أحمد حسين
عندما بدأتُ أفهم معنى شهر رمضان وأشعر بروحانيته، لم يكن مجردَ شهرٍ في التقويم، بل كان حالةً كاملةً من السكون والراحة في القلب، كأن الزمن نفسه يتباطأ احترامًا لقدسيته. وكان يأتي غالبًا في فصل الشتاء، في ليالي يناير القارس، فتطول الساعات حتى تبدو وكأنها لا تنتهي، ومع ذلك، كانت لتلك الليالي الطويلة نكهةٌ لا تُنسى.
وكان الاستيقاظُ للسحور مغامرةً صغيرةً تتكرر كل ليلة؛ نسمع همساتِ أمهاتنا في المطبخ، يتحرّكن بخفّةٍ وحنان، يُعدِدن الطعام وكأنهنّ يؤدين عبادةً صامتة. لم يكن الأمر سهلًا عليهنّ، لكنّهنّ كنّ يقمن به بمحبةٍ خالصة، دون شكوى، وكأن تعبهنّ جزءٌ من بركة هذا الشهر الكريم.
وفي تلك الأيام، كانت الحياةُ بسيطةً ونقيّة؛ لم تكن الشاشات تسرق أعيننا، ولا الإشعارات تقطع خلواتنا. كان الليل يُعاش كما هو: صلاةً، وذكرًا، وطمأنينةً. وكانت المجالس عامرةً بالقرآن، والقلوب أقرب إلى الله، والوجوه يكسوها صفاءٌ خاص لا يتكرر.
وكان من جمال تلك الأيام وتوازنها أن الناس لم يكونوا يسهرون الليل كلَّه كما يحدث عند بعضنا اليوم. فبعد صلاة العشاء والتراويح، كانوا يعودون إلى بيوتهم فينامون مبكرًا، فيأخذون قسطًا وافرًا من الراحة، ثم يستيقظون في آخر الليل للتهجّد بخشوعٍ وهدوء. وكان لليل نظامٌ جميلٌ ومتوازن؛ نومٌ كافٍ يُعينهم على النشاط في النهار، وعبادةٌ صادقة تمنح حياتهم معنىً وراحةً نفسية. لم يكونوا يقلبون الليل نهارًا والنهار ليلًا، فلا يسهرون حتى الفجر ثم ينامون طوال اليوم، بل كانوا يحافظون على توازن حياتهم، فينطلقون بعد ذلك إلى أعمالهم وأشغالهم اليومية كالمعتاد، وكأن رمضان يضيف إلى حياتهم بركةً لا فوضى، ونظامًا لا اضطرابًا.
وأمّا الطعام، فكان بسيطًا كالحياة نفسها، فلم تكن الموائد مزدحمة، ولا الأطباق متكلّفة؛ كان الإفطار يبدأ غالبًا بالتمر والماء، ثم ما تيسّر من طعام البيت. ولم يكن أحدٌ يفكّر في التنوّع بقدر ما كان يفكّر في البركة؛ كانت العائلات تكتفي بطعامٍ بسيطٍ يشبه بقية أيام السنة، وربما أضافوا بعض الأطباق القليلة. ولكنّ التركيز الحقيقي كان على العبادة: ذكر الله، وتلاوة القرآن، والدعاء، حيث تمتلئ القلوب بالسكينة، وتسمو النفوس عن زخارف الدنيا.
وكان للعلم نصيبٌ وافرٌ من رمضان؛ إذ كانت المساجد تمتلئ بحلقاتٍ صغيرة: هذا يتعلّم القراءة، وذاك يسأل عن حكمٍ شرعي، وآخر يستمع. وكان الناس يقصدون العلماء ليسألوا عن أمور دينهم، ويطرحوا تساؤلاتهم طلبًا للفهم والتبصّر. فترى رجلًا كبيرًا يتتبّع المصحف بإصبعه، وشابًا يجلس إلى جواره يصحّح له، وطفلًا يحاول القراءة لأول مرة. ولم يكن هناك خجلٌ من التعلّم، بل كان في ذلك فخرٌ خفيّ، وشعورٌ عميق بأن طريق المعرفة عبادةٌ أخرى تُقرّب إلى الله.
وكان الناس يحرصون على حساب زكاة أموالهم وإخراجها للفقراء والمحتاجين، ابتغاءً للبركة وتطهيرًا للرزق، في أجواءٍ يسودها التكافل والرحمة. وكانت لحظات العطاء تحمل معنىً عميقًا من الرحمة والتكافل؛ حيث يشعر الغنيّ بمسؤوليته، ويجد الفقير فيها عزّةً وسندًا، فيكتمل بذلك جمال رمضان.
وفي رمضان، كانت تظهر وجوهٌ جديدة في المسجد؛ فكثيرٌ من الناس الذين لا نراهم في بقية العام كانوا يأتون للصلاة فيه، مما يضفي على المسجد حياةً ونشاطًا، ويبعث في النفوس شعورًا خاصًا بالألفة والطمأنينة.
ولم تكن هناك زينةٌ كثيرة، ولا أضواءٌ في الشوارع، ولا مظاهرُ احتفالٍ صاخبة. ومع ذلك، كان في أجواء رمضان شيءٌ بالغ الجمال: سكينةٌ عميقة، وهدوءٌ يلامس القلوب. وكان جماله يكمن في بساطته، وفي ذلك الصفاء الذي يملأ النفوس دون تكلف، حيث يشعر الإنسان بالقرب من الله أكثر من أي وقتٍ آخر.
وأمّا نحن، كأطفالٍ وطلاب، فكان رمضان أيضًا وقتًا ممتعًا؛ إذ كانت المدارس في عطلة، فكنا نعيش رمضان بطريقتنا الخاصة. نركض في الحقول، ونلعب حتى يقترب المغرب، ثم ننتظر الأذان بلهفةٍ لا توصف. وكنا نقضي أوقاتًا طويلة في المسجد؛ وأحيانًا لم نكن نجلس فيه للعبادة فقط، بل لأن أجواءه في رمضان كانت مختلفةً ومميّزة، تملؤها الألفة والسكينة. وكنا ننتظر يوم العيد بفارغ الصبر، نحلم بفرحته قبل أن يأتي.
ولكن، مع مرور الوقت، تغيّرت أشياءُ كثيرة.
فاليوم تبدأ أجواء رمضان قبل قدومه بوقتٍ طويل؛ فالأضواء تسبق الهلال، والأسواق تمتلئ قبل أن تُرفع أول تكبيرة. وأصبحت الزينة جزءًا أساسيًا من المشهد، وصار الليل أكثر صخبًا من النهار. وأصبحت موائد الإفطار أوسعَ وأكثرَ غنىً، وأحيانًا… أثقل. ولا شكّ أنّ فيها خيرًا كثيرًا، خاصةً حين تُقام بنيّة العطاء، غير أنّ بعضها تحوّل إلى عادةٍ اجتماعية أكثر منه عبادة. وكأنّ التركيز قد انتقل، في هدوء، من الداخل إلى الخارج.
وأصبحت وسائلُ التواصل الاجتماعي ساحةً رمضانيةً موازية: صورٌ، ومقاطع، ووصفات، وتصاميم… كلُّ شيءٍ حاضر، إلّا تلك اللحظات الصامتة التي كانت تملأ القلب دون أن تُنشر. وأصبح السهرُ عادةً، وتأخّر النوم، وتغيّر إيقاعُ النهار. كما تراجعت بعضُ المجالس العلمية حضورًا، واختفت تفاصيلُ صغيرة كانت تصنع روح رمضان.
ومن الصعب أن نحدّد بدقّة ما الذي تغيّر، أو متى بدأ هذا التحوّل. وربما كان من الطبيعي أن تتبدّل الحياة مع مرور الزمن. ومع ذلك، يشعر كثيرٌ من الناس بأنّ شيئًا مميّزًا في أجواء رمضان القديمة قد أصبح أقلَّ حضورًا اليوم.
اقرأ أيضًا: الأجواء الرمضانية في ولاية آسام: ذاكرة التقاليد وروح التضامن في زمن التحولات
ولقد أصبحت الحياةُ أسرع، وكلُّ شيءٍ فيها يمضي بسرعة… حتى رمضان.
ولعلّ السؤال الذي يبقى في القلب: هل فقد رمضان شيئًا؟ أم أنّنا نحن الذين ابتعدنا عن روحه؟
ويبقى رمضان كما هو: بابًا مفتوحًا، ونورًا ممتدًا، وفرصةً تتكرّر. ولكنّ من يشعر به حقًّا هو من يُهدِّئ ضجيجَ العالم من حوله، ويعود إلى تلك البساطة الأولى… حيث كانت لقمةٌ صغيرة تكفي، وركعةٌ طويلة تُغني، ودمعةٌ صادقة تغيّر كلّ شيء.
ونسأل الله ألّا يجعل رمضان مجرّد عادةٍ نعيشها، بل عبادةً نحيا بها، وأن يتقبّل صيامنا وقيامنا، وأن يعيد إلينا روحَ رمضان الحقيقية.