هندوسية تقدِّم وجبات الإفطار للصائمين في رمضان.. رسالة محبة من دلهي

23-02-2026  آخر تحديث   | 23-02-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
هندوسية تقدِّم وجبات الإفطار للصائمين في رمضان.. رسالة محبة من دلهي
هندوسية تقدِّم وجبات الإفطار للصائمين في رمضان.. رسالة محبة من دلهي

 


آواز دي وايس/نيودلهي

 مع حلول شهر رمضان، تزداد أجواء البهجة في أزقة دلهي القديمة. ومع غروب الشمس تبدأ استعدادات الإفطار، وتتوافد أعداد كبيرة من الصائمين إلى محيط المسجد الجامع التاريخي. وفي خضم هذا الحشد، يبرز وجه لافت يجذب انتباه الناس منذ أربعة أعوام متتالية. إنه وجه "نيها بهارتي"، المقيمة في دلهي القديمة، التي تحرص في كل عام خلال شهر رمضان على إعداد وجبات الإفطار في منزلها، ثم إيصالها إلى البوابة رقم ثلاثة للمسجد.

وتقول نيها: "قلة من الناس هم من ينشرون الكراهية، وأما عامة الهنود فيحبّون السلام". وهذا الإيمان هو ما يدفعها كل عام إلى مواصلة هذه الخدمة.

 

وبدأت مبادرةُ نيها قبل أربع سنوات، حين كانت تشعر بالقلق إزاء الأخبار المتزايدة عن التوتر وفقدان الثقة في المجتمع. وأدركت أن بإمكان الناس العاديين إحداث تغيير في الأجواء عبر خطوات صغيرة. ومن هذا المنطلق قرّرت أنه خلال شهر رمضان المبارك ستقوم بإعداد الإفطار للصائمين. وفي البداية كانت المبادرة بسيطة؛ بضع وجبات، وموارد محدودة، وعدد قليل من المشاركين، ولكن النية كانت صادقة، والعزيمة قوية. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الجهد إلى تقليد سنوي راسخ.

ومنذ الظهيرة تبدأ حركة المطبخ في منزلها كل يوم؛ تُقطَّع الفواكه، وتُرتَّب التمور، وتُقلى الباكورات، وتُحضَّر الحلويات. وتوضح نيها أنها تحرص على أن يكون طعام الإفطار متوازنًا وطازجًا، حتى يمنح الصائمين راحة وطاقة عند الإفطار. ويشارك والداها وسائر أفراد أسرتها في هذا العمل على قدم المساواة؛ فبعضهم يُعدّ الخضروات، وآخرون يقومون بتعبئة الوجبات، وغيرهم يساعدون في نقلها. ولم يعد الأمر مجرد توزيع إفطار، بل أصبح طقسًا عائليًا مشتركًا من العطاء والخدمة.

ومع حلول المساء، تنطلق نيها حاملة الوجبات الجاهزة نحو المسجد الجامع. وخارج المسجد يجلس الصائمون في صفوف منتظرين أذان المغرب. وتقوم نيها ومرافقوها بتوزيع وجبات الإفطار بابتسامة. فيدعو لها كثيرون، ويتساءل آخرون بدهشة عن سبب قيامها بهذا العمل. ويأتي جوابها دائمًا واحدًا: "الأعياد ليست حكرًا على مجتمع بعينه، بل هي للإنسانية جمعاء". فهي تؤمن بأن الاحترام المتبادل لأعياد الآخرين ومعتقداتهم هو السبيل إلى ترسيخ الأخوّة الحقيقية.

وهذا العام انتشر أحد مقاطع الفيديو الخاصة بها على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل واسع. ويظهر في الفيديو أنها توزّع وجبات الإفطار وتنقل رسالة سلام ووحدة. وقد أشاد بها عدد كبير من الناس، واعتبروها مثالًا للشجاعة والشعور الإنساني. كما أثنى بعض الأطباء والمعلمين والناشطين الاجتماعيين على مبادرتها، مؤكدين أن مثل هذه الخطوات الصغيرة هي التي تُحدث تغييرًا كبيرًا في المجتمع.

ومع ذلك، وكأي مبادرة، واجهت أيضًا بعض الانتقادات. فقد طرح البعض تساؤلات بدافع ديني، وأطلق آخرون تعليقات شخصية. لكن نيها لم تسمح لهذه الردود أن تعيق مسيرتها. فهي تؤمن بأن الكراهية لا تُواجَه بالكراهية، بل بالخدمة وضبط النفس. وتدير نيها كذلك منظمة غير حكومية، تنفّذ من خلالها برامج للتوعية الاجتماعية وتعزيز التعاون المجتمعي. ولا يقتصر هدفها على شهر رمضان فحسب، بل تسعى طوال العام إلى مساعدة المحتاجين في مناسبات مختلفة.

ووفقًا لها، فإن الخدمة لا دين لها؛ فعندما يكون الإنسان جائعًا، فهو بحاجة إلى الطعام لا إلى السؤال عن هويته. وهذا المبدأ ينعكس في كل خطوة تخطوها. وقد بدأت مبادرتها تُلهم آخرين أيضًا؛ فهناك من يقدّم دعمًا ماليًا، وآخرون ينضمون كمتطوعين. وبفضل ذلك، ازداد عدد وجبات الإفطار، ووصل الطعام إلى عدد أكبر من الصائمين.

كما استلهم العديد من الشباب تجربتها، وبدأوا مبادرات مماثلة في مناطقهم. وتؤمن نيها بأنه إذا قام كل فرد في المجتمع بعمل إيجابي ولو بسيط على مستواه الشخصي، فإن الأجواء ستتغير تلقائيًا نحو الأفضل.

وتوضح نيها أنه في البداية لم يفهم بعض معارفها هذه الخطوة، وظنّوا أنها ربما نوع من الاستعراض أو حماس مؤقت. لكن عندما واصلت هذا العمل دون انقطاع طوال أربعة أعوام متتالية، بدأت نظرة الناس تتغير. وأصبح أولئك أنفسهم يشجّعونها اليوم، ويؤكدون أن مثل هذه النماذج تسهم في توحيد المجتمع. كما يشعر والداها بالفخر لأن ابنتهما اختارت طريق الخدمة والعطاء.

اقرأ أيضًا: عائلة هندوسية في البنجاب تتبرّع بالأرض لبناء مسجد وتعزّز روح التعايش السلمي

وترى نيها أن رمضان ليس مجرد شهر للعبادة، بل هو زمن للتأمل الذاتي والرحمة. فالصيام، في نظرها، لا يعني فقط تحمّل الجوع والعطش، بل هو تدريب على تليين القسوة الكامنة في النفس. وعندما يفهم الإنسان معاناة غيره، تولد الإنسانية الحقيقية. وربما كانت هذه الروح هي التي ألهمتها السير في هذا الطريق.

ولقد أصبحت أمسية دلهي القديمة، ودرجات المسجد الجامع، وذلك الإفطار البسيط، رمزًا حيًا لفكرة أن المحبة ما زالت نابضة في المجتمع. وتؤكد نيها أنه مهما ارتفعت أصوات الكراهية، فإن محاولة صادقة واحدة لنشر الحب قادرة على أن تتغلب عليها. وهي عازمة على مواصلة هذا التقليد في الأعوام المقبلة أيضًا.

وعندما يصدح صوت الأذان ويفطر الصائمون على التمر، يظهر على وجه نيها ذلك الشعور بالرضا الذي يُعدّ أكبر مكافأة لها. فبالنسبة إليها، الأمر لا يقتصر على خدمة فحسب، بل هو رسالة تؤكد أن الهوية الحقيقية للهند تكمن في الوحدة ضمن التنوع، وأن الحفاظ على هذه الوحدة مسؤولية تقع على عاتقنا جميعًا. وفي هذا الشهر الفضيل من رمضان، تذكّرنا مبادرة نيها بهارتي بأن رابطة الإنسانية تعلو فوق كل الهويات، وأنه حين تتلاقى القلوب، تنهار الجدران من تلقاء نفسها.