أول فيلم وثائقي عن جماعة "قائم خاني": قصة فخر تنبض من راجستان

17-01-2026  آخر تحديث   | 17-01-2026 نشر في   |  أحمد      بواسطة | آواز دي وايس 
أول فيلم وثائقي عن جماعة
أول فيلم وثائقي عن جماعة "قائم خاني": قصة فخر تنبض من راجستان

 


نيودلهي

يؤكد أحد قدامى المحاربين في الجيش الهندي أنه "لم يُعرف عن أي فرد من أبناء جماعة "قائم خاني" أنه أُصيب برصاص في ظهره"، في إشارة رمزية إلى تاريخ طويل من الشجاعة والانضباط والوفاء للخدمة العسكرية. ويضيف أن كثيرين من أبناء هذه الجماعة كرّسوا حياتهم للزي العسكري، وتحلّوا بقيم الانضباط والخدمة الصادقة للوطن.

ويوثّق الفيلم الوثائقي "قائم خاني بريف هارتس" سيرة جماعة "قائم خاني"، وهي جماعة مسلمة من ولاية راجستان، تشكّلت هويتها حول قيم الخدمة والانضباط والتضحية. فالالتحاق بالجيش أو الشرطة لا يُعدّ لديهم مجرد خيار مهني، بل امتدادًا طبيعيًا لإرث اجتماعي راسخ يرى في خدمة الوطن واجبًا أخلاقيًا ومصدر اعتزاز. ويبرز الفيلم كيف تحوّلت الوطنية في هذه الجماعة من شعارات تُرفع في المناسبات إلى ممارسة يومية متجذّرة، تتوارثها الأجيال، وتتجسّد في دفاع أبنائه عن حدود البلاد، ومواجهتهم المباشرة للعدو، ونظرتهم إلى الاستشهاد بوصفه أسمى درجات الشرف والتفاني الوطني.

ويكفي المشهد الأول من الفيلم الوثائقي، وهو إعلان تشويقي لا يتجاوز 33 ثانية، ليترك أثرًا قويًا في نفوس المشاهدين. إذ يوحي بأن الفيلم لن يكون مجرد سرد للوقائع، بل تجربة مؤثرة مليئة بالمشاعر والتضحية وروح الوطنية. فمشاهدته لا تبعث على الفخر فحسب، بل تذكّر أيضًا بأن الدفاع عن الوطن يقوم على الواجب وحده، بعيدًا عن أي اعتبارات أخرى.

ويزخر تاريخ جماعة "قائم خاني" بروح الشجاعة والانضباط والالتزام بخدمة الوطن، إذ ترتبط معظم أسرها بالقوات المسلحة بصورة أو بأخرى. ويغلب على طموحات شبابها السعي إلى خدمة البلاد عبر الالتحاق بالجيش الهندي أو القوات شبه العسكرية أو الشرطة، قبل التفكير في عالم الأعمال أو المناصب الحكومية العليا.

ويوضح مانجيت ثاكور، مخرج وكاتب سيناريو الفيلم الوثائقي، أن أبناء الجماعة حصلوا حتى اليوم على أربع ميداليات "شوريا تشاكرا"، 18 ميدالية "سينا"، وخمس ميداليات "فيشيشت سيفا". وهي إنجازات قد تكون مصدر فخر لأي جماعة، لكنها لا تعبّر، لديهم، عن الشرف فحسب، بل ترمز أيضًا إلى إحساس عميق بالمسؤولية. فعندما يتعلق الأمر بالتضحية، لم تتأخر هذه الجماعة يومًا عن أداء واجبه.

ففي قرية داندوري، المعروفة اليوم بـقرية الجنود، استشهد 18 من أبناء الجماعة دفاعًا عن الوطن، بينما قدّمت قريتا جهاجوت ونُوا، عشرة شهداء لكل منهما. وهذه الأرقام لا تختصرها لغة الإحصاءات، بل تحكي قصص أمهاتٍ صابرات، وأسرٍ فخورة، وتضحياتٍ صنعت تاريخًا من الوفاء للوطن.

ويعرض الفيلم الوثائقي قصص الشهداء بأسلوب إنساني مؤثّر، حيث تتكامل الصورة والمونتاج والعناصر البصرية لخلق ارتباط عاطفي مباشر مع المشاهد. ويظهر الجهد البحثي والصدق في العمل بوضوح في كل مشهد، ما يمنح الفيلم قوة ومصداقية.

وقد سبق إنتاج الفيلم عملٌ بحثي واسع أنجزه فريق "آواز دي وايس، بقيادة رئيس التحرير عاطر خان، شمل دراسة التاريخ وفهم الواقع الميداني. وصُوّر الوثائقي على مدى عدة أيام في قرى مختلفة بولاية راجستان، وامتدت ساعات التصوير إلى وقت متأخر من الليل، بهدف نقل الحياة اليومية لأبناء هذه الجماعة ، وتحدياتهم، ومشاعر الفخر التي يحملونها.

كما يكشف الفيلم عن حقائق لافتة وغير متوقعة؛ من بينها أن المسلمين من جماعة "قائم خاني" يعتبرون الأبقار أثمن ما يملكون، ولا يمكنهم تصوّر إيذائها. وهي حقيقة تُسهم في تفكيك الصور النمطية التي تتشكّل في المجتمع أحيانًا دون معرفة كافية أو فهم عميق.

ويروي مانجيت ثاكور أن فريق العمل، عند وصوله إلى قرى جماعة "قائم خاني"، حظي باستقبال دافئ يملؤه الفخر والود. ولم يقتصر الترحيب على الحفاوة فقط، بل بادر الأهالي إلى مشاركة قصصهم ومعاناتهم ومشاعر اعتزازهم بكل صدق، وهو ما شكّل أساسًا إنسانيًا عميقًا أصبح روح الفيلم الوثائقي.

وفيما يتعلّق بهدف الفيلم، أوضح  عاطر خان أن السلبية باتت اليوم العنوان الأبرز في كثير من وسائل الإعلام، في حين تسعى منصة "آواز دي وايس" إلى تقديم نموذج مختلف، من خلال إبراز القصص الإيجابية التي تعكس قيم التعاون والتعايش السلمي، سواء من الهند أو من مختلف أنحاء العالم.

ويرى خان أن ما يوحّد الهنود أعمق من الفواصل الدينية أو الطبقية أو الجغرافية أو اللغوية، إذ تتقاطع بينهم تحديات مشتركة وتطلعات متشابهة نحو مستقبل أفضل، بما يمنحهم القدرة على بناء روابط جامعة تتجاوز الهويات الضيقة. ومن هذا المنطلق، تتبنّى منصة "آواز دي وايس" خطابًا إعلاميًا يركّز على الأفكار التقدمية والإيجابية ومفاهيم بناء الدولة، سواء داخل الهند أو في أوساط الجاليات المسلمة في الخارج.

ويأتي هذا الفيلم الوثائقي بوصفه تجسيدًا عمليًا لهذه الرؤية، إذ يسعى إلى إعادة الاعتبار لمفهوم الوطنية بوصفه قيمة جامعة، وإلى رفع صوت الانتماء الصادق الذي غالبًا ما يهمَّش في خضم الخطابات الإقصائية. كما يقدّم الفيلم قراءة رمزية عميقة تؤكد أن الزي العسكري يتجاوز الانتماءات الدينية، وأن التضحية من أجل الوطن تظل فعلًا وطنيًا خالصًا، لا يُقاس إلا بمعيار الإخلاص والانتماء.

اقرأ أيضًا: تفكيك البنية الراديكالية داخل الجيش الباكستاني

وسيلامس هذا الفيلم الوثائقي وجدان المشاهدين، فيحرّك فيهم عمق التفكير، ويوقظ مشاعر الفخر، ويشجّعهم على الإسهام في خدمة الوطن. فهو لا يروي حكاية عن جماعة "قائم خاني"،  فحسب، بل يجسّد سردية أوسع لهندٍ تتقدّم فيها قيمة الوطن على كل اعتبار آخر.