لماذا تكتسب زيارة رئيس الوزراء مودي إلى إثيوبيا أهمية خاصة؟

16-12-2025  آخر تحديث   | 15-12-2025 نشر في   |  أحمد      بواسطة | آواز دي وايس 
لماذا تكتسب زيارة رئيس الوزراء مودي إلى إثيوبيا أهمية خاصة؟
لماذا تكتسب زيارة رئيس الوزراء مودي إلى إثيوبيا أهمية خاصة؟

 


روشيتا بيري*

من المقرر أن يقوم رئيس وزراء الهند، ناريندرا مودي، بزيارة إلى إثيوبيا يومي 16 و17 ديسمبر 2025م. وتعكس هذه الزيارة المكانة الاستراتيجية المتزايدة لإثيوبيا، كما تؤكد عمق الشراكة المتنامية بين البلدين.

وتتمتع إثيوبيا بموقع جغرافي بالغ الأهمية في منطقة القرن الأفريقي، ما يجعلها بوابة استراتيجية تربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا. وإلى جانب هذا الموقع المحوري، تمتلك البلاد إمكانات اقتصادية هائلة، إذ تُعد من أسرع الاقتصادات نموًا في القارة الأفريقية، بمعدل نمو سنوي يُقدَّر بنحو 8.5 في المائة.

ويعود هذا النمو الاقتصادي اللافت إلى حد كبير إلى مشروعات البنية التحتية الضخمة التي أطلقتها الحكومة الإثيوبية خلال السنوات الأخيرة. ومن أبرز هذه المشروعات سدّ النهضة الإثيوبي الكبير، الذي أحدث تحولًا جوهريًا في مشهد الطاقة. فمن خلال هذا المشروع، تمضي إثيوبيا بخطى ثابتة نحو أن تصبح أكبر منتج للطاقة الكهرومائية في أفريقيا، الأمر الذي من شأنه تعزيز إمدادات الكهرباء داخل البلاد وفي منطقة القرن الأفريقي عمومًا.

كما يبرز مشروع خط السكك الحديدية الكهربائي، الذي يمتد لمسافة 750 كيلومترًا ويربط العاصمة أديس أبابا بميناء جيبوتي على البحر الأحمر، بوصفه أحد أهم إنجازات البنية التحتية في البلاد. وغالبًا ما يصفه المسؤولون الإثيوبيون بأنه "ممر اقتصادي نحو الازدهار"، نظرًا لدوره في تمكين إثيوبيا، الدولة غير الساحلية، من الوصول المباشر إلى التجارة البحرية العالمية.

ويُعدّ العامل الديمغرافي من أبرز عناصر الجاذبية في الحالة الإثيوبية، إذ تُصنَّف إثيوبيا كثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان في أفريقيا، وتتميّز بتركيبة سكانية يغلب عليها الشباب والحيوية، ما يوفّر قاعدة واسعة وواعدة لقوة العمل ويعزّز آفاق النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

وإلى جانب ذلك، تحتضن إثيوبيا المقرّ الرئيسي للاتحاد الأفريقي، وهو ما يعكس مكانتها المحورية ودورها المؤثر في الدبلوماسية القارية. وعلى الرغم من التحديات الناجمة عن الصراعات الداخلية خلال السنوات الأخيرة، واصلت إثيوبيا الاضطلاع بدور فاعل في تعزيز الأمن والاستقرار الإقليميين.

كما تُعدّ إثيوبيا من بين أكبر عشر دول مساهمة بقوات في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، والتي يتركز معظمها في القارة الأفريقية. وإلى جانب ذلك، تسهم البلاد بعدد كبير من القوات في بعثة الاتحاد الأفريقي للدعم وتحقيق الاستقرار في الصومال، في إطار الجهود المستمرة لمواجهة جماعة الشباب المتطرفة وتعزيز الأمن في المنطقة.

ومن المتوقع أن تسهم زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي في تعزيز علاقات الهند مع إثيوبيا، بوصفها دولة محورية في القارة الأفريقية. وتُعد هذه الزيارة الأولى لمودي إلى إثيوبيا، ما يمنحها دلالة خاصة على صعيد العلاقات الثنائية.

ومن المتوقع أن يجري خلال الزيارة مباحثات موسّعة مع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي، تتناول مختلف أبعاد التعاون الثنائي بين البلدين. وتأتي هذه الزيارة بعد أقل من شهر على اللقاء الذي جمع الزعيمين على هامش قمة مجموعة العشرين في جوهانسبرغ بجنوب أفريقيا.

وعلى الرغم من الزخم الراهن في العلاقات الثنائية، فإن علاقات الهند مع إثيوبيا ليست وليدة اليوم، بل تعود جذورها إلى عهد مملكة أكسوم في القرن الأول الميلادي، حيث ازدهرت حركة التبادل عبر شبكات التجارة القديمة، وتبادلت الهند سلعًا مثل الحرير والتوابل مقابل الذهب والعاج من إثيوبيا.

وكانت إثيوبيا، عقب استقلال الهند، أول دولة أفريقية تبادر إلى إنشاء بعثة دبلوماسية في عام 1948م، في خطوة عكست متانة الروابط بين البلدين. وتطورت هذه العلاقات، على مرّ العقود، لتشمل تعاونًا وثيقًا في مجالات متعددة، من بينها التعاون الإنمائي، والتجارة والاستثمار، والتعليم، وبناء القدرات، إضافة إلى التعاون في المجال الدفاعي.

وتُعدّ إثيوبيا من أهم شركاء الهند في مجال التنمية داخل القارة الأفريقية، إذ حصلت على أكثر من مليار دولار في شكل خطوط ائتمان لدعم مشروعات البنية التحتية، خاصة في مجالي نقل الكهرباء إلى المناطق الريفية وتطوير مصانع السكر. ويعكس هذا الدعم حرص الهند على الإسهام في القطاعات التي تمسّ مباشرة احتياجات التنمية في إثيوبيا.

ويستند التعاون التنموي الهندي مع إثيوبيا، كما هو الحال في بقية دول أفريقيا، إلى إطار "التعاون بين بلدان الجنوب"، الذي يُعدّ ركيزة أساسية في سياسة الهند تجاه القارة. ويُشكّل هذا الإطار أحد العناصر الرئيسة ضمن "المبادئ العشرة" التي طرحها رئيس الوزراء ناريندرا مودي لتعزيز الشراكة الهندية–الأفريقية، والتي تؤكد أن التعاون التنموي يجب أن يقوم على أولويات الدول الأفريقية نفسها. وبناءً على ذلك، فإن أولويات التنمية الإثيوبية هي التي تُحدّد طبيعة ومجالات التعاون الهندي مع البلاد.

وتربط الهند وإثيوبيا شراكة راسخة وطويلة الأمد في مجالي التعليم وبناء القدرات. فعلى مرّ السنوات، كان للمعلمين الهنود دور بارز في تعليم أجيال من الطلاب الإثيوبيين والمساهمة في تشكيل وعيهم في مراحل التعليم المدرسي.

وامتد هذا الدور، في السنوات الأخيرة، ليشمل قطاع التعليم العالي، حيث قدّم أكاديميون وخبراء هنود إسهامات كبيرة في الجامعات الإثيوبية. ويواصل أكثر من ألفي مدرس هندي التدريس في الجامعات الإثيوبية في تخصصات متعددة، من بينها العلوم الاجتماعية، والهندسة، والإدارة، والطب، ما يعكس عمق التعاون الأكاديمي بين البلدين.

كما استفاد العديد من الطلاب الإثيوبيين من المنح الدراسية التي تقدمها الحكومة الهندية عبر المجلس الهندي للعلاقات الثقافية للدراسة في المؤسسات التعليمية داخل الهند. وتُعدّ إثيوبيا كذلك من أكبر المستفيدين من برامج التدريب في إطار التعاون الفني والاقتصادي الهندي. ومن المتوقع أن تسهم زيارة رئيس الوزراء في تعزيز هذا التعاون، خاصة في مجالي تنمية المهارات والبنية التحتية الرقمية العامة.

وشهدت العلاقات التجارية بين الهند وإثيوبيا تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، حيث أصبحت الهند ثاني أكبر شريك تجاري لإثيوبيا. وإلى جانب التجارة، تُعدّ الهند أحد المصادر المهمة للاستثمار الأجنبي في البلاد، مع وجود أكثر من 650 شركة هندية تنشط في قطاعات مختلفة، وقد رسّخت هذه الشركات حضورها بوصفها من أكبر أرباب العمل في القطاع الخاص الإثيوبي.

وبلغ حجم التبادل التجاري بين الهند وإثيوبيا نحو 550 مليون دولار أمريكي خلال عامي 2024–2025م. وتتركز الصادرات الهندية بشكل أساسي في قطاع الأدوية، في حين تشمل الواردات من إثيوبيا بالدرجة الأولى البقوليات والبذور.

ومن المتوقع أن تسهم زيارة رئيسي الوزراء في استكشاف مجالات جديدة للتعاون الاقتصادي، وتعزيز حجم التجارة الثنائية، بما يدعم توسيع الشراكة الاقتصادية ويمنحها زخمًا إضافيًا في المرحلة المقبلة.

ويُعدّ التعاون الدفاعي أحد المجالات المهمة في الشراكة بين الهند وإثيوبيا. فقد اضطلعت الهند بدور أساسي في إنشاء أكاديمية هرر العسكرية في إثيوبيا، التي قامت بتدريب ضباط عسكريين من إثيوبيا ومن دول أفريقية أخرى خلال الفترة من 1957م إلى 1977م، قبل أن تُغلق بشكل مفاجئ بقرار من السلطات آنذاك.

وعلى الرغم من إغلاق الأكاديمية، استمر التعاون الدفاعي بين البلدين وتطوّر تدريجيًا، إلى أن تُوِّج بإبرام اتفاقية تعاون دفاعي رسمية في فبراير 2025م. ويُتوقّع أن تسهم زيارة رئيس الوزراء ناريندرا مودي في تعزيز هذا المسار، عبر توسيع مجالات التعاون لتشمل الأمن السيبراني، ومكافحة الإرهاب، والصناعات الدفاعية.

وفي إطار العمل متعدد الأطراف، تواصل الهند دعم تطلعات دول الجنوب العالمي داخل مختلف المنصات الدولية. ومع استعداد الهند لتولي رئاسة منتدى "بريكس" خلال العام المقبل، تكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة، إذ تتيح لقيادتي البلدين فرصة لتنسيق الرؤى وتوحيد المواقف بشأن سبل تعزيز التعاون داخل تكتل بريكس. ومن المرجح أيضًا أن يبحث الجانبان إمكانية استضافة الهند للقمة الرابعة لمنتدى الهند–أفريقيا، التي تأخر عقدها.

اقرأ أيضًا: بداية عصر جديد في العلاقات الهندية-الأردنية

وفي ظل الاضطرابات العالمية المتصاعدة، وتوظيف الولايات المتحدة للتعريفات الجمركية كأداة ضغط سياسي واقتصادي، إلى جانب ما يُعرف بدبلوماسية فخّ الديون التي تنتهجها الصين، يبرز استمرار تفاعل الهند مع شركاء مثل إثيوبيا بوصفه تأكيدًا واضحًا لسياسة "أفريقيا أولًا". وهي سياسة ترتكز على تبادل المعرفة والخبرات والتكنولوجيا بما يحقق منفعة متبادلة للطرفين.

قصص مقترحة