فرحان إسرائيلي/ تونك
في عصرٍ تتسارع فيه الخطوط الرقمية والتصاميم الاصطناعية وفنون الذكاء الاصطناعي، حتى بدا أن الفنّ اليدوي قد تراجع إلى الهامش، أثبتت أسرةٌ من مدينة تونك بولاية راجستهان أن التراث إذا تحوّل إلى عبادةٍ وجهد صادق، فإنه يتجاوز حدود الزمن.
فاز المقرئ مطيع الله واصفي، وهو خطاط من مدينة تونك بولاية راجستهان، بالمركزالثاني في المسابقة الدولية للخط الإسلامي التي نظّمتها جمعية الفن الإسلامي في نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية. وقد شارك في هذه المسابقة أكثر من 4000 فنان من مختلف أنحاء العالم.
وبهذه المناسبة، أكّد المقرئ مطيع الله أن نجاحه في محفل دولي لم يكن وليد الصدفة، مشيرًا إلى أن حضور الهند في هذه المسابقة ظلّ ثابتًا خلال السنوات الأربع الماضية، وأن أسرة واصفي استطاعت في كل مرة أن تتصدر المراكز المتقدمة.
وفي عام 2022م، حصل المقرئ مطيع الله واصفي على المركز الأول. وبعد عام، حاز ابنه حارث واصفي على المركز الثاني، ثم فاز حارث بالمركز الأول في عام 2024م. وأما في هذا العام، فقد ذهبت الجائزة الأولى إلى مصر، والثانية إلى الهند، والثالثة إلى باكستان، والرابعة إلى تركيا. وتشمل الجائزة شهادة تقدير، وتذكارًا، ومكافأة مالية. غير أن الشرف الحقيقي بالنسبة إلى أسرة واصفي يتمثل في التقدير المعنوي الذي يحظون به عند تمثيل الهند على هذا المستوى الدولي.
ولم تبدأ مسيرة المقرئ مطيع الله واصفي في كلية للفنون، بل كانت مدرسته الأولى هي منزله. فقد كان والده الراحل، المقرئ سليم الله واصف فرقاني، خطاطًا مشهورًا، ومقرئًا للقرآن الكريم، وعالمًا متمكنًا، يجيد اللغات العربية والفارسية والأردية. وكانت كتابة المصحف الشريف بخط يده من أبرز اختصاصاته. وفي طفولته، كان مطيع الله يراقب والده وهو يجلس لساعات طويلة يكتب؛ فحدّة القلم، وانحناءات الحروف، ومقدار الحبر المستخدم بدقة، لم تكن بالنسبة إليه مجرد تفاصيل عابرة، بل كانت درسًا في الانضباط والإتقان. ولأجل تعليمه النظامي، التحق بـ"معهد مولانا أبو الكلام آزاد للأبحاث العربية والفارسية" في تونك، حيث أتمّ دبلومًا مدته أربع سنوات.
وتُعرَف مدينة تونك عمومًا بمدارسها الدينية، وكتبها، وتعليمها الإسلامي، غير أن هذه المدينة شهدت أيضًا تقليدًا راسخًا في فن الخط العربي. ففي عهد النواب، قام خطاطون من إيران وآسيا الوسطى بتعليم السكان المحليين هذا الفن الأصيل. وقد حافظت مؤسسات مثل معهد مولانا أبي الكلام آزاد للأبحاث العربية والفارسية على هذا الإرث، إذ خرّج المعهد عددًا كبيرًا من الخطاطين الذين ذاع صيتهم في الهند وخارجها. ويُعدّ المقرئ مطيع الله واصفي حلقةً مهمة في هذه السلسلة.
وقال واصفي لموقع "آواز دي وايس" إن الخط بالنسبة إليه ليس مجرد وسيلة للزخرفة، بل هو جزء من العبادة. وحتى اليوم، كتب بخط يده 27 نسخة من المصحف الشريف؛ كُتبت بعض هذه المصاحف بخط دقيق للغاية، فيما زُيِّن بعضها الآخر بالذهب والفضة.
كما أنجز مشاريع فريدة من نوعها، من بينها كتابة المصحف الشريف كاملًا على صفحة واحدة كبيرة. ويتطلب هذا العمل سنواتٍ من التدريب والصبر، إذ إن موضع كل حرف بالغ الأهمية، وأي خطأ -لو كان بسيطًا- قد يفسد العمل بأكمله.
ومن إسهامات المقرئ مطيع الله واصفي الأقل شهرة، لكنها بالغة الأهمية، جهوده في حفظ المخطوطات؛ إذ يتولى إكمال نسخ المصحف الشريف والكتب النادرة غير المكتملة باللغات العربية والفارسية والأردية. وحتى الآن، أتمّ ما يقرب من 500 مصحف غير مكتمل، إضافةً إلى مئات الكتب القديمة.
وقد نفّذ مشاريع لصالح مقتنين خواص، ومكتبات، ومؤسسات بحثية، وهو جهد يُعيد الحياة إلى كتبٍ كان يمكن أن تندثر وتُنسى. ولا يقتصر فن واصفي على الورق فحسب؛ فقد أبدع في الخط على القماش، والجلد، والخشب، والمعادن، وحبوب الأرز، والعدس، والرخام، والشعر، بل وحتى داخل الزجاجات. وهذا الفن ليس اختبارًا للمهارة اليدوية فحسب، بل اختبار للتركيز والدقة والتوازن.
وشارك واصفي في المسابقة الدولية لفن الخط التي تم تنظيمها في إسطنبول بتركيا عام 2022م. وتُنظّم هذه المسابقة العالمية المرموقة للخط كل عامين، يشارك فيها خطاطون بارزون من مختلف أنحاء العالم. وفي عام 2023م، شارك أيضًا في مسابقة الفجيرة الدولية لفن الخط العربي بدولة الإمارات العربية المتحدة، وهي مسابقة تُعرف بهيئة تحكيمها المتميزة ومشاركاتها العالمية الواسعة.
ويقول واصفي إنه إذا جُمعت الورش والمعارض والمسابقات معًا، فإن مجموع مشاركاته في الفعاليات الوطنية والدولية، داخل الهند وخارجها، يبلغ نحو 30 مشاركة. ويرى واصفي أن ما حققه ليس إنجازًا شخصيًا بقدر ما هو وسيلة لإبراز تقاليد الخط الهندي على الساحة الدولية.
وبحسب قوله، فإن مثل هذه المنصّات تتيح للفنانين فرصًا للتعلّم، واختبار قدراتهم، والتواصل مع خطاطين من مختلف أنحاء العالم. كما حصل على عدد من التكريمات على المستوى الوطني. وشارك كذلك في معارض وورش عمل دولية في مدن مثل بنغالورو، وأودايبور، وعليكراه، وقصر ديغي في جايبور، إلى جانب "لاليت كالا أكاديمي" في دلهي.
وفي أسرة واصفي، توارثت الأجيال هذا الفن جيلًا بعد جيل. فالابن الأكبر، حارث واصفي، خطاط معروف على المستوى الدولي. وأما الابن الثاني، عباس واصفي، فهو حافظٌ ومقرئ للقرآن الكريم، يواصل دراسته في دار العلوم لندوة العلماء بمدينة لكناؤ. وأما الابنة، سدرة واصفي، فهي عالمة (عالِمة شرعية)، وتقوم بتعليم الخط للفتيات الصغيرات. وهكذا لا تحافظ هذه الأسرة على الفن فحسب، بل تصون قيم الانضباط والتراث الأصيل.
اقرأ أيضًا: الألعاب الجلدية من مدينة إندور تتألّق في معرض سوراجكوند الدولي للحِرف اليدوية
وأسّس المقرئ مطيع الله واصفي "بزمِ واصف" تخليدًا لذكرى والده. ويحلم بإنشاء مكتبةٍ ومتحفٍ خاصَّين بالخط في مدينة تونك، تُحفَظ فيهما مخطوطاته ومخطوطات والده بصورة آمنة. ويؤكد أنه رغم محدودية الموارد، فإن عزيمته لا تلين. ويتمثل هدفه في ضمان وصول هذا الإرث الخطّي العريق لمدينة تونك إلى الأجيال القادمة، وصونه بوصفه جزءًا من الهوية الثقافية والروحية للمنطقة.