أديتي بهادوري*
تبدو الاحتجاجات الجارية في إيران وكأنها تقف عند نقطة تحوّل حاسمة في الوقت الراهن؛ إذ دخلت أسبوعها الثالث منذ اندلاعها في 28 ديسمبر 2025م، في مشهد غير مسبوق لم تعرفه الجمهورية الإسلامية من قبل، سواء من حيث اتساع رقعتها أو طبيعة زخمها واستمراريتها.
واندلعت الاحتجاجات في إيران على خلفية تدهور قيمة العملة المحلية وتفاقم الأزمة الاقتصادية، إذ بدأت في طهران قبل أن تمتد إلى مدن عدة، وتزامن اتساعها مع تصعيد واضح شمل اعتداءات على قوات الأمن، وإحراق مبانٍ من بينها مساجد، وإحراق صور المرشد الأعلى آية الله الخميني، إلى جانب هتافات دعت إلى إسقاط النظام.
وأفادت تقارير بأن عناصر أجنبية تسلّلت أيضًا إلى صفوف الاحتجاجات، في حين وجّه جهاز الاستخبارات الإسرائيلي "الموساد" دعوة مباشرة للإيرانيين لمواصلة التظاهر، معلنًا دعمه لهم "على الأرض"، بالتزامن مع اتساع رقعة الاحتجاجات في طهران ومدن إيرانية أخرى.
ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي أن جهاز "الموساد" كتب في منشور له على منصة "إكس" باللغة الفارسية، بعد أيام من اندلاع الاحتجاجات: "اخرجوا إلى الشوارع معًا، لقد حان الوقت. نحن معكم"، مضيفًا: أن الدعم لا يقتصر على الخطاب أو التضامن عن بُعد، بل يمتد إلى "الحضور على الأرض".
وزاد من تعقيد المشهد تهديدُ الرئيس الأميركي دونالد ترامب باللجوء إلى عمل عسكري ضد النظام في حال استخدامه العنف ضد المحتجّين. وفي المقابل، قالت السلطات الإيرانية إنها ضبطت محرّضين حاولوا التسلّل عبر الحدود مع العراق.
كما قال الرئيس محمود بزشكيان إن "الأطراف التي استهدفت البلاد" خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إسرائيل في يونيو الماضي، تحاول الآن "تصعيد التوترات المرتبطة بالملف الاقتصادي"، في إشارة ضمنية إلى إسرائيل والولايات المتحدة، وذلك على خلفية المواجهة العسكرية التي شهدتها المنطقة في يوليو من العام الماضي.
وفي المقابل، أكدت إيران أنها ستردّ على أي تدخل عسكري أجنبي، في موقف يعكس تحدّيها للضغوط الخارجية. ورغم أن وتيرة الاحتجاجات تبدو وقد تراجعت في الوقت الراهن، فإن هذا الهدوء النسبي جاء بثمن بشري مرتفع، إذ أفادت تقارير بسقوط أكثر من ألفي قتيل، عقب لجوء السلطات إلى استخدام قوة غير مسبوقة، رافقها تشديد أمني وحجب واسع لخدمات الإنترنت ضمن حملة قمعية شاملة.
وتعكس أحدث منشورات الرئيس الأميركي دونالد ترامب على وسائل التواصل الاجتماعي، التي أثنى فيها على السلطات الإيرانية لعدم لجوئها إلى عقوبة الإعدام بحق المحتجّين، مؤشرات على تراجع احتمالات التدخل الخارجي، ولو في المدى القريب.
ورغم ما قد تحمله المرحلة المقبلة من تحوّلات، يبقى من غير المحسوم ما إذا كان رضا بهلوي، نجل شاه إيران المخلوع، قادرًا على تلبية تطلعات الإيرانيين الساعين إلى التغيير.ويقيم بهلوي في الولايات المتحدة، وقد برز مؤخرًا بشكل لافت في وسائل الإعلام الغربية وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيثيقدّم نفسه بوصفه البديل الوحيد للنظام الديني في إيران.
ولا يستغرب خبراء في شؤون غرب آسيا هذا الحضور المتزايد لرضا بهلوي، إذ روّجت له وسائل إعلام إسرائيلية على مدى سنوات بوصفه بديلًا محتملًا، كما يحظى بدعم محدود داخل أوساط الجاليات الإيرانية في الخارج. وقد عرض مؤخرًا رؤيته السياسية في حال عودته إلى الحكم، متعهدًا بالاعتراف بإسرائيل وإنهاء البرنامج النووي الإيراني، إلى جانب التلويح بتعزيز العلاقات مع الهند، رغم أن العلاقات بين نيودلهي وطهران قائمة بالفعل.
وعلى الرغم من خططه وتصريحاته المتكررة، يبقى رضا بهلوي بعيدًا عن المشهد الداخلي في إيران، إذ يعيش خارج البلاد منذ ما قبل ثورة 1979م. وبينما يحظى بتأييد بعض الملكيين الإيرانيين، فإن هذا الدعم يتركّز أساسًا في أوساط الجاليات الإيرانية في الخارج، في حين تبدو قوى المعارضة منقسمة، ولا يجمعها سوى معارضتها للنظام القائم.
وفي المقابل، تشير التطورات إلى أن النظام الإيراني تعرّض لهزّة قوية وأصبح أضعف من السابق دون أن ينهار، إذ لا تزال مؤسساته وقاعدته الداعمة قائمة، ورغم أن الاحتجاجات الحالية غير مسبوقة، فإن احتواءها يبقى ممكنًا إذا أُديرت الأزمة بحكمة.
ولا يعني رفض بعض الإيرانيين للحكومة الحالية بالضرورة تأييدهم لكيان مدعوم من الغرب وإسرائيل يفتقر إلى الخبرة في إدارة الدولة. فكثيرون ممن انتقدوا سياسات طهران في تمويل جماعات مسلّحة خارج البلاد، ومنها "حماس"، لا يزالون متمسّكين بدعم القضية الفلسطينية. وعليه، لا يمكن التعامل مع الانفعالات الآنية أو مشاعر الغضب على أنها تعبير عن ولاء سياسي ثابت.
والأهم من ذلك أن كثيرين من الجيل الذي شهد ثورة عام 1979م، بل وشارك فيها، ما زالوا على قيد الحياة، ويحتفظون بذاكرة واضحة عن حكم الشاه المخلوع وما رافقه من تجاوزات كانت سببًا مباشرًا للثورة. ورغم التركيز المتكرر على صورة إيران قبل الثورة كمجتمع غربي ومنفتح، تبقى تلك التجربة التاريخية حاضرة في أذهان شريحة واسعة من الإيرانيين.
ولكن تلك المرحلة كانت أيضًا دولة بوليسية بامتياز، اعتمدت على جهاز أمني واسع يضم آلافًا من عناصر الشرطة السرّية وملايين المخبرين، وكانت شديدة الارتباط بالولايات المتحدة، حيث فُرضت مظاهر التغريب في كثير من الأحيان. كما عانى الاقتصاد من سوء الإدارة رغم ثروة إيران النفطية، ما أدى إلى تفاقم التضخم وارتفاع البطالة واتساع رقعة الفقر، في مقابل حياة مترفة عاشتها النخب الحاكمة.
وعلى الرغم من حالة الاستياء الواسعة من الحكومة الحالية، فإن كثيرًا من الإيرانيين لا يتطلعون إلى العودة إلى النظام السابق، وهو احتمال يرى مراقبون أنه قد يبرز في حال وصول رضا بهلوي إلى السلطة، وهو أمر لا يمكن أن يتحقق، وفق هذا الطرح، إلا بدعم أميركي مباشر.
كما أعرب الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن تشكّكه في مدى قبول رضا بهلوي لدى الشارع الإيراني، وذلك عقب لقائه بستيف ويتكوف، المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط.
وأخيرًا، تثبت التجارب التاريخية أن تغيير الأنظمة ينجح عندما ينبع من الداخل بشكلٍ عضوي، لا عندما يُفرض عبر تدخلات خارجية، إذ غالبًا ما يقود الخيار الأخير إلى الفوضى والاضطراب، كما أظهرته تجارب الربيع العربي. وفي هذا السياق، لا يبدو رضا بهلوي نموذجًا يمكن مقارنته بمحمد يونس في بنغلاديش أو بملك أفغانستان السابق محمد ظاهر شاه.
اقرأ أيضًا: الهند والإمارات توسّعان شراكتهما الإستراتيجية باتفاقيات في الدفاع والطاقة والفضاء
وقد تؤدي عودته بدعمٍ غربي إلى إنهاء الحكم الديني في إيران، لكنها على الأرجح ستعيد البلاد إلى دائرة التبعية للولايات المتحدة وإسرائيل، كما كان الحال في عهد والده، وهو مسار يُرجَّح أن كثيرًا من الإيرانيين لا يتطلعون إليه.