرى مثل مومباي، وبونه، وحيدر آباد، وكولكاتا، ودلهي. كما يؤدي خالها عارف دورًا مهمًا في دعم توسّع هذا المشروع. وحتى اليوم، تواصل عملها ببساطة وإصرار، ساعيةً في كل تصميم جديد إلى تقديم ما هو أجمل وأفضل.
وتُعلّمنا مسيرة رانا أحمد أن الفنّ الموروث لا يبقى حيًّا إلا عندما تتبنّاه الأجيال اللاحقة وتعمل على تطويره. فما تعلّمته من والدتها صقلته بجهدها حتى أوصلته إلى الساحة العالمية، وها هو ابنها اليوم يستعدّ لحمل الراية نفسها برؤية حديثة تجمع بين الأصالة والتجديد.