مسجد المدينة في جايبور: من غرفة صغيرة إلى صرح معماري عالمي

11-04-2026  آخر تحديث   | 10-04-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
مسجد المدينة في جايبور
مسجد المدينة في جايبور

 


فرحان إسرائيلي/ جايبور

تُعرف المدينة الوردية في راجستان بتراثها التاريخي الذي جعلها مشهورة في جميع أنحاء العالم. ولكن في أحد أركان هذه المدينة، كُتبت صفحة جديدة من العمارة الحديثة. فعند المرور عبر الأزقة الضيقة في منطقة شاستري نغر بمدينة جايبور، وتحديدًا في ناهري كا ناكا، يظهر فجأة قُبّة شاهقة لامعة. إنها مسجد المدينة. ولم يعد هذا المسجد اليوم مجرد مكان للعبادة، بل أصبح مركزًا مضيئًا للفكر والتعليم الحديثين. وخلال السنوات الـ53 الماضية، قطع هذا المسجد رحلة طويلة؛ إذ بدأ من غرفة طينية صغيرة، ليصل اليوم إلى مبنى فاخر مكوّن من خمسة طوابق.

وإن قصة مسجد المدينة هي في الواقع قصة عزيمة سكان ذلك الحي البسطاء. قبل نحو خمسة عقود، كانت الكثافة السكانية في هذه المنطقة قليلة جدًا، وكانت تُعرف في الغالب كمنطقة عشوائية ذات بيوت بدائية. وفي ذلك الوقت، قام السكان بجمع مدّخراتهم البسيطة ووضعوا أساس مكان صغير للعبادة.

وفي تلك المرحلة، كان المسجد صغيرًا جدًا بحيث لا يتسع لأكثر من خمسين شخصًا لأداء الصلاة في وقت واحد. ومع مرور الزمن وزيادة عدد السكان، ازدادت الحاجة إلى توسيع المسجد. فقام أهالي الحي تدريجيًا بشراء الأراضي المجاورة، وبفضل جهودهم المشتركة توسّعت مساحة المسجد لتصل إلى نحو 480 ياردة مربعة.

d

ويقول نائب رئيس المسجد، حاجي سعيد أحمد خان، إن عام 2020م شكّل نقطة تحوّل كبيرة في تاريخ المسجد. ففي ذلك الوقت، كان العالم يواجه جائحة كورونا والإغلاق العام، وظل المسجد مغلقًا لمدة تقارب ثلاثة أشهر. وخلال هذه الفترة من الهدوء، وعند فحص المبنى بدقة، ظهرت حقائق مدهشة.

وكانت الأعمدة القديمة للمسجد والعوارض السفلية قد تعرّضت لتشققات عميقة، مما أدّى إلى ضعف البنية الداخلية للمبنى. وعلى إثر ذلك، اتخذت لجنة المسجد قرارًا كبيرًا وجريئًا يقضي بإزالة المبنى القديم بالكامل وإعادة بنائه من جديد. وكان الهدف واضحًا: إنشاء مكان قوي وآمن يخدم الأجيال القادمة.

f

وبعد ذلك، تم اللجوء إلى العمارة الحديثة والتقنيات المتطورة، حيث جرى إعداد تصميم معماري يجمع بين المتانة والجمال الفريد. وبعد نحو خمس سنوات من العمل الدؤوب وتعاون سكان الحي، أصبح المسجد اليوم مكتملاً. وعند رؤية المبنى الجديد، يشعر المرء وكأنه لا يقف في جايبور، بل في أحد أحياء دبي أو تركيا.

وتعكس بنية المسجد طابعًا عالميًا واضحًا. ويذكر أحد السكان المحليين، المقرئ محمد إسحاق، أن التصميم الداخلي للمسجد مستوحى من مسجد جميرا في دبي، بينما يذكّر قبته الرئيسة بالجامع الأزرق التاريخي في تركيا.

f

ويبلغ ارتفاع المسجد نحو 95 قدمًا، وقد صُمّم بطريقة تضمن توفير قدرٍ كافٍ من الضوء الطبيعي والتهوية. وخلال النهار، لا تكاد تكون هناك حاجة لاستخدام الإضاءة الكهربائية. كما أن نظام التهوية ممتاز لدرجة أن المصلّين لا يشعرون بالاختناق حتى في أوقات الازدحام.

واليوم، يمكن أن يقوم نحو 2500 مصلٍّ بأداء الصلاة في مسجد المدينة في وقت واحد، بينما يوفّر الطابق السفلي مساحة تتسع لحوالي 600 شخص. وقد رُوعي توفير مختلف الخدمات داخل المسجد؛ حيث تم الفصل بشكل منظم بين أماكن الوضوء ومناطق الصلاة.

g

ولضمان توفير المياه، تم إنشاء خزان كبير بسعة 16 ألف لتر. وأما من الناحية الأمنية، فالمبنى بالكامل مزوّد بكاميرات مراقبة. كما تم تركيب مصعد لتسهيل الحركة على كبار السن. وفي المستقبل، يُخطط لإضافة تقنيات حديثة مثل الطاقة الشمسية وأنظمة حصاد مياه الأمطار.

ولا يقتصر دور مسجد المدينة على أداء الصلاة فقط، بل يضم أيضًا في ساحته "مدرسة معين الإسلام"، وهي مدرسة مسجّلة لدى مجلس مدارس راجستان. وقد بدأ التعليم فيها بشكل منتظم منذ عام 2004م، ويبلغ عدد الطلاب فيها اليوم ما بين 700 و800 طالب.

وأكثر ما يبعث على السرور أن عدد الطالبات هنا يفوق عدد الطلاب الذكور. ففي كل عام، تُكمل ما بين 30 إلى 40 فتاة دراسة دورة "عالِمة"، وقد تخرّج في هذا المعهد حتى الآن عشرات الحفّاظ والعالمات. ويضمّ المعهد 21 معلّمًا يقدّمون للطلاب تعليمًا دينيًا ودنيويًا معًا.

f

ومن أبرز مميزات إدارة المعهد أنه قائم على نظام الاكتفاء الذاتي؛ إذ لا يتم استخدام أموال الزكاة أو التبرعات في تغطية نفقاته. بل تُموَّل رواتب المعلمين وبقية المصاريف من رسوم الطلاب وإدارة اللجنة. وأما المسجد، فتشرف عليه لجنة نشطة مكوّنة من 11 عضوًا، يرأسها الحاج رمضان قريشي، حيث تعمل هذه اللجنة بشكل متواصل من أجل تطويره.

اقرأ أيضًا: إخوة هندوس في راجستان يتبرّعون بأرض لإنشاء مُصلّى العيد

وتُظهر هذه المسيرة الممتدة لنصف قرن أنه عندما تكون النوايا صادقة ويقف المجتمع متكاتفًا، يمكن تحقيق أي حلم. واليوم، أصبح مسجد المدينة رمزًا دينيًا وتعليميًا بارزًا في منطقة ناهري كا ناكا.وهذا يُعدّ مثالًا حيًا لأولئك الذين يعتقدون بأن التقاليد القديمة لا يمكن أن تسير جنبًا إلى جنب مع الحداثة. فهنا، لا تقتصر الرسالة على العبادة فحسب، بل تمتد إلى تربية الأجيال القادمة ليكونوا أفضل إنسانًا.

قصص مقترحة