في عصر الحاسوب: تقويم يُكتب باليد ويُقبل بالقلب

21-01-2026  آخر تحديث   | 20-01-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
في عصر الحاسوب: تقويم يُكتب باليد ويُقبل بالقلب
في عصر الحاسوب: تقويم يُكتب باليد ويُقبل بالقلب

 


فرحان إسرائيلي/ جايبور

هل سبق أن سمعتم عن تقويم مكتوب بخط اليد في هذا العصر الرقمي؟ في متجر صغير يقع في الأزقة الضيقة والمزدحمة لسوق رامغَنْج بازار في مدينة جايبور، تُطبع تقاويم مكتوبة يدويًا، لا تُنسَّق باستخدام الحواسيب. ويحافظ المتجر، المعروف باسم "قرآن غار" (بيت القرآن) و"نعيم بوك ديبوت"، على هذا التقليد الفريد منذ نحو قرن من الزمن.

ويُعدّ المتجر الجهةَ الوحيدة التي تبيع تقويم كوتا الشهير في ولاية راجستهان، وهو ليس مجرد تقويم للتواريخ، بل نموذج حيّ يجسّد الزمن والإيمان والتقاليد والثقة.

والرجل الذي يقف وراء هذه الفكرة هو الحاج عظيم الدين، البالغ من العمر 75 عامًا، والذي يكتب هذا التقويم بيده منذ نحو 15 عامًا. ولا يزال هذا التقويم القمري البسيط في شكله، والمطبوع باللونين الوردي والأبيض، يحتل مكانة خاصة في قلوب الناس، بفضل الثقة الراسخة التي يضعونها في القائمين عليه.

وقد أطلق "تقويم كوتا" القاضي صلاح الدين، بهدف تزويد عامة الناس بتواريخ دقيقة تعتمد على التقويم الهجري القمري. وفي تلك الفترة، لم تكن التكنولوجيا الحديثة ولا الموارد الكبيرة متوافرة، فكان التقويم يُكتب بخط اليد ولا يصل إلا إلى عدد محدود من الناس، يتراوح بين 100 و150 شخصًا فقط.

وقبل نحو 15 عامًا، أوكل القاضي صلاح الدين مسؤولية إعداد التقويم إلى مكتبة نعيم في رامغنج بازار بمدينة جايبور. وهناك تعلّم الحاج عظيم الدين دقائق كتابة التقويم. وقد رأت رابطة التجار في تقويم كوتا فرصة تجارية قابلة للتطوير.

وفي بداياته، كان يُطبع 10 إلى 12 تقويمًا فقط، ثم أخذ عدد النسخ يتزايد تدريجيًا بعدما لمس الناس دقة معلوماته وموثوقيتها في شؤونهم الدينية واليومية. واليوم، يُطبع 30 ألف تقويم كوتا سنويًا، ويجري توزيعه على جميع مناطق ولاية راجستهان.

وعلاوة على ذلك، تجاوز هذا التقويم حدود جايبور وكوتا ليصل إلى مدن مثل راتلام وإندور في ولاية مادهيا براديش. كما يحمل أبناء جايبور وراجستهان المقيمون في الخارج هذا التقويم معهم إلى هونغ كونغ والولايات المتحدة ودول أخرى، ما أكسب تقويم كوتا شهرةً عالمية آخذة في الاتساع تدريجيًا.

ويُعدّ المحتوى المعلوماتي أبرز ما يميّز تقويم كوتا، إذ يضم في الوقت نفسه ثلاثة أنواع من التواريخ: تاريخ البانشانغ الهندي، والتاريخ الميلادي، والتاريخ الهجري القمري.

وإلى جانب ذلك، يشرح التقويم مناسبات العُرس الدينية، وأهم التواريخ الإسلامية، ودورة القمر (سواء كان الشهر 29 أو 30 يومًا)، والحسابات القمرية، بلغة بسيطة يفهمها عامة الناس. كما تتخلله رسائل قصيرة ذات دلالات عميقة، تمنحه قيمة تتجاوز كونه مجرد ورقة تواريخ، وهو ما يجعل الناس يعتمدون عليه طوال العام ويحرصون على الاحتفاظ به في منازلهم ومتاجرهم.

ويؤكد الحاج عظيم الدين أن إعداد تقويم كوتا ليس مهمة سهلة، إذ تبدأ عملية التحضير قبل نحو ستة أشهر من بداية العام. ففي البداية، يُكتب التصميم الكامل للتقويم يدويًا على الورق، ثم تُثبت بعناية كلّ من التواريخ وأيام الأسبوع والتواريخ القمرية. وتُعدّ عملية تحديد التواريخ القمرية الأكثر صعوبة، إذ يجب في كل شهر حسم ما إذا كان الشهر سيضم 29 يومًا أم 30 يومًا.

ويتطلّب ذلك حسابات دقيقة إلى جانب سنوات طويلة من الخبرة. وبعد الانتهاء من إعداد التقويم بالكامل، يُسلَّم إلى مصمّم لإخراجه حاسوبيًا، ليُنتج نموذجًا تجريبيًا. وبعدها تُراجع كل صفحة عدة مرات للتأكّد من خلوّها من أي أخطاء.

ويقول الحاج عظيم الدين إن الناس يعتمدون على هذا التقويم طوال العام، لذا فإن أي خطأ بسيط قد يتسبّب في مشكلات كبيرة. ويرى أن تحديد التواريخ القمرية لا يقوم على الحسابات الرياضية وحدها، بل يعتمد أيضًا على التجربة وفهم الحياة. وحتى الآن، لم تُسجَّل أي أخطاء جوهرية في التقويم.

ويجلس الحاج عظيم الدين، البالغ من العمر 75 عامًا، يوميًا في متجره، مشرفًا شخصيًا على جميع مراحل إعداد التقويم. وبالنسبة إليه، لا يُعدّ هذا العمل مجرد وسيلة للرزق، بل مسؤولية ورسالة وتعبيرًا عن التفاني.

 

وليست مكتبة نعيم مجرد متجر، بل إرثٌ عائلي. فقد أسّسها والد الحاج عظيم الدين، الحافظ عليم الدين، باسم ابنه الأكبر. ويحمل المتجر لافتة "قرآن غار"، نظرًا لتولّيه جميع الأعمال المتعلّقة بالقرآن الكريم والأدب الإسلامي. ويتوفر في هذا المتجر المصحف الشريف بأكثر من 15 لغة.

اقرأ أيضًا: جناح ضيف الشرف في معرض نيودلهي للكتاب 2026م سجل رقمًا قياسيًا من الزوار

وإلى جانب ذلك، ألّف الحاج عظيم الدين عددًا من الكتب، ويولي اهتمامًا خاصًا بإعداد كتب جديدة للأطفال بشكل متواصل، ولا تزال تحظى بطلب واسع حتى اليوم. وقد تولّى الحاج عظيم الدين إدارة هذا المتجر طوال 42 عامًا، ويشاركه اليوم ابنه معين الدين وحفيده فضل الدين، بما يضمن استمرار هذا التقليد العريق عبر الأجيال.

وعلى الرغم من تغيّر سعر تقويم كوتا بمرور الزمن -إذ كان يبلغ في بداياته نحو خمسة روبيات، ثم تراوح بين 8 و10 روبيات قبل 15 عامًا، ليصل اليوم إلى 40 روبية- فإن ثقة الناس به لم تتراجع على الإطلاق.

قصص مقترحة