ثاقب سليم*
"لقد عشنا جميعًا كالإخوة، وأثبتنا أن النزاعات بين الهندوس والمسلمين لم تكن موجودة في ظل غياب الاستعمار البريطاني". قال الجنرال شاه نواز هذه الكلمات وهو يخاطب حشدًا من الجماهير عقب المحاكمات التاريخية للجيش الوطني الهندي ( آزاد هند فَوج) التي أُقيمت في القلعة الحمراء بدلهي.
وتفرّد الجيش الوطني الهندي، بقيادة سوبهاس تشاندرا بوس، عن أغلب الحركات المشاركة في كفاح الهند من أجل الاستقلال، إذ قدّم أفراده الانتماء إلى العشب الهندي على أي اعتبارات دينية أو طبقية أو لغوية أو إقليمية. وعلى خلاف ذلك، اعتمدت حركات أخرى في مواجهتها للاستعمار البريطاني على توظيف الدين أو الطائفة أو اللغة بوصفها أدوات للتعبئة والحشد.
فقد استندت جماعات مثل "جمعية علماء الهند"، وهندو مهاسابها"، وحتى المهاتما غاندي، إلى توظيف الخطاب الديني في مواجهة الإمبريالية البريطانية، في حين خاض جيش آزاد هند فَوج حرب الاستقلال باعتبارها معركة وطنية خالصة، من دون الاستناد إلى أي رمز آخر خارج إطار الأمة نفسها.
وقال عابد حسن، سكرتير سوبهاس تشاندرا بوس، وفي تعبير بالغ الدلالة: "لم يطلب منا أحد أن نتخلى عن كوننا تاميليين أو دوغرا، أو مسلمين بنجابيين أو براهمة بنغاليين، أو سيخًا أو من أبناء القبائل الأصلية. وكنا جميعًا نحمل تلك الهويات، وربما بتمسّك أشد من ذي قبل، غير أنّها تحوّلت إلى شؤون شخصية. وتخلّينا عن الانتماء إلى جماعات من هذا النوع لأن الهند أصبحت هدفنا، ومعها غدا سعينا موجهًا إلى استعادة مكانتها وعظمتها المستحقة. ولم يكن لنا وزن، كجماعات متفرقة، ولكننا أصبحنا ذوي قيمة حقيقية في اللحظة التي صرنا فيها جزءًا من الكل".
ولم تواجه حكومة آزاد هند المؤقتة (عارضي آزاد هند سركار)، ولا جيشها "آزاد هند فَوج"، إشكالية تمثيل الطوائف والمجتمعات، وهي القضية التي كانت موضع جدل محتدم بين المؤتمر الوطني الهندي رابطة المسلمين "مسلم ليغ". ويعود ذلك إلى أن بوس يعتقد أن جوهر المشكلة لا يكمن في حصول المسلمين على أغلبية المقاعد في المجلس التنفيذي، بل في طبيعة الشخصيات التي ستتولى تلك المواقع.
وكان بوس يؤمن بأن حضور شخصيات وطنية من أمثال أبو الكلام آزاد، وآصف علي، ورفيع أحمد قدوائي يضمن مستقبل الهند، مؤكدًا أن هؤلاء يستحقون كامل الثقة والحرية، ومشدداً على أنه لا فرق بين وطني هندوسي ووطني مسلم.
وقدّم سوبهاس تشاندرا بوس، من خلال حكومة آزاد هند المؤقتة وجيشها آزاد هند فَوج، نموذجًا للأمة الهندية يقوم على التعايش والانسجام بين أبناء الديانات والطوائف والمجموعات اللغوية المختلفة. ففي هذا النموذج، لم يكن المسلمون جزءًا من الحكومة والجيش بدافع "التمثيل الطائفي"، بل لكونهم مواطنين هنودًا فحسب.
وأعتقد أن أعضاء آزاد هند فَوج لو علموا بأن أحدًا يصنّفهم اليوم على أساس ديني في عام 2026م، لكان ذلك نقيضًا تمامًا للقيم الوطنية التي ناضلوا من أجلها، غير أنّ التوقف عند رؤية سوبهاس تشاندرا بوس للشعب الهندي يظل أمرًا ضروريًا لفهم جوهر تجربته السياسية والفكرية؛ فما الهند التي حلم بها، وما طبيعة المسلمين الذين التفّوا حوله، وكيف تشكّلت لديهم فكرة الشعب بوصفه إطارًا جامعًا يتقدّم على الانتماءات الدينية.
كان عابد حسن صَفراني أحد أبرز رفاق سوبهاس تشاندرا بوس وأكثرهم قربًا إليه في واحدة من أشجع محطاته التاريخية. فقد أقدم بوس خلال الحرب العالمية الثانية على رحلة جريئة استغرقت نحو تسعين يومًا على متن غواصة، انطلقت من ألمانيا وصولًا إلى اليابان، ورافقه فيها عابد حسن، خريج الهندسة الذي التقى به بوس في ألمانيا واختاره سكرتيرًا له. وبهذه الرحلة، أصبح عابد حسن إلى جانب بوس من أوائل الهنود الذين خاضوا تجربة السفر بالغواصة.
وخلال تلك الرحلة الاستثنائية، أسهم عابد حسن، بالتشاور مع بوس، في بلورة التصورات الأولى لمستقبل الجيش الوطني الهندي، حيث وُضعت أسس محورية، من بينها قرار تشكيل قوة قتالية نسائية وتجنيد أبناء الجاليات الهندية في جنوب شرق آسيا. وفي تلك المرحلة، كان عابد حسن قريبًا من بوس على الدوام، يرافقه في أدق النقاشات التي مهّدت لتأسيس الجيش الوطني الهندي ورسم ملامحه.
ويُعرف عابد حسن بصياغة شعار "جاي هند" والمساهمة في نشيد حكومة آزاد هند المؤقتة، لكنه لعب أيضًا دورًا عسكريًا بارزًا بقيادته قوات الجيش الوطني الهندي في معركة إمفال، وظل متمسكًا بمبادئ آزاد هند فَوج حتى وفاته عام 1985م.
وكان عبد الحبيب يوسف، رجل الأعمال الغوجاراتي المقيم في رانغون، مثالاً بارزًا على الإخلاص والتفاني الوطني. وقد جسّد نموذجًا نادرًا للتضحية الوطنية. فمع تأسيس حكومة آزاد هند المؤقتة عام 1943م، واظب على التبرع بمبالغ كبيرة تراوحت بين مئتي ألف وثلاثمئة ألف روبية في كل مرة.وفي اجتماع عام دعا فيه سوبهاس تشاندرا بوس إلى التبرعات في 9 يوليو 1944م، قدّم يوسف كل ما يملك دفعة واحدة—من مجوهرات ووثائق أملاك ونقود—على صينية فضية، قُدّرت قيمتها آنذاك بمليون روبية.
وبعد أن تبرّع بكل ثروته، طلب لنفسه فقط زيّ الكاكي لجيش آزاد هند فَوج. فقلّده بوس وسام تمغا سيواكِ هند، أرفع وسام مدني في حكومة آزاد هند، وقال معلقًا: "يقول البعض إن حبيب قد جُنّ… وأنا أوافق. أريد لكل واحد منكم أن يصاب بهذا الجنون؛ فالنصر والحرية لوطننا وأمّنا الهند لا يتحققان إلا بأمثال هؤلاء الرجال والنساء".
ويُعدّ الكابتن محمد أكرم أحد الأسماء المضيئة التي لا تحظى بما تستحقه من حضور في الذاكرة العامة، رغم كونه أول شهيد في صفوف الجيش الوطني الهندي. وقد وثّق غياني كيسار سينغ لحظة تأسيس الجيش بقوله "إن آزاد هند فَوج تشكّل في جيترا، وعُيّن الكابتن موهان سينغ قائدًا عامًا له، وفي تلك اللحظة دوّت الهتافات للمرة الأولى: "عاشت الهند الحرة" و"عاش آزاد هند فَوج".
ويشير كيسار سينغ إلى أن الكابتن محمد أكرم خان وسادو سينغ كانا أول من انضم إلى الجيش الوطني الهندي، إذ وصلا إلى مدينة ألور ستار في 15 يناير 1942م، مسجّلين بذلك بداية فصل جديد في تاريخ الكفاح المسلح من أجل استقلال الهند، ودافعين بأرواحهم ثمنًا للحرية.
وعندما جرى تشكيل الجيش الوطني الهندي بقيادة موهان سينغ، كان محمد أكرم يحتل المرتبة الثانية في التنظيم من حيث المكانة والمسؤولية. وفي 13 مارس 1942م، سافر أكرم برفقة سوامي ساتياناندا بوري، منسّق المجلس الوطني الهندي في تايلاند، وسردار بريتام سينغ، مؤسس رابطة استقلال الهند، ونيلكانث آير، المساعد المقرّب لسري راغافان، إلى جانب أوتّاغورو من قسم فوجيوارا، وستة يابانيين آخرين، على متن طائرة أقلعت من سايغون متجهة إلى طوكيو للمشاركة في مؤتمر مهم.
ولكن الرحلة انتهت بكارثة، إذ تحطّمت الطائرة وقضى جميع من كانوا على متنها. ووصف نارانجان سينغ غيل هؤلاء الأربعة بأنهم "أول شهداء حركتنا"، مضيفًا: "لهم كل التحية والتقدير، رغم أن أسماءهم تكاد تكون مجهولة اليوم. لقد أدّينا واجب التكريم لهم في معبد محلي يُدعى هونغينجي، حيث وُضعت رمادهم".
وكانت سلطانـة سليم واحدة من المناضلات في صفوف الجيش الوطني الهندي، إذ انضمّت إلى كتيبة "راني جانسي" استجابة لنداء سوبهاس تشاندرا بوس. وخلال الحرب تعرّفت إلى الكابتن سليم، أحد ضباط الجيش، وتزوّجته. وبعد انتهاء الحرب، اعتُقلت سلطانـة سليم كأسيرة حرب، وعادت إلى الهند ضمن أول دفعة من أسيرات كتيبة "راني جانسي" في فبراير 1946م.
ونقلت صحيفة "دي إندين إكسبريس" في 22 فبراير 1946م عنها قولها إن الهند كانت الوطن الوحيد الذي تنتمي إليه، وإن "الهندستاني" هو الشعب الوحيد الذي تؤمن به، مؤكدة رفضها لكل أشكال الطائفية أو الإقليمية. وأضافت أن وحدة الهند هي ما جذبها أكثر من أي شيء آخر، مشيرة إلى أنها خلال وجودها في شرق آسيا لم تلمس أي وعي بالفوارق الدينية أو الإقليمية، ولا مشكلة "النبذ الاجتماعي"، معربة عن اعتقادها بأن حرية الهند كفيلة بحل كثير من مشكلاتها.
وكان إحسان قادر من الشخصيات البارزة في آزاد هند فَوج. فمع تأسيس الجيش الوطني الهندي، عيّنه الجنرال موهان سينغ مديرًا لـ"إذاعة آزاد هند". وفي عام 1943م، حين سلّم راش بهاري بوس قيادة الحركة إلى سوبهاس تشاندرا بوس، انضم إحسان قادر إلى حكومة آزاد هند المؤقتة بصفته سكرتيرًا عسكريًا.
وتولّى قادر قيادة تنظيم المتطوعين الذي تجاوز عدد أفراده 30 ألفًا، كما أشرف على "آزاد هند دل". وجرى تأسيس "مجلس الانسجام الطائفي" لترسيخ التآخي بين الهندوس والمسلمين، وأسندت رئاسته إلى قادر.
ويُعدّ شوكت علي ملك أول هندي يرفع علمًا وطنيًا على أرض هندية بعد تحريرها من الحكم البريطاني. وقد حقق هذا الإنجاز في 14 أبريل 1944م بصفته قائد مجموعة بهادور التابعة لآزاد هند فَوج. وقاد قواته إلى مدينة مويرانغ في ولاية مانيبور، حيث أُقيمت إدارة مدنية بعد التحرير.
وأكد مالك، عقب رفع العلم، أن الجيش الوطني الهندي بلغ مويرانغ في مسيرته لتحرير الهند من الاستعمار البريطاني، مشدداً على أن الهدف هو التقدم إلى دلهي ورفع العلم فوق القلعة الحمراء، ومؤكدًا أن حرية الهند باتت وشيكة وستقود إلى التقدم والازدهار.واصلت الحكومة التي قادها شوكت عملها في مويرانغ حتى 15 يوليو 1944م، قبل أن يواجه الجيش الوطني الهندي انتكاسات في مجريات الحرب.
وكان اللواء شاه نواز خان من أبرز الوجوه المعروفة في الجيش الوطني الهندي، وبرز اسمه بعد الحرب خلال محاكمات القلعة الحمراء إلى جانب ديلون وسهغال. وقد قاد قوات آزاد هند فَوج في عدة جبهات، منها أراكان وناجالاند. وأكد لاحقًا أن سوبهاس تشاندرا بوس رسّخ وحدة وطنية داخل الجيش، رافضًا أي تمييز ديني، ومشيرًا إلى الدور البارز للمسلمين ودعمهم القوي لنيتاجي، الذي كان يحترم الإنسان لقيمته لا لدينه أو منطقته.
واختار سوبهاس تشاندرا بوس مسلمين لمهام قيادية وحساسة داخل آزاد هند فَوج، سواء في أخطر رحلاته أو في قيادة الجبهات، كما حظي بدعم كبير من المدنيين المسلمين الذين قدّموا تضحيات استثنائية. ويستخلص من ذلك إيمان قادة الجيش الوطني الهندي بإمكانية توحّد جميع الهنود والعيش معًا كإخوة، والعمل المشترك من أجل بناء هند حرة وموحّدة.
وانضم محبوب أحمد إلى آزاد هند فَوج عام 1943م بعد استماعه إلى خطاب سوبهاس تشاندرا بوس في سنغافورة، وكان يعبّر عن إخلاصه قائلًا إنه لو امتلك ألف حياة لوهبها كلها لتحقيق أهداف بوس. وخلال العمليات العسكرية في أراكان وإمفال، عمل مستشارًا للواء شاه نواز خان. وعيّنه بوس، لاحقًا، سكرتيرًا عسكريًا وضابط ارتباط بين حكومة آزاد هند المؤقتة والجيش الوطني الهندي، في دورٍ عكس الثقة الكبيرة التي حظي بها ومكانته داخل الحركة.
وكان حبيب الرحمن أحد المؤسسين الأوائل لآزاد هند فَوج إلى جانب الجنرال موهان سينغ. وتولّى في البداية مسؤولية الشؤون الإدارية في مقر القيادة. وبعد أن تسلّم سوبهاس تشاندرا بوس قيادة الجيش، عُيّن حبيب الرحمن مسؤولًا عن مدرسة التدريب.وعند إعلان تشكيل حكومة آزاد هند المؤقتة في 21 أكتوبر 1943م، أدّى حبيب الرحمن اليمين وزيرًا فيها. وشغل، لاحقًا، منصب نائب رئيس أركان الجيش، كما رافق نيتاجي في رحلته الجوية الأخيرة المعروفة في 18 أغسطس 1945م، في محطة مفصلية من تاريخ الحركة الوطنية الهندية.
وكان اللواء محمد زمان خان كياني من أبرز قادة آزاد هند فَوج، إذ تولّى منصب رئيس هيئة الأركان عند تأسيس الجيش على يد الجنرال موهان سينغ. وبعد أن تسلّم سوبهاس تشاندرا بوس قيادة الحركة، عُيّن كياني وزيرًا وقائدًا للفرقة الأولى، التي ضمّت أفواج نهرو وآزاد وغاندي، وقاد قوات الجيش على جبهة بورما. وعندما غادر نيتاجي سنغافورة في رحلته الجوية الأخيرة برفقة حبيب الرحمن، أُسندت إلى كياني مسؤولية قيادة الجيش.
اقرأ أيضًا: الإيرانيون يتطلعون إلى التغيير، لكن رضا بهلوي قد لا يكون الحل المنشود
ونال أكثر من خمسين جنديًا أوسمة الشجاعة التي أقرّها آزاد هند فَوج، مثل تمغا سردارِ جنغ، وتمغا ويرِ هند، وتمغا بهادري، وتمغا شاترو ناش، وسندِ بهادري. ويكشف حصول عدد من الجنود المسلمين على هذه الأوسمة، مباشرة من نيتاجي، عن طبيعة التجربة الوطنية لآزاد هند فَوج، التي قامت على الجدارة والبسالة لا على الانتماء الديني، ورسّخت نموذجًا لوحدة وطنية عابرة للهويات الضيقة.