أرجوك توقّف عن إزعاجي

03-08-2026  آخر تحديث   | 03-08-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | طالب الرفاعي 
صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

 


 طالب الرفاعي 

هي سُنّة البشر: في مرحلة ما من العمر، تصبح الوحدة قريبة إلى النفس ومألوفة، لكن يجب الانتباه إلى أن الوحدة تختلف تمامًا عن العزلة، فالعزلة أن ينسحب الإنسان من الناس، ومن كل ما يحيط به من أحداث، أما الوحدة فهي أن يعيش المرء اللحظة بخصوصيته الكاملة، وسط الناس، وفي أي مكان.

ربما بسبب العمر، أو بسبب ما مررتُ به من تجارب، أو بسبب العالم الصاخب المتحارب من حولنا، وجدتُ نفسي في السنوات الأخيرة أستشعر لذّة وحدةٍ لم تخطر لي على بال من قبل، لذّة أن أكون في زاوية تعرفني، تحتضن جسدي وأنفاسي وهدوء خاطري، ولقد ارتبطت وحدتي بالقراءة والكتابة، تُرافقني في الخلفية موسيقى هادئة للدراسة والتأمل.

من الأشياء التي تعلّمتها من عيش وحدتي، ألا أتطفّل على وحدة الآخرين، ولا أُثقل بوجودي على من أُحب، فالميزان الحقيقي أن تكون خفيفًا في حضورك، خفيفًا في حوارك، خفيفًا حتى في مغادرتك، وصرتُ شديد الحساسية تجاه من يقتحم عليّ لحظتي بشؤونه الخاصة، وتحديدًا عبر رسائل واتس أب. أنا أتفهّم تمامًا أن اللحظة الإنسانية الراهنة باتت مرتبطة بشبكات التواصل، وأن الإنسان في كل مكان صار يستشعر وجوده من خلال اتصاله بالآخرين، ومن خلال انكشاف تفاصيل يومه على مائدتهم، لكني أقف كثيرًا عند حدودي، مُدرِكًا أنه لا يصحّ لي أن أقتحم وقت الآخر ومزاجه، وأن أرسل إليه أخباري وما يحلو لي في أي وقت أشاء.

كثيرون صاروا يقتحمون علينا عالمنا الهادئ بأخبارهم وصورهم وكتاباتهم، دون استئذان، ودون أي اعتبار لطبيعة لحظتنا، صباحًا كانت أم مساءً. لكل إنسان، بالطبع، كامل الحرية في أن يكتب ما يشاء، وأن ينشره في أي جريدة أو مجلة أو منصة، وأن يعتزّ بفكره أيّما اعتزاز. لكن عليه أيضًا أن يقف أمام نفسه، وأن يعرف حدوده، وألا يُزعج راحة الآخرين، ولا يُثقل عليهم برسائله ومقالاته.

حين كنتُ أُحضّر درجة الماجستير لمادة الكتابة الإبداعية في جامعة "كنغستون" بلندن، أشرفت على رسالتي الكاتبة والأكاديمية العالمية إيفا هوفمان - Eva Hoffman، التي تُدرّس الكتابة الإبداعية في جامعة كولومبيا، وكانت جد دقيقة في التعامل مع الوقت ومع تواصل الآخر، فقد كنا نناقش فصول الرسالة بمكالمة مباشرة، وحين ننتهي، كانت تقول بنبرة حاسمة: "أرسل ما اتفقنا عليه بالإيميل"، ولم تكن ترد على الرسائل إلا في وقت محدد، وبعبارات مقتضبة، استوقفني حينها هذا الانضباط الصارم في تعاملها مع الآخر والوقت واللغة على السواء، وكان لسان حالها يقول: أتواصل مع الآخر بطريقتي، وقت أريد، وهذا يكفيني.

للأسف، أساء البعض استخدام شبكات التواصل الاجتماعي، فصاروا يقتحمون وقت الآخرين وراحتهم، ناشرين نشاط حياتهم الخاصة في أي لحظة تحلو لهم، غير آبهين بمن يستقبل تلك الرسائل ولا بظرفه. وكم يستوقفني أن يُرسل إليّ أحدهم رسالة، ثم أخرى، ثم عاشرة، دون أن أردّ بحرف واحد، ليستمر هو في الإرسال، وكأن صمتي لا يعني شيئًا له. أنا أفهم تمامًا: حين تُسلّم على أحد فيتجاهل سلامك، فتلك رسالة، واضحة تمام الوضوح.

أرجوك، توقّف عن إزعاجي.