البودكاست "دين ودنيا" يفتح نقاشًا عميقًا حول الهوية والمواطنة لدى مسلمي الهند

20-01-2026  آخر تحديث   | 19-01-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
البودكاست
البودكاست "دين ودنيا"

 


آواز دي وايس/نيودلهي

أُطلقت الحلقة الأولى من سلسلة البودكاست الجديدة لموقع "آواز دي وايس" بعنوان "دين ودنيا" الأسبوع الماضي. وقد برز البرنامج بوصفه محاولة جادة لفهم الفجوة المتصوَّرة بين الدين (الإيمان) والدنيا (المجتمع والحياة المدنية) داخل المجتمع المسلم في الهند، والعمل على ردمها. وقد أسهم الوضوح والتوازن والعمق الفكري الذي اتسمت به الحلقة الأولى في ترسيخ مكانة البودكاست منذ بدايته منصةً ذات مغزى للحوار الرصين والمتأني.

ولقد استضافت الحلقة الافتتاحية نجيب جنغ، نائب حاكم دلهي السابق، شيخ الجامعة الملية الإسلامية السابق، الموظف السابق في الخدمة الإدارية الهندية، الذي تحدث بصراحة عن قضايا محورية تتعلق بمسلمي الهند، والديمقراطية، والتعليم، والدستور.

وتمحور النقاش في جوهره حول وضع المجتمع المسلم في الهند وفكرة "التيار السائد". وقد طعن نجيب جنغ في الأساس الذي يقوم عليه هذا الجدل، مؤكدًا أن مسلمي الهند لم يكونوا يومًا خارج التيار السائد. وقال في هذا السياق: "أولاً، من المهم أن نفهم ما الذي يعنيه هذا "التيار السائد" في الواقع".

"متى كنّا خارج هذا التيار أصلاً؟ أنا مواطن هندي، وكنت دائمًا جزءًا من التيار السائد". وقال إن اعتبار أي جماعة في حضارة عريقة وتعددية مثل الهند جماعةً "خارجية" هو في حدّ ذاته تصورٌ معيب.

ووصف ذلك بأنه مفارقة كبرى ومأساة حقيقية، إذ إن الأقليات في شبه القارة الهندية لا تُمنَح حقوقها المستحقة، وتواجه أشكالاً من التمييز. ويرى نجيب جنغ أن على المجتمع المسلم في الهند أن يتجاوز التصورات الخاطئة المحيطة بهويته الذاتية، مؤكدًا أنه على المسلمين أن يدركوا أن هويتهم ليست منفصلة عن هوية الوطن. وقال إن تقبّل الذات واحترامها هما ما يمنح أي مجتمع القوة اللازمة للمضي قدمًا.

وتحدثًا عن الشباب المسلمين، قال إن شباب المسلمين اليوم لا ينبغي لهم أن يعيشوا بعقدة نقص. وأضاف: "إذا كان الشاب المسلم اليوم يرى نفسه أدنى من غيره، فذلك قصور منه هو، وليس ذنب الآخرين". ووفقًاً له، إذا جرى التشكيك في وطنيّة الفرد أو النظر إليه بعين الريبة، فينبغي أن يكون الرد عبر الثقة بالنفس، والعمل الجاد، وحُسن السلوك، لا عبر الشكوى أو الإحساس بالدونية.

كما تطرّق النقاش إلى مسألة الانتهاكات التي تتعرض لها الأقليات في باكستان وبنغلاديش. وفي هذا السياق، قدّم نجيب جنغ موقفًا متّزنًا مؤكدًا أنه من غير المنطقي على الإطلاق توقّع أن يجيب مسلمو الهند عمّا يحدث في الدول المجاورة. وقال: "لا يفرض أي مجتمع ناضج وعاقل مثل هذه المطالب". وأوضح أن وقوع ظلم أو اضطهاد في أي مكان داخل الهند يجعل من رفع الصوت ضده مسؤولية المجتمع بأسره، لا مسؤولية جماعة بعينها.

وعن الديمقراطية الهندية وطابعها العلماني، شدّد نجيب جنغ على أن مبدأ "الأخوّة" الوارد في ديباجة الدستور يُعدّ العنصر الأكثر أهمية ومحورية.

وقال إن "الأخوّة" أكثر أهمية حتى من العلمانية، لأنها العنصر الذي يربط المجتمع بعضه ببعض، مضيفًا "الأخوّة تعني أن نمضي قدمًا معًا، وهي روح دستورنا". ووفقًا له، فإن نضال الهند من أجل الحرية كان ثمرة جهد جماعي، وإن الحقوق المكرّسة في الدستور متساوية لجميع المواطنين، بغضّ النظر عن الدين أو الطبقة أو الخلفية الاجتماعية.

وفي ما يتعلق بقضية التعليم، بدت رؤية نجيب جنغ واهتمامه واسعة وعميقة في آن واحد، مؤكدًا أن التعليم لا ينبغي أن يقتصر على الشهادات أو المهارات التقنية فقط. ومع إبدائه القلق إزاء التغييرات التي طرأت على كتب التاريخ المدرسية، حذّر من أن التاريخ غير الدقيق قد يضلّل تفكير الأطفال ويُسهم في تشكيل شخصياتهم على نحو خاطئ، مشددًا على أن التعليم يجب أن يهدف إلى تنمية القدرة على التفكير والاستدلال، مشيرًا إلى الدور الحيوي الذي تؤديه مواد مثل التاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع في هذا المجال.

وفي إشارته على وجه الخصوص إلى المجتمع المسلم، وصف تنامي الوعي بأهمية التعليم بأنه مؤشر إيجابي. وقال إن المجتمع اليوم أصبح أكثر إدراكًا واهتمامًا بتعليم أبنائه مما كان عليه في السابق، سواء في المدارس الحكومية أو المؤسسات الخاصة أو المدارس الدينية. وأضاف أن التحولات الجارية حتى في المناطق الريفية تبعث على الأمل في المستقبل.

وعند مناقشة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، لاحظ نجيب جنغ أن تغيرًا بطيئًا لكنه ملموس يشهدُه المجتمع المسلم. وأشار إلى أن عددًا كبيرًا من الشباب المسلمين يتجهون اليوم إلى مجالات الطب والهندسة وغيرها من التخصصات المهنية. ومع إقراره بأن الصعوبات الاقتصادية ما تزال تشكل عائقًا كبيرًا، أكد أن الرغبة في التقدم باتت واضحة وجليّة داخل المجتمع.

اقرأ أيضًا: صناعة السفن الخشبية في قطر.. جذور بحرية تمتد إلى الهند

وفي ختام البرنامج، وجّه نجيب جنغ رسالة إيجابية وملهمة، مؤكدًا أن على المسلمين أن يتعلّموا الاعتماد على أنفسهم، وهي مسيرة بدأت بالفعل خلال العقدين الماضيين أو ما يقارب ذلك. فمن المشاريع الصغيرة إلى التعليم العالي، يسعى المجتمع إلى شقّ طريقه وترسيخ مكانته. وشدّد على أنه ما لم يحقّق أي مجتمع تمكينًا اقتصاديًا واجتماعيًا حقيقيًا، فلن يكون قادرًا على المطالبة بحقوقه المتساوية بقوة وثبات.