من التجارة إلى الأمن الإقليمي: الهند والدول العربية ترسمان ملامح تعاون طويل الأمد

03-02-2026  آخر تحديث   | 02-02-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
من التجارة إلى الأمن الإقليمي: الهند والدول العربية ترسمان ملامح تعاون طويل الأمد
من التجارة إلى الأمن الإقليمي: الهند والدول العربية ترسمان ملامح تعاون طويل الأمد

 


من التجارة إلى الأمن الإقليمي: الهند والدول العربية ترسمان ملامح تعاون طويل الأمد

شانكار كومار

استضافت نيودلهي في أواخر هذا الشهر الدورة الثانية لاجتماع وزراء خارجية الهند والدول العربية، في خطوة تعكس تحرّكًا دبلوماسيًا واستراتيجيًا ذكيًا من جانب الدولة الواقعة في جنوب آسيا، بهدف ترسيخ موقعها لاعبًا محوريًا على الساحة الدولية، وذلك عقب استضافتها قادةً أوروبيين وتوقيعها اتفاقيات اقتصادية ودفاعية وأمنية دولية حظيت بزخمٍ واسع.

وشارك في الاجتماع وزراء خارجية الدول العربية والأمين العام لجامعة الدول العربية، وقد عُقد بعد انقطاع دام قرابة عقد من الزمن، بما يؤكد بوضوح التزام نيودلهي بإضفاء زخم سياسي ودبلوماسي واستراتيجي جديد على علاقاتها مع المنطقة، التي تشهد تحولات متسارعة على مختلف الصعد، في ظل التحولات الحادة التي يشهدها المشهد الجيوسياسي العالمي.

في الواقع، جاء انعقاد الاجتماع في وقتٍ كان فيه الاهتمام الدولي منصبًّا على ما يُعرف بـ"مجلس السلام" الذي يقوده دونالد ترامب، والذي -بحسب ادعاء الرئيس الأميركي- يهدف إلى "ترسيخ السلام في الشرق الأوسط". وفي المقابل، تبذل باكستان، إلى جانب تركيا والمملكة العربية السعودية، جهودًا حثيثة لتعميق انخراطها الدفاعي والإستراتيجي، بهدف توسيع نفوذها في أنحاء المنطقة.

 

ومع ذلك، لا يجزم محللون بقدرة الآلية الثلاثية التي تقودها باكستان وتركيا والسعودية على إحداث التحولات المرجوة، في ظل توجه المنطقة نحو بيئة أمنية متعددة الأقطاب، تتشكل بشكل متزايد بفعل تبدّل تحالفات القوى الكبرى، والاستقلالية الإستراتيجية، ووجود جهات فاعلة أمنية غير تقليدية. غير أنهم متفقون على أن الزخم الهندي–العربي يقوم على انخراط مدروس وجوهري، ينطوي على التزام حقيقي بالتعاون على مختلف الجبهات الضرورية، بما في ذلك الاقتصاد والطاقة والرعاية الصحية والتكنولوجيا.

وقد شدّد رئيس الوزراء ناريندرا مودي على هذا التوجّه خلال لقائه وزراء خارجية الدول العربية، الذين التقوا به في 31 يناير، حيث استعرض رؤيته للشراكة الهندية-العربية، مؤكدًا أن الهند ملتزمة بتعميق التعاون مع المنطقة في مجالات التجارة والاستثمار والطاقة والتكنولوجيا والرعاية الصحية وغيرها من القطاعات ذات الأولوية "بما يحقق المنفعة المتبادلة لشعوبنا".

 

 

وسلّط تركيزه على نهجٍ قائم على التنمية الضوء على سعي الهند إلى الاضطلاع بدورٍ يتجاوز كونها مجرد طرفٍ استراتيجي في الحوار، لتصبح شريكًا موثوقًا وطويل الأمد في المشهدين الجيوسياسي والاقتصادي المتحوّلين في المنطقة.

التجارة والاستثمار

يبلغ حجم التبادل التجاري بين الهند والدول العربية حاليًا أكثر من 240 مليار دولار. ووفق إعلان دلهي الصادر عن منتدى الهند–العربي، اتفق الجانبان على مضاعفة هذا الرقم ليصل إلى 500 مليار دولار بحلول عام 2030م.

وفي المقابل، سجّلت الصين، التي تمتلك نفوذًا ملحوظًا في العالم العربي، حجم تجارة بلغ نحو 241.61 مليار دولار مع الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية خلال الأشهر السبعة الأولى من عام 2025م.

وأما تجارة السلع بين الولايات المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فقد قُدّرت بنحو 141.7 مليار دولار في عام 2024م، وفق بيانات مكتب الممثل التجاري للولايات المتحدة. كما أظهرت بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي أن إجمالي قيمة التجارة بين الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بلغ 18.8 مليار دولار خلال الربع الأول من عام 2025م.

ويعني ذلك بوضوح أن الدفع المستدام والاستراتيجي في تواصل الهند مع العالم العربي من شأنه أن يخدم مصالحها على نحوٍ فعّال، ولا سيما في ظل التحولات الجارية في التحالفات الاقتصادية العالمية، واحتدام المنافسة على النفوذ في المنطقة.

ويتجلى هذا الأمر بوضوح على صعيد الاستثمار، إذ تعمل كلٌّ من الهند والدول العربية على تعزيز انخراطهما المتبادل بشكل مطّرد. فإلى جانب القطاعات التقليدية، يركّز الجانبان استثماراتهما على مجالات جديدة وناشئة، تشمل التكنولوجيا المتقدمة، والبنية التحتية، والطاقة المتجددة، والشركات الناشئة، والابتكار.

فعلى سبيل المثال، خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، اتفق البلدان على التعاون في إنشاء عنقود للحوسبة الفائقة ومراكز بيانات في الهند، كما توافقا على توسيع التعاون في مجال الذكاء الاصطناعي والتقنيات الناشئة.

واللافت أنه بموجب اتفاقية الاستثمار الثنائية التي وقّعتها الهند ودولة الإمارات العربية المتحدة عام 2024م، التزمت الدولة الخليجية بضخ استثمارات بقيمة 75 مليار دولار في البنية التحتية الهندية. كما تخطط الإمارات لتطوير منطقة استثمار خاصة في دوليرا بولاية غوجارات.  وتتضمن الرؤية الخاصة بهذه المنطقة الاستثمارية إنشاء مطار دولي، ومدرسة لتدريب الطيارين، ومنشأة للصيانة والإصلاح والعمرة، وميناء غرينفيلد، ومدينة حضرية ذكية، إلى جانب ربط سككي وبنية تحتية لقطاع الطاقة.

ولا شك أن مسارات التجارة والاستثمار الجارية على هذا النحو تعكس إعادة معايرة حاسمة في علاقات الهند مع الدول العربية، وهذا الأمر لا يقل وضوحًا على صعيد السلام والأمن.

السلام والأمن

في ظل تصاعد خطر الإرهاب العابر للحدود، تسعى الهند إلى حشد دعم الدول العربية للعمل معها في مواجهة هذا التحدي الأمني المشترك. ولا تكتفي نيودلهي بالمطالبة بإدانة الإرهاب بجميع أشكاله ومظاهره، بل تدعو أيضًا الدول العربية إلى التعاون معها من أجل تفكيك البنى التحتية للإرهاب وتجفيف مصادر تمويله، وملاحقة مرتكبي الأعمال الإرهابية وتقديمهم إلى العدالة دون أي تأخير.

وفي الوقت نفسه، حرصت الهند على التأكيد، خلال الاجتماع الذي استمر يومًا وشارك فيه 22 وزير خارجية عربيًا، على موقفها الثابت والداعم لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة وقابلة للحياة تعيش جنبًا إلى جنب مع إسرائيل.

وقال إس. جايشانكار، وزير الشؤون الخارجية، خلال كلمته، في الاجتماع الثاني لوزراء خارجية الهند والدول العربية في نيودلهي: "إن الدفع قدمًا بالخطة الشاملة لإنهاء النزاع في غزة يُعد اليوم أولوية تحظى بإجماع واسع. وقد أعلنت دول عدة مواقفها السياسية بشأن خطة السلام، سواء بشكل فردي أو جماعي".

وخلال الاجتماع، ناقشت الهند والدول العربية الوضع الراهن في لبنان وليبيا والسودان والصومال واليمن. وفيما يتعلق بلبنان، دعا الجانبان إلى احترام وحدة أراضيه وحدوده المعترف بها دوليًا، ووقف جميع الانتهاكات التي تمسّ سيادته الوطنية.

وأما بخصوص ليبيا، فقد رحّبا بالجهود المبذولة من أجل إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في أقرب وقت ممكن. وقد بدأت ليبيا الاستعدادات لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية منتصف أبريل 2026م. وأعلنت المفوضية الوطنية العليا للانتخابات في ديسمبر من العام الماضي أنها تعمل على صياغة اللوائح المنظمة لترشّح المرشحين المحتملين.

اقرأ أيضًا: الهند والدول الأعضاء في جامعة الدول العربية تؤكد دعمها لحل الدولتين للقضية الفلسطينية

وبالمثل، تشهد السودان حالة من الاضطراب الشديد جراء حرب أهلية مستمرة منذ أبريل 2023م. ووفقًا لتقرير صادر عن الأمم المتحدة، أسفر النزاع عن مقتل أكثر من 150 ألف شخص، في حين اضطر نحو 12 مليون شخص إلى الفرار من منازلهم، في ظل الصراع العنيف على السلطة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

غير أن الهند والدول العربية أكدتا مجددًا دعمهما الثابت لسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ورفضتا أي تدخل في شؤونه الداخلية. كما أعربتا عن دعمهما لسيادة الصومال، ودعتا إلى احترام وحدته وسلامة أراضيه وحدوده المعترف بها دوليًا. وكذلك أعرب الجانبان عن قلقهما إزاء الأوضاع في اليمن، مؤكدتين أهمية الحفاظ على سيادته ووحدته وسلامة أراضيه.