قرة العين*
كان القرن التاسع عشر مرحلةً شهدت تحولات سياسية واجتماعية وفكرية شاملة في تاريخ شبه القارة الهندية. وقد أدّى فشل حرب الاستقلال الأولى عام 1857 إلى تدهور أوضاع المسلمين تدهورًا شديدًا؛ إذ حمّلهم البريطانيون المسؤولية الرئيسة عن الثورة، وحرموهم من المناصب الحكومية والموارد الاقتصادية والنفوذ الاجتماعي. ونتيجة لذلك، لم يضعف المسلمون سياسيًا واقتصاديًا فحسب، بل تخلّفوا في المجال التعليمي.
وبسبب النزعة المحافظة والمشاعر المعادية للبريطانيين، أحجم المسلمون عن الإقبال على التعليم الحديث، ولا سيما تعلّم اللغة الإنجليزية والعلوم، في حين انطلقت أمم أخرى نحو التقدم مستفيدةً من هذه العلوم والمعارف. وقد دفع هذا الاختلال في التوازن التعليمي والاجتماعي المسلمين إلى مزيد من التراجع والتخلّف.
وفي ظل هذه الظروف الدقيقة، برز السير سيد أحمد خان بوصفه مصلحًا ومفكرًا. وقد رأى أن السبب الأساسي لتدهور أوضاع المسلمين يكمن في ابتعادهم عن التعليم الحديث، فطرح رؤية تعليمية خاصة دعا فيها إلى إيلاء اهتمام كبير بالفلسفة والطبيعة والعلوم. ولمعالجة أوضاع المسلمين المتردية، أُسِّست الجمعية العلمية أولًا في غازي بور، وعملت على نقل العلوم الإنجليزية إلى لغة يفهمها عامة الناس. ثم أسّس السير سيد أحمد خان حركة عليكرة عام 1875 لنشر هذه العلوم وتوسيع نطاق الاستفادة منها.
وقد أسهمت هذه الحركة في توسيع مفهوم التعليم، فلم يعد مقتصرًا على المجالات الدينية، بل امتد ليشمل تخصصات مثل العلوم والفلسفة والتاريخ والأدب. كما عملت على تنمية النزعة العقلانية والتفكير العلمي وروح التسامح لدى المسلمين. ونتيجة لذلك، نشأ جيل مسلم جديد متعلّم، أدّى دورًا بارزًا في مجالات السياسة والصحافة والقضاء وحركة الاستقلال والإصلاحات الاجتماعية.
وعلى الرغم من معارضة العلماء المحافظين لهذه الحركة، واتهامهم إياها بممالأة البريطانيين والانحراف عن التعاليم الدينية، فقد أثبتت الأيام أنها لم تكن مجرد بداية لليقظة التعليمية والفكرية لدى المسلمين، بل شكّلت أيضًا محطة مفصلية في مسيرة التطور الاجتماعي والتعليمي العام في شبه القارة الهندية.
وكان الهدف من حركة عليكرة هو تشجيع المسلمين على الإقبال على العلوم العلمانية والعلمية، وإعادة المكانة المرموقة إليهم في المجالات الاجتماعية والسياسية والعلمية. وهكذا، لم تقتصر آثار حركة عليكرة على تغيير الآفاق الفكرية والتعليمية للمسلمين فحسب، بل أسهمت أيضًا في إرساء أسس التعليم الحديث القائم على العقلانية في المجتمع الهندي.
وكان السير سيد أحمد خان يؤمن إيمانًا راسخًا بأن التعليم هو الوسيلة الوحيدة القادرة على إعادة أمة تعاني التراجع والانحطاط إلى طريق التقدم والازدهار. وكان يرى أن التعليم ينبغي ألا يقتصر على المواد الدينية أو التقليدية، بل لا بد أن يشمل أيضًا العلوم الدنيوية والبحث العلمي والأفكار الحضارية والاجتماعية الحديثة.
وعلى الرغم من أنه كان يولي التعليم الديني أهمية كبيرة، فإنه شدّد على أن الاكتفاء به وحده لا يكفي، بل إن اكتساب العلوم الحديثة يُعدّ شرطًا أساسيًا لتحقيق النجاح في الحياة العملية والقدرة على المنافسة على المستوى العالمي.
وكان السير سيد أحمد خان يقول مرارًا:
"لا يمكن تحقيق الإصلاح الحقيقي للأمة وتقدمها ما لم يُزوَّد الجيل الجديد بالعلوم الحديثة، ولا سيما العلوم الطبيعية والدنيوية؛ فهذه العلوم وحدها كفيلة بإنارة عقولهم، وتوسيع آفاق تفكيرهم، وترسيخ شخصياتهم".
وبدأ السير سيد أحمد خان عام 1864 بتأسيس الجمعية العلمية، وأطلق من خلالها مشروع نقل العلوم الغربية إلى لغة يفهمها عامة الناس، مما أسهم في إحداث يقظة فكرية في شبه القارة الهندية. وفي عام 1875، أسّس مدرسة العلوم، ثم طوّرها وحوّلها عام 1877 إلى الكلية المحمدية الأنجلو-شرقية، فبعث بذلك روحًا جديدة في أوساط المسلمين. وقد تطورت هذه الكلية لاحقًا حتى أصبحت عام 1920 جامعة عليكرة الإسلامية.
وقد غدت هذه المؤسسة مركزًا بارزًا للتعليم الحديث والعلماني في شبه القارة الهندية، وأدّى خريجوها دورًا مهمًا في مجالات السياسة والصحافة والقضاء والتنمية الاجتماعية. وهكذا، منحت حركة عليكرة المسلمين هوية تعليمية وفكرية جديدة، وتركت آثارًا عميقة ودائمة في المجتمع الهندي بأسره.
وكان أبرز إنجازات حركة عليكرة وأكثرها إحداثًا للتغيير أنها لم تُبقِ التعليم محصورًا في الإطار الديني والتقليدي، بل حوّلته إلى نظام تعليمي شامل ومتكامل متعدد الجوانب. وفي إطار هذه الحركة، أُدرجت في المناهج الدراسية مواد مثل العلوم الحديثة والرياضيات والفلسفة والتاريخ والجغرافيا والعلوم السياسية والأدب. ولم تقتصر آثار هذه المناهج على تهيئة الطلاب لمواكبة متطلبات العصر، بل أسهمت أيضًا في تنمية التفكير النقدي والإبداعي لديهم، وتعزيز النزعة العقلانية والتفكير العلمي.
ومن خلال هذا النظام التعليمي، جرى إعداد الشباب المسلمين للعمل في مختلف مجالات الحياة العملية، مثل الإدارة والقضاء والصحافة والسياسة والخدمة الاجتماعية. ونتيجة لذلك، نشأ جيل متعلم قادر على التمسك بمعتقداته الدينية، وفي الوقت نفسه الإسهام بفاعلية في التيارات العلمية والفكرية للعالم الحديث. وبذلك، ساعدت حركة عليكرة المسلمين على الخروج من دائرة المحافظة المفرطة والجمود الفكري، ووجّهتهم نحو مسار يقوم على تحقيق التوازن بين التعليم الديني والدنيوي، ويُمكّن الأمة من المشاركة في مسيرة التقدم ومواكبة ركب الحضارة.
وكانت الإستراتيجية التعليمية والاجتماعية للسير سيد أحمد خان متعددة الجوانب. فقد كان يرى أن اكتساب العلوم الغربية هو السبيل الأهم لتقدم المسلمين، إذ اعتقد أنهم سيظلون متخلفين عن ركب العصر، ولن يتمكنوا من الحفاظ على مكانتهم على المستويين الوطني والدولي، ما لم يتقنوا تخصصات حديثة مثل العلوم والفلسفة والرياضيات وعلم الاجتماع.
وإلى جانب ذلك، أكّد أهمية اللغة، إذ كان يرى أن المعرفة لا يمكن أن تؤتي ثمارها المرجوة ما لم تُنقل إلى لغة يفهمها عامة الناس. ولهذا الغرض، بذل جهودًا كبيرة لجعل اللغة الأردية وسيلةً للتعليم، حتى تصل العلوم الحديثة إلى مختلف فئات المجتمع، ولا سيما عامة المسلمين. وقد أسهمت هذه الجهود لاحقًا في ازدهار اللغة الأردية وتعزيز مكانتها بوصفها لغةً للعلم والمعرفة.
وعلاوة على ذلك، لم يكتفِ السير سيد بالتعليم النظامي، بل عدّ الإصلاح الأخلاقي والاجتماعي للمسلمين أمرًا ضروريًا أيضًا. ودعا الأمة إلى تجاوز التعصبات الدينية وضيق الأفق والنزعة المحافظة، والتحلي بسعة الأفق والعقلانية والتسامح وروح التعايش. وكان يؤمن بأن الإنسان المتعلم ينبغي ألا يقتصر على امتلاك المعرفة النظرية والاطلاع على الكتب، بل يجب أن يتحلى أيضًا بالقيم الأخلاقية الرفيعة، وأن يسهم في تحقيق الانسجام الاجتماعي. وهكذا، قدّم السير سيد أحمد خان برنامجًا متكاملًا جمع فيه بين الإصلاح التعليمي والتهذيب الأخلاقي، وأسهم من خلاله في توجيه المسلمين نحو التقدم الفكري والعملي، وانتشالهم من حالة التراجع والانحطاط.
وقد أدّت حركة عليكرة إلى انتشار التعليم الحديث بين مسلمي الهند، وأسهمت في ظهور نخبة مسلمة متعلمة جديدة برزت في مجالات السياسة والصحافة والقضاء والخدمات الاجتماعية. ولم يقتصر دور هذه النخبة على خدمة مجتمعها فحسب، بل أسهمت أيضًا في إرساء أسس التغيير الفكري والاجتماعي في المجتمع الهندي بأسره.
كما أسهم تأسيس جامعة عليكرة الإسلامية في إرساء نظام تعليمي حديث يقوم على أسس علمانية وشاملة، متجاوزًا الإطار الديني التقليدي، وامتدت آثار هذا التطور إلى الهندوس والمسلمين وغيرهم من فئات المجتمع على حد سواء. وقد اضطلع خريجو هذه المؤسسة بدور فاعل في حركة الاستقلال، وأسهموا في تطوير الصحافة الحديثة، وحققوا إنجازات بارزة في مجالات العلم والبحث، كما تولّوا أدوارًا قيادية في مختلف ميادين التنمية الاجتماعية. وبذلك، لم تقتصر إسهامات حركة عليكرة على معالجة التخلف التعليمي والفكري لدى المسلمين، بل أصبحت أيضًا محطةً مفصلية في مسيرة التطور الفكري والاجتماعي الشامل في شبه القارة الهندية.
وكانت واجهت حركة عليكرة في مراحلها الأولى معارضة شديدة من العلماء المحافظين والأوساط الدينية. فقد رأى كثير من العلماء أن العلوم الغربية والتعليم باللغة الإنجليزية يشكّلان تهديدًا للهوية الدينية والحضارية للمسلمين. وذهب بعضهم إلى حدّ اعتبار الحركة محاولة مباشرة لاسترضاء البريطانيين وكسب رضاهم، وروّجوا لفكرة أن حركة السير سيد أحمد خان ستؤدي إلى إبعاد المسلمين عن دينهم. ولهذا السبب، سادت حالة من عدم الثقة تجاه الحركة في أوساط عامة المسلمين خلال بداياتها.
غير أن مرور الزمن قد أثبت أن حركة عليكرة كانت في حقيقة الأمر محطة مفصلية في رسم مستقبل المسلمين. وكانت النتيجة أن كثيرًا ممن عارضوا السير سيد أحمد خان وحركته في مرحلة من المراحل، أصبحوا لاحقًا من مؤيديها وأنصارها.
* أستاذ مساعد (متعاقد)، قسم اللغة الأردية، الجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي.