إيمان سكينة
في كل جيل يواجه الشباب مجموعةً خاصة من التحديات والابتلاءات. ويجد شباب اليوم أنفسهم أمام ضغوط دراسية، وتوقعات اجتماعية، ومشتتات رقمية، وحيرة في الهوية، وصراعات عاطفية قد تبدو طاغية ومُرهِقة. وفي مثل هذا المناخ، أصبحت المرونة النفسية -أي القدرة على الثبات، والأمل، والاتزان في مواجهة الصعوبات- مهارةً حياتية أساسية. غير أن الإسلام قد عمل منذ زمن طويل على ترسيخ هذه الصفة في نفوس المؤمنين من خلال الإيمان، وحُسن الخُلق، والعيش الهادف.
والمرونة في الإسلام لا تعني مجرد "التكيّف" مع الشدائد، بل تعني النموّ من خلالها، واكتشاف معناها، والاقتراب من الله بسببها. فالقرآن الكريم وسِيَر الأنبياء وأصحابهم يقدّمون توجيهًا خالدًا لبناء قوة داخلية تمكّن الشباب من مواجهة عواصف الحياة بكرامة وأمل. ومن أوائل الخطوات نحو اكتساب المرونة تغيير نظرتنا إلى المصاعب. فالقرآن يبيّن بوضوح: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (سورة العنكبوت: 2).
وبالنسبة إلى الشاب المسلم، تحمل هذه الآية رسالة تمكينٍ عميقة. فالمعاناة ليست علامة فشلٍ أو تخلٍّ، بل هي جزء من مسيرة الإيمان. فالاختبارات الدراسية، وخيبات الأمل، وضغوط الأقران، والانتكاسات العاطفية ليست أعباءً عبثية لا معنى لها، بل هي فرص للنمو في الصبر، والتوكل، والنضج.
وحين يُدرك الشباب أن الابتلاءات متوقَّعة وذات حكمة، يتوقفون عن رؤية الصعوبات كعدو، ويبدؤون في رؤيتها كمعلم. وترتبط المرونة ارتباطًا وثيقًا بالقوة الروحية؛ فالقلب المتصل بالله لا ينكسر بسهولة، لأنه يعرف إلى أين يلجأ طلبًا للسكينة والراحة.
وإن المواظبة على الصلاة، وتلاوة القرآن، وذكر الله تُنشئ مرساةً روحية ثابتة. فعندما يلتزم الشاب بأداء الصلاة بانتظام، يعتاد التوقّف، والتأمّل، وتجديد الصلة بخالقه. وهذا الانضباط اليومي يُنمّي الاستقرار العاطفي ويعزّزه. وقال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد: 28).
وفي لحظات القلق، أو الحيرة، أو الحزن، يجد الشباب الذين اعتادوا اللجوء إلى الله مصدرًا للسكينة لا يمكن أن يوفره أي شيء دنيوي. وقال النبي ﷺ: "وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ" (رواه البخاري ومسلم).
ويعاني كثير من الشباب من ضعف تقدير الذات بسبب المقارنات على وسائل التواصل الاجتماعي والمعايير الاجتماعية السائدة. غير أن الإسلام يقدّم علاجًا عميقًا لهذا الإشكال: فقيمتك لا تُقاس بالمظهر، أو الشهرة، أو المال، بل بتقواك وقربك من الله. وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (سورة الحجرات: 13). وهذا المنظور يحرّر الشباب من المقارنات غير الصحية، فيبدؤون بقياس النجاح بالأخلاق، والإخلاص، وبذل الجهد، بدلًا من السعي وراء رضا الآخرين أو القبول الخارجي.
استخلاص الدروس من قصص الأنبياء
إن قصص الأنبياء عليهم السلام هي دروس خالدة في المرونة والثبات: النبي يوسف عليه السلام تعرّض للخيانة، والاتهام الباطل، والسجن، ومع ذلك لم يفقد الأمل قط. والنبي أيوب عليه السلام ابتُلي بالمرض وفقدان الأهل والمال، فصبر صبرًا عظيمًا لا يتزعزع. والنبي موسى عليه السلام واجه الخوف والاضطهاد، لكنه وثق بقضاء الله وقدره. والنبي محمد ﷺلاقى الرفض، والاضطهاد، وفقد الأحبة، ومع ذلك بقي ثابتًا صامدًا.
وهذه ليست قصصًا بعيدة عن واقعنا، بل نماذج عملية تُلهم الشباب المؤمنين ليبقوا ثابتين في مواجهة مصاعبهم. ويؤكد الإسلام كذلك على أهمية الصحبة الصالحة؛ فالأصدقاء إمّا أن يعزّزوا المرونة ويقوّوا العزيمة، أو يضعفوها ويهزّوها. وقد شبَّه النبي ﷺالجليس الصالح ببائع المسك، الذي إمّا أن يُهديك منه، أو تجد منه ريحًا طيبة؛ أي إن مجرد قربك منه يعود عليك بالنفع.
فإن الشباب الذين يحيطون أنفسهم بأصدقاء إيجابيين ذوي وعيٍ إيماني يجدون التشجيع في أوقات الشدة. فهم يتبادلون النصيحة، ويُذكِّر بعضهم بعضًا بالله، ويقدّمون الدعم العاطفي عند الحاجة. فالمرونة تنمو في ظلّ الجماعة، لا في العزلة. كما أن الامتنان يُغيّر زاوية النظر إلى الحياة؛ فعندما يركّز الشاب فقط على ما ينقصه، تبدو الحياة ثقيلة ومُرهِقة. وأما حين يتأمل فيما يملك من نِعم، يعود الأمل إلى قلبه وتتجدد طاقته.
وإنَّ المواظبة على شكر الله تعالى على النعم اليومية -ولو كانت صغيرة- تُنمّي في النفس قوةً عاطفية متينة. فالامتنان يُدرّب العقل على البحث عن النور حتى في أحلك الظروف. وقال تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ (سورة إبراهيم: 7).
كما يحثّ الإسلام الشباب على أن يعيشوا بغايةٍ واضحة ورسالةٍ هادفة. فعندما يضع الشاب لنفسه أهدافًا ذات معنى -كطلب العلم، وخدمة الآخرين، وتهذيب الأخلاق- يصبح أقلّ تأثرًا بالانتكاسات المؤقتة، وأكثر قدرةً على تجاوزها بثبات وثقة.
اقرأ أيضًا: مسجد أحمد آباد يثبت أن دور دور العبادة يتجاوز الصلوات إلى خدمة المجتمع
وإنَّ الحياة ذات الهدف الواضح تمنح الإنسان اتجاهًا، والاتجاه يعزّز القدرة على الصمود. وغالبًا ما يُنظر إلى الفشل على أنه هزيمة، غير أن الإسلام يراه تجربةً للتعلّم والنمو. فقد علّم النبي ﷺأن الخطأ من طبيعة البشر، وأن خير الناس هم الذين يتوبون ويُصلحون أنفسهم. والشباب الذين يستوعبون هذا المعنى لا ينهارون بعد الوقوع في الخطأ، بل ينهضون أقوى، وأكثر حكمة، وأشد تواضعًا.