محمد أكرم الندوي (أكسفورد)
اختار الله للقائه يوم الأربعاء 26 ربيع الآخر 1448هـ علما جليلا من أعلام ندوة العلماء، وعالما عظيما من الرعيل الأول، وأديبا أريبا، وكاتبا قديرا، وخطيبا مصقعا، وشيخا مسندا، وفقدنا نحن أستاذًا عزيزًا تنسمنا نسيم العلم في جوه، ومعلما مربيا تغذت أرواحنا بأفاويق المعرفة من فيضه؛ إذ نعى الشرق والغرب الدكتور سعيد الرحمن الأعظمي الندوي، ذا النفس الكبيرة، والهمة العالية، والإرادة الحازمة، نعى الناعون رجل الأدب العربي، وأمير الخطابة والكتابة، يجمع بين جزالة الكلمات، ودقة المعاني، وموسيقى الأصوات، يقتنص أوابد اللغة، وشوارد البيان، فيجعلها ذللا، يقرب البعيد، ويؤنس الغريب.
توفي عن عمر ناهز ثلاثة وتسعين عامًا، قضى نحو سبعين عامًا منها في خدمة ندوة العلماء مدرسًا، وإمامًا وخطيبًا، ومربيًا ومشاركًا في أعمالها العلمية والإدارية، وخادمًا للغة العربية وآدابها، وما رحيله خفيفًا، ولا فقده فقدا عابرًا في تاريخ هذا الصرح التعليمي، بل هو من رجالاته الذين امتد حضورهم في العلم والتدريس والخطابة والتربية حتى غدا جزءًا من ذاكرته.
هو سعيد الرحمن الأعظمي الندوي بن الشيخ أيوب، بن الشيخ محمد صابر، بن الشيخ محمد أحمد، بن الشيخ محمد جيوه، من أهالي قرية بختاور كنج بمدينة مئو. ونشأ في بيت علم؛ فأبوه الشيخ أيوب الأعظمي من كبار العلماء، تخرج في دار العلوم ديوبند سنة 1338هـ، وكان من تلامذة العلامة أنور شاه الكشميري، ثم درّس في مفتاح العلوم بمئو، وعمل شيخًا للحديث في مدرسة تعليم الدين بدابيل. وقد كان لي شرف زيارته، فرأيت فيه صورة ذلك الجيل من العلماء الذين كانوا يحملون العلم أمانة ورسالة، ويؤدونه لله لا للدنيا.
ولد الشيخ سعيد الرحمن في 14 مايو 1934م، وأخذ عن أبيه في مفتاح العلوم بمئو مشكاة المصابيح وصحيح مسلم والهداية ومختصر المعاني. ثم قرأ الكتب الستة على المحدث الكبير الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، ونال منه الإجازة، وأخذ عن الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي إجازة في المسلسلات وغيرها. واتصل بالعلامة تقي الدين الهلالي، فانتفع به في الأدب العربي وصناعة الكتابة، كما استفاد من الإمام أبي الحسن علي الندوي والشيخ عبد الفتاح أبي غدة، رحمهم الله جميعًا. فاجتمع له علم الحديث والفقه والأدب، وكانت العربية عنده علمًا وذوقًا، ولسانًا وفكرًا.
ثم أمضى أكثر عمره في ندوة العلماء، دخلها شابًا، وظل فيها حتى لقي ربه شيخًا من أكابر علمائها. وقضى سبعين عامًا بين فصولها ومنابرها ومكاتبها؛ يدرّس ويكتب، ويؤم ويخطب، ويربي ويدير، ويشهد تعاقب الأجيال، ويرى طلاب الأمس أساتذة اليوم.
وكان العمل عنده سجية لا تكلف فيها. يدخل الفصل في موعده، ولا يخرج حتى يستوفي حق الدرس، ويدخل المسجد قبل الصلاة، ويؤم الناس في وقتها، لا يصرفه عن ذلك حر ولا برد، ولا مطر ولا عاصفة. وكان انتظامه في عمله صورة من صور الوفاء، ودرسًا عمليًا في معنى القيام بحق الرسالة.
وكانت له في العربية منزلة ظاهرة معجبا بآدابها؛ يكتب بسرعة، ويخطب ارتجالًا، وينساب الكلام على لسانه جريانًا قويًا عذبًا، في صوت كأنه الموسيقى، وعلى قلم يضيء النور للحقائق كأنه المصباح المجلو، وكانت عبارته من السهل الممتنع، لا تكلف فيها ولا عجمة، وكان شديد الاحتياط للغة، حريصًا على سلامة اللفظ وصحة التركيب. فإذا خطب انطلقت كلماته في قوة وانفعال تدفق السيل في منحدر الوادي، تهز النفوس هزا وتوقظ الأحاسيس إيقاظا، حتى يشعر السامع أن المعنى قد استقر في القلب قبل أن يصل إلى اللسان.
كان مدرسًا وقورا، نتذكر صوته العميق في درسه، وعباراته الأنيقة، وألفاظه المنتقاة، وإلقاءه المدوي الرتيب، وكان يرى أن الأستاذ لا يعلّم طلابه بالكتاب وحده، وإنما يعلمهم بنفسه أيضًا. فكان يستقبل بعضهم في بيته خارج أوقات الدراسة، ويقرئهم كتب الأدب والفكر، ويصحح لهم النطق والعبارة، ويعوّدهم الكلام بالعربية الفصيحة والكتابة السليمة. وربما اشتد في ذلك، ولكنه كان يشتد غيرة على لغة القرآن ولغة العلم.
وقد كنت ممن أفاد من هذه العناية، وإن لم أحضر مجالسه المنزلية إلا مرة أو مرتين. قرأت عليه "الأدب العربي بين عرض ونقد" للشيخ محمد الرابع الحسني الندوي، ومختارات من شعر حسان بن ثابت، و"ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" للإمام أبي الحسن علي الندوي. ومنه تعلمت شيئًا من صناعة الكتابة، وكيف يختار الكاتب كلمته، ويبني جملته، ويزن عبارته. وكتب لي إجازة عامة في 25 جمادى الأولى 1422هـ.
وكانت صلتي به تمتد إلى مكتب مجلة "البعث الإسلامي" التي تولى رئاسة تحريرها. كنت أزوره هناك، وأقرأ المجلات والصحف العربية، وأستفيد من توجيهاته، وكان يشجعني على الكتابة، فنشر لي عددًا من المقالات والترجمات، وربما عهد إليّ بمراجعة بعض ما لا يراه بالغًا المستوى المطلوب. وكان بذلك يفتح للطالب طريقًا من القراءة إلى الكتابة، ومن التلقي إلى المشاركة.
وكان له إلى جانب ذلك أعمال علمية وأدبية تدل على سعة اطلاعه وعمق بحثه وقوة حجته وحسن عرضه. ولم تكن خصاله متفرقة؛ كان العالم فيه أديبًا، والأديب خطيبًا، والخطيب مربيًا، والمعلم خادمًا لرسالته. وظل في ذلك كله وفيًا لندوة العلماء، وللعربية، ولطلاب العلم.
ثم جاء يومه بعد أكثر من تسعين عامًا من الحياة، وبعد نحو سبعين عامًا من الخدمة. وحين يرحل رجل عاش هذه العقود في خدمة العلم، لا يترك غيابُه فراغًا في مكان واحد؛ إذ يغيب معه صوت ألفته المنابر، ووجه عرفته الفصول، وشيخ اتصلت به أجيال من الطلاب.
وليس في مثل هذه الساعة أبلغ من الدعاء، ولا أصدق من الرجاء في رحمة الله. فقد أدى الشيخ ما عليه، وترك وراءه علمًا وتعليمًا وطلابًا وآثارًا، وهي خير ما يبقى للإنسان بعد رحيله.
رحم الله شيخنا سعيد الرحمن الأعظمي الندوي رحمة واسعة، وجزاه عن العلم واللغة والطلاب والدعوة والأدب، وعن ندوة العلماء خير الجزاء. اللهم اغفر له وارحمه، وأكرم نزله، وارفع درجته في المهديين، واجعل ما قدم من علم وتعليم وكتابة وخدمة في صحائف حسناته، واجمعه بمن أحب من العلماء والصالحين في دار كرامتك.