2025: الهند تواصل صعودها كقوة عالمية بثقة متزايدة

20-12-2025  آخر تحديث   | 20-12-2025 نشر في   |  أحمد      بواسطة | آواز دي وايس 
2025: الهند تواصل صعودها كقوة عالمية بثقة متزايدة
2025: الهند تواصل صعودها كقوة عالمية بثقة متزايدة

 


برامود جوشي*

ركزت السياسة الخارجية الهندية، في عام 2025م، على تحقيق توازن دقيق في علاقاتها مع القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين وروسيا، مع تعزيز حضورها الإقليمي في جنوب آسيا، والعمل في الوقت نفسه على تحسين علاقاتها مع دول الجنوب العالمي.

وقد عكسَت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى نيودلهي هذا التوجه، إذ عززت نهج الهند القائم على سياسة خارجية غير استقطابية، تقوم على تعدد الشراكات وعدم الانحياز الثنائي. وفي هذا السياق، أظهرت الهند قدرًا عاليًا من البراغماتية من خلال التمهل في تمهيد الطريق لاتفاق تجاري مع الولايات المتحدة.

وعلى الرغم من أن الهند لم تنتقد روسيا بشكل علني على خلفية الحرب في أوكرانيا، فإنها وجّهت رسالة دبلوماسية محسوبة مفادها أن "هذا ليس وقت الحروب". وتعكس زيارة بوتين، والزيارة المرتقبة للرئيس الأوكراني، إلى الهند، هذا التوازن الدقيق في إدارة علاقاتها الدولية.

وعزّزت الهند مرونتها الاقتصادية وقدراتها الاستراتيجية، ما أسهم في صعودها عام 2025م إلى رابع أكبر اقتصاد في العالم، بالتوازي مع مواصلة دعم أجندة "الجنوب العالمي" والمطالبة بإصلاحات جوهرية في المؤسسات الدولية، وعلى رأسها مجلس الأمن.

وفي إطار تعزيز حضورها ومكانتها على الساحة الدولية، وظّفت الهند منصات متعددة الأطراف مثل مجموعة العشرين، ومجموعة دول بريكس، ومنظمة شنغهاي للتعاون. وأعادت الهند صياغة استراتيجيتها العسكرية لمواجهة التهديد المزدوج من باكستان والصين، مع التركيز على الاكتفاء الذاتي الدفاعي وتوسيع صادرات السلاح.

واحتلت الهند، وفقًا لمؤشر القوى الآسيوية لعام 2025م، أصدره معهد لوي للأبحاث الأسترالي، المرتبة الثالثة في آسيا بعد الولايات المتحدة والصين. ورغم أن الهند قد حققت المرتبة نفسها في العام السابق، فإن تصنيفها هذا العام كـ"قوة كبرى" يأتي للمرة الأولى بشكل رسمي.

ورسّخت الهند، خلال هذه الفترة، مكانتها كقوة رائدة مع الحفاظ على استقلالية قرارها بعيدًا عن تنافس القوى الكبرى، كما شاركت في مبادرات لبناء السلام في عدد من النزاعات الإقليمية، من بينها أزمات غرب آسيا والحرب في أوكرانيا.

وشكّل عام 2025م محطة مفصلية على الصعيد العالمي، إذ أحدث تحولات عميقة يُتوقع أن تمتد آثارها لعقود مقبلة. وقد واجهت الهند خلال هذا العام تحديات لا تقل حجمًا عن تلك التي شهدها العالم، لكنها حققت في المقابل إنجازات بارزة على المستويات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية والتكنولوجية. وبحلول نهاية عام 2024م، كانت ملامح صعود الهند كقوة اقتصادية جديدة قد بدأت تتضح بوضوح على الساحة الدولية.

واستهلّ العام بتصعيد في النهج السياسي الأميركي مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بينما كشفت زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي إلى الولايات المتحدة في فبراير عن ملامح مرحلة جديدة في العلاقات بين البلدين، تمثلت في إطلاق مبادرة "India-US Compact" للقرن الحادي والعشرين، الهادفة إلى تعزيز الشراكة العسكرية، وتوسيع التعاون التجاري، وتعميق التعاون في المجالات التكنولوجية.

وتهدف المبادرة إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى 500 مليار دولار بحلول عام 2030م، مع اقتراب التوصل إلى اتفاق تجاري مرحلي قبل نهاية العام، غير أن التوترات برزت بسبب قضية الرسوم الجمركية، خاصة بعد انتقادات الرئيس الأميركي دونالد ترامب للسياسات الهندية وشراء الهند للنفط الروسي، فيما أثارت تصريحاته اللاحقة في مايو، بعد «عملية سيندور»، تساؤلات حول احتمال تغير في توجه السياسة الأميركية.

وتظل العلاقات الهندية-الأميركية متماسكة في جوهرها. فبينما كانت الهند تستعد لتنفيذ "عملية سيندور" في السادس من مايو، وقّعت في التوقيت نفسه اتفاقية تجارة حرة تاريخية مع المملكة المتحدة، وصفها رئيس الوزراء ناريندرا مودي بأنها محطة مفصلية، لما توفره من إعفاءات جمركية كاملة على السلع الصناعية الهندية. ويسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استعادة الهيمنة الأميركية، معتبرًا أن الدول النامية وتكتلات مثل مجموعة العشرين وبريكس تشكّل تحديًا لهذا الهدف.

وخلال السنوات الأخيرة، شكّلت تحركات روسيا والصين تحديًا متزايدًا للتفوق الأميركي، في حين حافظت الهند على سياسة عدم الانحياز، رغم تعرض تفاعلها مع الولايات المتحدة لاضطرابات متكررة على مدى العقدين الماضيين. وتُعد زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى الهند أحد المؤشرات الحديثة على هذا التوازن المعقد الذي تنتهجه نيودلهي في إدارة علاقاتها مع القوى الكبرى.

وكان من المقرر عقد قمة قادة المجموعة الرباعية (كواد) في الهند بنهاية العام بحضور الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلا أن القمة وزيارته جرى تأجيلهما. وقد بعثت زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إلى جانب تأجيل زيارة ترامب، برسالة سياسية جرى التعامل معها بقدر من التخفيف في التفسير.

وتوصلت الهند والصين، في 21 أكتوبر، إلى اتفاق بشأن ترتيبات الدوريات في نقطتين على طول خط السيطرة الفعلية، بما أعاد الوضع إلى ما كان عليه قبل أبريل 2020م. كما عقد رئيس الوزراء ناريندرا مودي لقاءات مع الرئيس الصيني شي جين بينغ على هامش قمة بريكس، وشارك لاحقًا في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في الصين، في خطوات عكست انفراجًا دبلوماسيًا.

كما التقى مستشار الأمن القومي أجيت دوفال بوزير الخارجية الصيني وانغ يي في بكين في 18 ديسمبر 2024م، حيث اتفق الجانبان على استكشاف مسارات جديدة لحل الجمود الحدودي المستمر منذ أربع سنوات. وتزامن ذلك مع استئناف الرحلات الجوية بين البلدين وعودة النشاط الاقتصادي، ما يشير إلى توجه حذر نحو إعادة بناء الثقة والتعاون.

ويظل غرب آسيا ساحة إقليمية شديدة التعقيد، تتقاطع فيها علاقاتها الحساسة مع الدول العربية وإيران وإسرائيل، ما يفرض مقاربة دبلوماسية دقيقة ومتوازنة. وخلال العام الجاري، أثار الاتفاق الأمني بين السعودية وباكستان تساؤلات حول انعكاساته الإقليمية، خصوصًا أنه جاء بعد فترة وجيزة من الهجوم الإسرائيلي على قطر.

وفي السياق نفسه، تواصل أفغانستان استقطاب الاهتمام الدولي، في ظل مساعي الولايات المتحدة لاستعادة قاعدة باغرام الجوية من حكومة طالبان، بينما يشهد المشهد الإقليمي تصاعدًا في التوترات بين باكستان وأفغانستان إلى حدّ الصراع غير المعلن. وفي خضم هذه التطورات، تبنّت الهند نهجًا براغماتيًا عبر إقامة قنوات دبلوماسية غير رسمية مع أفغانستان، في خطوة تعكس مقاربة براغماتية للتعامل مع التطورات الإقليمية.

واستثمرت كلٌّ من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة مليارات الدولارات في الهند، مع وجود آفاق واسعة لمزيد من الاستثمارات مستقبلًا، في ظل إدراكهما الواضح لأولويات الهند الأمنية والاستراتيجية. وتُعد السعودية ثاني أكبر شريك تجاري للهند، والخامس من حيث إجمالي حجم التبادل التجاري.

وتُعد السعودية ثاني أكبر شريك تجاري للهند، والخامس من حيث إجمالي حجم التجارة، ما يمنح العلاقة بعدًا استراتيجيًا يتجاوز الإطار الاقتصادي البحت. وقد تجلّت متانة هذه الشراكة خلال هجوم باهالغام في 22 أبريل، حين كان رئيس الوزراء ناريندرا مودي يزور السعودية، حيث بادرت السلطات السعودية إلى إدانة الهجوم فورًا، في إشارة واضحة إلى التنسيق السياسي والتفاهم الأمني بين البلدين.   

وتُعد منطقة الخليج موطنًا لنحو 9.7 ملايين هندي، ما يمنحها أهمية استراتيجية. وفي عام 2024م، تلقت الهند نحو 4.7 مليارات دولار من العملات الأجنبية من دول الخليج، ما يعكس عمق الروابط الاقتصادية والتحويلات المالية بين الجانبين. وتسعى الهند، بدعم من الولايات المتحدة، إلى إنشاء ممر اقتصادي يربطها بأوروبا عبر السعودية والإمارات، غير أن اندلاع الحرب في غزة عطّل هذا المشروع.

وعلى المستوى الثنائي، عززت الهند حضورها في غرب آسيا عبر تحركات دبلوماسية لافتة، من بينها زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي إلى سلطنة عُمان والأردن في نهاية العام. وأسفرت الزيارة عن توقيع اتفاقية تجارة حرة مع عُمان، التي تُعد شريكًا استراتيجيًا مهمًا للهند، ليس فقط اقتصاديًا، بل أيضًا أمنيًا، في ظل ما توفره من تسهيلات للقوات الجوية والبحرية الهندية، بما يدعم طموحات نيودلهي لتعزيز حضورها الإقليمي.

ويبقى جوار الهند الإقليمي من أكثر الملفات تعقيدًا، إذ تسود حالة من التوتر المزمن تعيق فرص التعاون الحقيقي. ولم تشهد العلاقات الهندية-الباكستانية أي تطور إيجابي خلال العام الجاري، في ظل استمرار عمل المفوضيتين الساميتين بترتيبات مؤقتة منذ أغسطس 2019م.

وفي أواخر العام الماضي، صرّح وزير المالية الباكستاني محمد أورنغزيب، خلال مؤتمر صحفي في واشنطن، بأن عدم التجارة مع دول الجوار يُعد خيارًا غير حكيم. ورغم أن هذا التصريح عكس إدراكًا سياسيًا لأهمية التعاون الإقليمي، فإنه جاء في سياق يدرك فيه الوزير نفسه أن الحكومة المدنية في باكستان لا تمتلك صلاحية حقيقية في صياغة السياسة تجاه الهند.

وتُعد بنغلاديش من الجيران المهمين للهند في جنوب آسيا، إلا أن التطورات السياسية منذ أغسطس الماضي، عقب تولي حكومة انتقالية السلطة بعد مرحلة حكم رئيسة الوزراء الشيخة حسينة، أسهمت في خلق وضع لم يكن مواتيًا للهند بشكل غير مباشر. ومن المتوقع أن تحدد الانتخابات المقررة في فبراير 2026م ملامح المرحلة المقبلة للعلاقات بين البلدين.

اقرأ أيضًا: لماذا تكتسب زيارة رئيس الوزراء مودي إلى إثيوبيا أهمية خاصة؟

وفي المقابل، تتجه نيبال إلى إجراء انتخابات في مارس من العام المقبل، بعد فترة من الاضطرابات السياسية التي ارتبطت بحراك شبابي واسع. وعلى الرغم من هذه التغيرات، تواصل الهند الحفاظ على علاقات جيدة مع الحكومة الانتقالية في نيبال، في إطار حرصها على استقرار علاقاتها مع جيرانها.