محمد أجمل*
لا تقتصر الهوية الثقافية للهند على مواقعها التاريخية ولغاتها وأزيائها ومهرجاناتها فحسب، بل تشمل مطبخها الذي يحفظ قرونًا من الذاكرة الثقافية والظروف الجغرافية والقيم الاجتماعية ولمحات من الحياة العامة. وتُعدّ الأطباق المميزة لمختلف مناطق الهند جزءًا مهمًا من هويتها الثقافية. ومن الأمثلة البارزة على هذا التنوع الثقافي: خضار الخردل مع خبز الذرة في ولايتي البنجاب وهاريانا، ودوكلا في ولاية غوجارات، والسمك مع حلوة راسغولا (تشومشوم) في ولاية غرب البنغال، والبيرياني في ولايتي آندهرا براديش وتيلانغانا، والليتي تشوخا في ولاية بيهار.
ومع ذلك، فإن الليتي تشوخا ليس مجرد طعام تقليدي، بل هو أيضًا رمز جميل لروح ولاية بيهار، وحياتها الريفية، وبساطتها، والاكتفاء الذاتي، والوئام المجتمعي. وقد تجاوزت شهرة هذا الطبق اليوم حدود ولاية بيهار، وانتشر في مختلف أنحاء الهند وخارجها، من المطاعم في المدن الكبرى إلى الأكشاك الصغيرة على جوانب الطرق والوجبات المنزلية، ويبدو هذا الطبق وكأنه يجسد ثقافة ولاية بيهار. ومن أهم أسباب شعبيته بساطته، ومذاقه الرائع، وقيمته الغذائية، وانخفاض تكلفة تحضيره.
والليتي هو خبز دائري صغير مصنوع من الدقيق، محشو بالساتو (دقيق الحمص المحمص)، والتوابل، والملح، والثوم، والزنجبيل، والفلفل الأخضر الحار، والكرفس، والليمون أو مسحوق المانجو المجفف، وأحيانًا زيت الخردل. ويُخبز تقليديًا على نار الفحم أو الخشب أو روث البقر. وبعد طهيه، يُسكب عليه السمن أو الزبدة، ويُقدّم عادةً مع تشوخا.

ويُحضّر تشوخا بمزج البطاطا المشوية أو الباذنجان أو الطماطم مع البصل والفلفل الأخضر الحار والثوم والكزبرة وزيت الخردل. وفي بعض المناطق، يُحضّر بمزج البطاطا والباذنجان والطماطم فقط. وهكذا، تجتمع نكهة الليتي مع النكهة القوية والعطرية للتشوخا لتشكلا وجبة متكاملة.
جذور ريفية
لا يوجد تاريخ متفق عليه ومحدد لأصل الليتي، إلا أنه يرتبط بتقاليد الطعام الريفية القديمة في ولاية بيهار وشرقي الهند. وقد أسهم الوضع الجغرافي والاجتماعي في ولاية بيهار في تطوير أطعمة يمكن تحضيرها بموارد قليلة، وتدوم لفترة طويلة، وتناسب المسافرين والعاملين في الحقول.
ولطالما شكّل الساتو جزءًا مهمًا من النظام الغذائي التقليدي في ولاية بيهار، ويُحضّر بطحن الحمص المحمص، وهو مغذٍّ ورخيص نسبيًا وسهل الحفظ. ولذلك، كان غذاءً مناسبًا للأشخاص الذين يعملون لساعات طويلة في المجتمع الريفي. ويعكس استخدام الساتو في حشو الليتي استفادة السكان المحليين من الموارد الزراعية المتاحة وفقًا لاحتياجاتهم اليومية.
وتربط بعض التقاليد الشعبية الليتي بالحروب والأسفار في العصور القديمة، على الرغم من أن الأدلة التاريخية على هذه التقاليد محدودة. ويمكن القول بكل تأكيد إن المفهوم الأساسي لطعام مثل الليتي قد نشأ من حاجة اجتماعية إلى إعداد طعام يشبع ويوفر الطاقة بأقل قدر من الموارد.
ولا يمكن فهم المعنى الحقيقي لطبق الليتي تشوخا فهمًا كاملًا دون فهم الحياة الريفية في ولاية بيهار. ففي الماضي، لم يكن الطبخ في بيوت القرى مسؤولية شخص واحد فقط، بل كانت الأسرة، وأحيانًا الحي بأكمله، تشارك فيه. وكان الناس يشعلون نارًا من الحطب أو روث البقر، ويجهّزون الليتي، ويشوون الخضراوات للتشوخا، ثم يجلسون معًا لتناول الطعام.

وبهذا المعنى، يُعدّ طبق الليتي تشوخا طبقًا شعبيًا لا يتطلب أدوات معقدة أو معدات حديثة، بل يمكن تحضيره في فناء مفتوح، أو حديقة، أو على حافة حقل، أو حتى أثناء السفر. ولهذا، أصبح طعامًا شائعًا بين عامة الناس، وارتبط ارتباطًا وثيقًا بالحياة الاقتصادية والزراعية المحلية، ولا سيما بحياة المزارعين والعمال والمسافرين.
البساطة والهوية الاجتماعية
من أبرز ما يُميّز طبق "الليتي تشوخا" بساطته؛ فهو لا يتطلّب مكوّنات باهظة الثمن، إذ تتوافر مكوناته الأساسية، مثل الدقيق، والساتو، والتوابل البسيطة، والخضراوات، وزيت الخردل، محليًا. وتُمثّل هذه البساطة جانبًا من جوانب المجتمع التقليدي في ولاية بيهار، حيث تُعتبر القدرة على عيش حياة أفضل بموارد أقلّ قيمة اجتماعية مهمّة.
غير أن تصنيف الليتي على أنه طعام خاص بالفقراء أو الريفيين يحدّ من أهميته الثقافية؛ فهو اليوم، يحظى بشعبية واسعة بين مختلف الطبقات الاجتماعية وفي المجتمعات الحضرية. وتُظهر رحلته أن الأشياء التي تنشأ في الثقافة الشعبية قادرة، مع مرور الوقت، على تجاوز حدود الطبقات الاجتماعية واكتساب شهرة أوسع.
وإذا كان يُمكن اعتبار الليتي تشوخا طعامًا ثقافيًّا لولاية بيهار، فإنّ الساتو هو جوهره. ففي الولاية، لا يُستخدم الساتو في الليتي فحسب، بل يُستهلك بطرقٍ مُتنوّعة. ويُعدّ شراب الساتو مشروبًا شائعًا خلال فصل الصيف، كما يُستخدم مع البصل والفلفل الأخضر الحار والتوابل. ويجمع الساتو بين المنتجات الزراعية المحلية والاحتياجات الموسمية والأذواق العامة، ويُبرز أهمية الحبوب والبقوليات المحلية في النظام الغذائي في بيهار.

ويتمتع تشوخا بهوية ثقافية خاصة. فهو، إلى جانب تقديمه مع الليتي، رمز ثقافي يرتبط برائحة الباذنجان والبطاطس والطماطم المشوية على النار، وبذكريات المطبخ الريفي. ويُضفي زيت الخردل نكهة مميزة عليه. وفي تحضير طبق تشوخا، بدلاً من تقطيع الخضراوات ناعمًا، تُهرس وتعجن باليد وتُخلط مع المكونات الأخرى، مع التركيز على التناغم الطبيعي للنكهات بدلاً من اتباع وصفة معقدة.
انتشار الليتي تشوخا
أدى مهاجرو ولاية بيهار دورًا بارزًا في انتشار "الليتي تشوخا" في مختلف مدن الهند. فقد انتشرت محلات ومطاعم هذا الطبق في دلهي ومومباي وكولكاتا وبنغالورو وغيرها من المدن الكبرى. وهكذا، انتقل هذا الطبق مع الهجرة من مكان إلى آخر، ليصبح جزءًا من أذواق سكان المدن الجدد.
وتُعدّ هذه العملية أنموذجًا مثاليًا للهجرة الثقافية. فعندما ينتقل الناس من مناطقهم الأصلية للعمل أو الدراسة، فإنهم لا يأخذون معهم لغتهم وعاداتهم فحسب، بل طعامهم. وهكذا، خرج "الليتي تشوخا" من ولاية بيهار ليصبح جزءًا من المشهد الثقافي الأوسع للهند.
وفي الوقت الراهن، اتخذ الليتي تشوخا أشكالاً جديدة إلى جانب شكله التقليدي. ففي بعض المناطق، يقدم مع السمن والزبدة والجبن وأنواع مختلفة من الصلصات والنكهات العصرية الأخرى، بينما يقَّدم في المدن الكبرى، بوصفه طبقًا هنديًا تقليديًا وجزءًا من المطبخ الإقليمي.

وساهمت وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا في زيادة شعبيته. فمن خلال صور الطعام ومقاطع الفيديو ومدونات الطعام، تمكن هذا الطبق التقليدي من الوصول إلى الناس في مختلف أنحاء البلاد، واكتسب حياة ثقافية جديدة في العصر الرقمي.
وتكمن أهمية الليتي تشوخا في كونه جسرًا يربط بين الماضي والحاضر. فمن جهة، يتجذر في المجتمع الريفي والزراعة المحلية والوقود التقليدي وأساليب الطهي البسيطة، ومن جهة أخرى، يشق طريقه اليوم إلى المطاعم الحديثة والمعارض الحضرية والفعاليات الثقافية ومشهد الطعام الهندي العالمي. وهذا يعكس حيوية الثقافة وقدرتها على الظهور في سياقات جديدة مع تغير الزمن، مع المحافظة على جوهرها.
*أستاذ مساعد بمركز الدراسات العربية والإفريقية، جامعة جواهر لال نهرو بنيودلهي.