أونيكا ماهيشوري/ نيودلهي
تُعرف صائمة رحمن، المعروفة على نطاق واسع باسم "آر جيه صائمة" في عالم الإذاعة بصوتها المميّز وأسلوبها الجذاب العميق، وتُعد من الأصوات الإذاعية العذبة والمريحة.
ولا تقتصر برامجها على الترفيه فحسب، بل تربط المستمعين بالحياة والذكريات والمشاعر. سواء في برنامج "بوراني جينز"، أو "أردو كي باث شالا "، أو فقرة مخصّصة لقصص سعادت حسن مانتو، أو في السهرات الموسيقية المليئة بالأغاني الكلاسيكية، فإن تميّزها يكمن في إحياء ذكريات الماضي، مع إلهام المستمعين في الوقت ذاته برؤى جديدة.
قليل من الناس يعلمون أن صائمة رحمن، عندما عُرض عليها تقديم برنامج "بوراني جينز" من قبل محطة إذاعية خاصة، لم تكن على دراية تُذكر بالأغاني الهندية القديمة؛ إذ لم تكن تعرف سوى أغنيتين: إحداهما كان والدها يرددها –"تو هندو بنے گا نا مسلمان بنے گا، إنسان كي أولاد ہے إنسان بنے گا"- والأخرى كانت والدتها تهمس بها –"تشاندني رات ہے، بيار كي بات ہے".
.jpeg)
ويرجع ذلك إلى أنها كانت تقدّم برنامج "يوف فاني" على إذاعة عموم الهند، حيث كانت تتعرّض في الغالب للموسيقى الغربية، مثل أعمال مايكل جاكسون وإلفيس بريسلي وويتني هيوستن وفرانك سيناترا. ولم تكن تدرك آنذاك أن هذا البرنامج سيمنح حياتها لاحقًا بُعدًا جديدًا. ووُلدت صائمة رحمن، البالغة من العمر 40 عامًا، في نيجيريا، حيث كان والدها، عزير الرحمن، يعمل مدرسًا.
وقالت صائمة رحمن في مقابلة: "عندما كان عمري نحو عام ونصف، عدنا إلى الهند، ونشأت في دلهي. درست في مدرسة غورو هاركريشان العامة، وهي مدرسة سيخية، حيث كنت أنا وإخوتي الطلاب المسلمين الوحيدين فيها. وتعلمت قراءة وكتابة والتحدث بلغة الغورموخي، التي أصبحت لغتي الثالثة. وكنت أحب الغناء، وأصبحت المغنية الرئيسة في الصلوات المدرسية. وكنت أؤدي الشبادات والكيرتان، وشاركت أيضًا في مسابقات الكيرتان في عدد من الغوردوارات".
وبحكم كونهما مسلمين، كانت لدى صائمة رحمن وشقيقها طريقة نطق مختلفة عن بقية الطلاب، الأمر الذي كان يثير أحيانًا طرافة لدى بعض المعلمين، الذين كانوا يخلقون مواقف مرِحة ليجعلاهما يتحدثان.
ومع ذلك، لم تخلُ التجربة من مواقف سلبية؛ إذ سخر منها بعض المعلمين وطرحوا عليها أسئلة غير لائقة، حتى إن أحدهم سألها إن كان المسلمون يعبدون أورنكزيب. وبحكم صغر سنها، عادت يومًا إلى والدتها لتسألها إن كان ذلك صحيحًا.
وفي موقف آخر، أحرجها أحد المعلمين بسبب عيد الأضحى، متسائلًا إن كان المسلمون لا يشعرون بالحرج عند ذبح الحيوانات، وهو ما آلمها بشدة ودفعها إلى البكاء. ولكنها تؤكد أن المحبة التي حظيت بها من معظم المعلمين والطلاب فاقت هذه التجارب السلبية.
وفي الصف العاشر، شاركت صائمة في مناظرة بين المدارس بعنوان "هل يجب أن يكون التعليم الجنسي إلزاميًا؟"، وتحدثت مؤيدةً للفكرة، وهو ما اعتبرته خطوة كبيرة آنذاك. وبينما كانت تنافس طلابًا من أبرز مدارس دلهي، فازت بالمركز الأول، لتدرك حينها مدى حبها للخطابة وأهمية إتقان اللغة والتعبير.
ومنذ أيام الدراسة، كان شغفها بالموسيقى واضحًا، إذ دفعها إلى الإبداع. ومن النطق واللباقة إلى الحيوية والإيقاع الموسيقي في صوتها، يلامس صوتُ صائمة رحمن وجدان المستمعين.
وكانت عائلة صائمة رحمن تستمع كثيرًا إلى البرامج الإذاعية، ومع نشأتها في هذا الجو، راحت تتخيّل نفسها مذيعة أخبار. وقد سحرتها فكرة أن تنطق الأصوات الإذاعية المختلفة العبارة نفسها بأساليب متباينة، مثل: "هنا إذاعة عموم الهند… يقرأ النشرة…" مع تغيّر الاسم في كل مرة، وهو ما أشعل لديها اهتمامًا عميقًا بالإذاعة وقراءة الأخبار.
_(1).jpeg)
وبدأت تتدرّب في المنزل بقراءة الصحف بصوت مرتفع لتصحيح مخارج الحروف وتحسين وضوح النطق. وكانت تجلس في غرفة الجلوس وتتدرّب كما لو كانت مذيعة أخبار، مستهلةً بعبارة: "هنا إذاعة عموم الهند… تقرأ النشرة صائمة رحمن".
ثم كانت تقرأ عناوين الصحف لتطوير مهاراتها، ومع كل جلسة تدريب في "استوديوها الإذاعي المتخيَّل"، اكتشفت قوة الكلمات وتعلّمت التحكم في الصوت.
وجاءتها أول فرصة في الصف الثاني عشر، عندما أُتيحت لها فرصة العمل في برنامج "يوف فاني" على إذاعة عموم الهند، وهو ما شكّل أول خطوة لها في عالم الإذاعة. وخلال عملها هناك، صقلت مهاراتها وأصبحت مذيعة أخبار باللغة الإنجليزية.
وأكملت صائمة رحمن شهادة البكالوريوس في علم الاجتماع من كلية ميرندا هاوس التابعة لجامعة دلهي، ثم حصلت على درجة الماجستير ودرجة الماجستير في الفلسفة، في العمل الاجتماعي. كما عملت لفترة قصيرة في التدريس إلى جانب عملها الجزئي في تقديم البرامج الإذاعية، إلا أن هذه المرحلة لم تستمر سوى نحو ستة أشهر، وهي الفترة التي بدأ فيها برنامجها "بوراني جينز" يحقّق شهرة واسعة. وقد حظي البرنامج بإقبال كبير من المستمعين، ونالت بسببه جائزة أفضل مذيعة إذاعية على المستوى الوطني.
وقرّرت بعدها أن تتبع شغفها كمقدمة برامج إذاعية، فتركت مهنة التدريس. وقد منحها "بوراني جينز" هوية مميزة في عالم الإذاعة، حيث تمحور البرنامج حول الأغاني والذكريات من العصر الذهبي لسينما بوليوود.
وكانت تستهل برنامجها بعبارة: "إذا كنتم أيضًا من عشاق العصر الذهبي لبوليوود مثلي، فأهلًا بكم في برنامجنا "بوراني جينز"، بصوتها الآسر الذي كان ينقل المستمعين إلى عالم آخر. وقد أسهم أسلوبها في التقديم، وشاعريتها، وسردها الحنيني في جعل البرنامج يحظى بشعبية كبيرة.
وإلى جانب عملها كمذيعة إذاعية، تُعرف صائمة رحمن أيضًا بطرح آرائها حول القضايا الاجتماعية، إذ توظّف مكانتها المهنية وشهرتها لرفع الوعي والتعبير بصراحة عن القضايا المجتمعية المهمة.

وترتبط علاقتها باللغة والأدب بعمق واضح، فقد كانت دائمًا شغوفة بجمال اللغة ودقة النطق، وهو ما دفعها إلى إطلاق برنامج "مدرسة الأردية"، الذي تسعى من خلاله إلى تقريب آلاف المستمعين من اللغة الأردية وإبراز ثرائها الأدبي. وفي هذا البرنامج، تشرح معاني الكلمات الأردية وتعرّف الجمهور بعمقها الثقافي.
اقرأ أيضًا: سيما مصطفى.. خمسة عقود من الصحافة الجريئة وصوت النساء
وفي عام 2020م، كُرّمت صائمة بجائزة غانيش شانكار فيديارثي للصحافة القائمة على القيم، تقديرًا لجهودها في تعزيز الانسجام والحوار الإيجابي في المجتمع. كما حصلت في وقت سابق على جائزة رابا لأفضل مذيعة إذاعية. وإلى جانب "بوراني جينز"، حقّق برنامجها "هَرْ مرض كي دوا" (دواء لكل داء) نجاحًا كبيرًا، ما أسهم في توسيع قاعدة جمهورها.
ولا تزال صائمة رحمن حتى اليوم نشطة على إذاعة إف إم، وتبقى على تواصل مع مستمعيها بروح الصداقة والقرب. وبالنسبة إلى كثيرين، لم يعد صوتها مجرد برنامج، بل هو إحساس حيّ؛ صوت يواصل نسج الذكريات والشعر والموسيقى وتجارب الحياة في وجدان جمهورها.