غياث الإسلام الصديقي الندوي
شهرُ رمضانَ كاد أن ينقضي، ويقلعُ أطنابَ خيمته، ويغادرُ بوجوده النافعِ العامرِ بالخيراتِ والحسنات. إنّه شهرُ الرحمةِ والبركة، يأتي بعد كلِّ أحدَ عشرَ شهرًا لتزكيةِ القلوب، وتهذيبِ السلوك، وتطهيرِ النفس، وضبطِها، وكبحِ جماحِ الأهواء. فيمتنعُ المؤمنون في نهاره عن الأكلِ والشربِ وقضاءِ الشهوات، إضافةً إلى جميع الأعمال القبيحة المنهيّ عنها في الإسلام، ويتمّون صيامهم ابتغاءَ وجهِ الله سبحانه. أمّا ليلُه، فيهتمّون فيه بالقيام بين يدي الربّ المتعال، ويبيتُ كثيرٌ منهم قيامًا وقعودًا وسُجّدًا، مستغفرين، يدعونه خوفًا وطمعًا، ويرجون فضلَه وكرمَه.
وهذا الشهرُ بمثابةِ مدرسةٍ تُربّي المؤمنَ على الإيمانِ والتقوى، وتُعلّمه القيمَ الدينيةَ والإنسانية، وتُحفّزه على تلاوةِ القرآنِ الكريم آناءَ الليلِ وآناءَ النهار، والتحلّي بالصبرِ والمواساةِ ومكارمِ الأخلاق. فيحرصُ الصائمُ على الإكثارِ من الأعمالِ الصالحةِ، ويجتهدُ في اجتنابِ جميعِ الآثام، ولا سيما الكذبَ والنميمةَ، والسِّبابَ والفحشاءَ، فضلًا عن الجورِ والظلمِ والإيذاء.
والآن، هذا الشهرُ الميمونُ على وشكِ الانتهاءِ والوداع، وقد آن الأوانُ لأن يُحاسبَ المؤمنُ نفسَه عمّا كسبه وانتفع به من عطاءاتِ هذا الشهرِ العظيم وثمراته، فتنشأ على المشهد أسئلة:
فهل سيبقى المسلمُ مواظبًا على الصلوات، ولا سيما صلاتي الفجرِ والعشاء، ومنيبًا إلى الله، ذاكرًا له بعد انقضاء شهر رمضان كما كان فيه؟ وهل سيتّقي الله في السرّ والعلن طوال حياته، كما كان يحذر من مفسدات الصوم في هذا الشهر؟ وهل يدوم أثرُ الالتزام بالصيام والصلوات والطاعات، فيبقى راسخًا في قلبه وشعوره، وظاهره وباطنه؟
فطوبى لمن يغتنم نفحاتِ هذا الشهر المبارك، ويستفيد من دروسه، ويشحن إيمانه ليستمرّ على درب الكرامة والسعادة، ويثبت على ذلك حتى يعود عليه هذا الشهر في العام القادم على الأقل.
اقرأ أيضًا: من الحجاب إلى الزيّ الشرطي.. قصة بشرى بانو تُلهم الفتيات المسلمات
اللهم بارك لنا في رمضان، واجعله لنا بدايةَ حياةٍ موفّقةٍ لابتغاء وجهك وفضلك وكرمك، وقدّر لنا بلوغ هذا الشهر الفضيل مرّاتٍ وكرّات، ووفّقنا لاغتنام كل فرصةٍ فيه وكل نفحةٍ من نفحاته، واجعلنا من عبادك الصالحين المغفور لهم. وصلِّ وسلِّم على سيدنا وشفيعنا ورسولنا محمد، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.