سريلاثا أيم*
أمير أركوت، محمد آصف علي، هو شخصية تجمع بين النبل الإنساني والحضور الثقافي، ويتمتع بتأثير هادئ في الحياة الاجتماعية والثقافية بمدينة تشيناي، حيث يشكّل قصر أركوت مركزًا للمبادرات الإنسانية التي تقودها مؤسسة أركوت.
ويحظى النواب محمد عبد العلي، بتقدير واسع، غير أن الأنشطة الميدانية اليومية ذات الطابع الإنساني، بما في ذلك حملات الإغاثة والبرامج الخيرية وفعاليات التقارب بين الأديان، يتولاها إلى حدٍّ نجله الكبير محمد آصف علي.
ويبرز دور آصف علي بشكل خاص في مبادرات الإغاثة المتواصلة التي تنفّذها مؤسسة أركوت، مستهدفة مساعدة الفقراء دون أي تمييز ديني.

فيما أصبح آصف علي الوجه للأعمال الإنسانية التي تقودها الأسرة، من خلال حضوره الميداني في أعمال الإغاثة ومشاركته في اللقاءات المجتمعية وحرصه على توطيد علاقات ودّية مع قيادات مختلف الأديان، لفت الأنظار في الوقت ذاته بالأجواء الموسيقية الراقية التي تشيعها أروقة القصر.
وتحوّل قصره، تحت قيادته، إلى منصة للقاءات ثقافية وحوارات بين الأديان، حيث يحرص آصف علي على التواصل الشخصي مع قيادات المجتمعات المختلفة، والمشاركة في المؤتمرات التي ينظمها الزعماء الدينيون.
فاجأ آصف علي جمهوره ومتابعيه بإصدار ألبوم موسيقي بعنوان "راسته"، الذي لقي ترحيبًا واسعًا وترك صدى طيبًا لدى محبّي الفن.

وجرى إطلاق الألبوم على يد الموسيقار العالمي إيه آر رحمن، الذي يحظى بتقدير خاص لديه. ويؤكد آصف علي أن "راسته"، الذي قام بتأليفه وأدائه، يجسّد رسالة أسرة أمير أركوت القائمة على تناغم المسارات المختلفة، والإيمان بأن تنوّع الطرق لا يتعارض مع وحدة الهدف، وأن الاختلاف أمر طبيعي ولا يجعل طريقًا أفضل من آخر.
وجرى تصوير الأغنية في صحارى الشرق الأوسط، وجاءت بألحان عذبة تلامس الأذن وترتقي بالروح، مضيفة بُعدًا بصريًا ينسجم مع رسالتها الإنسانية.
وفي حديثه عن إعداد الأغنية وتصوير الفيديو المصاحب لها، أوضح أن الفكرة وُلدت في صباح هادئ أثناء عزفه على البيانو. وقال: "عثرت ذات صباح على لحن جميل، وشعرت برغبة قوية في الاستمرار معه. وأؤلّف الكثير من المقطوعات، ولكنني غالبًا ما أحتفظ بها محفوظة على القرص الصلب في مكتبة القصر، غير أن هذه القطعة لامستني بشكل خاص".
وأوضح أنه دوّن كلمات الأغنية التي تقول:
طرقي… أتساءل إلى أين قادتني،
ترسل إليّ إشارات عن الوجهة،
أشعر وكأنني ألامس السماء…
عليّ أن أمضي في هذا الطريق،
أن أبلغ وجهتي،
وأن أمتلك الشجاعة لإتمام الرحلة.
وأضاف أنه سارع إلى تدوين كلمات الأغنية التي تعبّر عن رحلة البحث عن الطريق والغاية، قبل أن يتعاون مع مجموعة من أبرز الموسيقيين، ثم يتواصل مع الموسيقار إيه آر رحمن لإطلاق العمل رسميًا.
ويؤكد أن الأغنية انطلقت من الفلسفة التي تنبض بها مؤسسة أركوت في مختلف مبادراتها؛ فلسفة ترى أن البشر، مهما اختلفت مساراتهم وتباينت طرقهم، فإنهم يلتقون في نهاية المطاف عند الهدف ذاته. ويشرح هذه الرؤية في مقطع مصوّر يوثّق رحلة صناعة الألبوم، حيث تتحوّل الفكرة إلى لحن، والرسالة إلى موسيقى.

وبينما ينشغل آصف علي بإدارة الأنشطة الإنسانية لمؤسسة أركوت، تظلّ الموسيقى جزءًا أصيلًا من تكوينه الشخصي. ويؤكد أنه ألّف عددًا كبيرًا من الأغنيات، وتعاون في بعضها مع الفنان لاكي علي، الذي تربطه بدوره صلة قرابة بأسرة النوّاب.
كما قام بتلحين أغنية أدّاها المطرب الراحل إس. بي. بالاسوبرامانيام، واستُخدمت في فيلم تاميلي أُنتج خصيصًا للجالية التاميلية في جنوب أفريقيا. وفي الواقع، فإن عددًا من الأعمال الموسيقية الأخرى التي ألّفها آصف علي أصبحت جزءًا من أفلام تاميلية أُنتجت هناك، ما يعكس حضورًا فنيًا لافتًا يتجاوز حدود الهند.
وتقع أركوت قرب مدينة فيلور، وهي اليوم بلدة صغيرة، غير أنها كانت في القرن السابع عشر جزءًا من إقليم الكارناتيك، الذي كان يضم آنذاك مناطق واسعة من ولايتي تاميل نادو وكارناتاكا الحاليتين. وقد برزت أهميتها التاريخية حين أرسل الإمبراطور المغولي أورنكزيب أحد قادته إلى منطقة أركوت ممثلًا عنه.
وتحوّلت أركوت بعد تراجع المغول إلى سلطنة يحكمها نوّاب، لكنها تعرّضت لهزيمة على يد الماراثا قبل أن تستعيد حكمها بدعم بريطاني، ثم فقدت امتيازاتها لاحقًا. ومع ذلك، نال نوّاب أركوت احترامًا كبيرًا في الهند المستقلة لدورهم كأصوات معتدلة وعلمانية.
وتتجلّى أهمية آصف علي في أثره الهادئ والعميق، إذ يسهم في جمع الناس والحفاظ على الحوار، ويقدّم نموذجًا للتغيير يقوم على الإنسانية واللطف في زمن الانقسامات.
اقرأ أيضًا: الجاليات الهندية ودورها المتصاعد في توثيق العلاقات مع دول الخليج
ومن بين جدران قصره، تنبعث نغمات لا تحمل موسيقى فحسب، بل رؤية جديدة؛ نغمات تمتزج فيها روح الانسجام بمعنى التقدّم، فتُعيد تشكيل فكرة الملكية ذاتها، وتحولها من لقب ومقام إلى رسالة أرقى عنوانها الإنسانية والجمال.