ثانية أنجم / بنغالورو
لا يمكن حصر الدكتورة شائستة يوسف في تعريف واحد؛ فهي شاعرة، وروائية، ومترجمة، ورائدة أعمال، وفنانة مسرحية، ومُصلحة اجتماعية، وسيدة أعمال. وتتداخل هذه الهويات وتتقاطع، بحيث يعزّز كلٌّ منها الآخر ويصقله. وتبدو حياتها أقلّ شبهاً بسرد تقليدي، وأكثر قربًا من نصّ متعدد الطبقات، تمامًا مثل روايتها "صديون كا رقص".
وُلدت في مومباي لأسرة تعود جذورها إلى حيدر آباد واستقرت لاحقًا في بنغالورو. ونشأت في عائلة متعلّمة قائمة على القيم، تحظى بالاحترام من جهة أسرتها ومن جهة أهل زوجها. وكان والدها، عبد الرحمن كونتراكتور، اسمًا معروفًا في أوساط الصناعة في مومباي. ولم ترث الأدب بوصفه إرثًا عائليًا، بل صقلته بجهدها. ففي الصف السابع، كتبت أولى قصائدها، وبحلول الصف العاشر كانت قد تزوجت من امتياز يوسف، تاجر سيارات ومهندس معماري من بومباي. ولم تُسكتها مسؤوليات الزواج المبكر، بل أسهمت في إنضاج الشاعرة الكامنة فيها.

وبدأت الكتابة في عام 1970م. وعن تلك اللحظة المفصلية، تقول: "جاء وقت شعرتُ فيه أن صوتي يجب أن يصل إلى العالم الأوسع". وقد شكّل هذا الإدراك أساس رحلتها الأدبية الطويلة. ويعكس مسارها الأكاديمي عمقًا فكريًا لافتًا؛ إذ حصلت على درجة الماجستير في الفلسفة وعلم النفس، ثم ماجستير في اللغة الأردية من جامعة بنغالورو عام 1984م، إلى جانب دبلوم في علم التجميل. كما نالت لاحقًا دكتوراه فخرية ودرجة الدكتوراه في القانون من جامعة تومكور، تقديرًا لإسهاماتها البارزة في الأدب الأردي والعمل الاجتماعي. وقد تقدمت في امتحاناتها خلال فترة الحمل، ونجحت في التوفيق بين مسؤوليات المنزل وطموحاتها، معتبرةً كليهما واجبين لا عائقين.
وتتميّز مسيرتها الأدبية بغنى وتنوّع لافتين؛ إذ أسهمت أعمال مثل "گلِ خودرو"، و"سونی پرچھائیاں"، و"آبِ آئینہ" في ترسيخ هويتها الشعرية. وقد حاز ديوان "سونی پرچھائیاں" على عدة جوائز، وكرّس مكانتها بين كبار شعراء الأردية. كما شهد إطلاقه الرسمي لحظة فارقة، حين قدّمه الناقد الكبير شمس الرحمن الفاروقي في قاعة جامعة بنغالورو، في حدث مثّل اعترافًا أدبيًا مهمًا بقيمتها.

وقد أصبح عنوان "گلِ خودرو" دالًا على مسيرتها، حين وصفتها الأديبة الكبيرة قرّة العين حيدر بأنها "گلِ خودرو" أي زهرة برية تتفتح دون إرث أدبي تقليدي. وكان هذا الوصف بمثابة إشادة واعتراف بمكانتها التي صنعتها بنفسها.
وتعكس دائرة تفاعلها الأدبي عمق انخراطها في الوسط الثقافي؛ إذ التقت بالشاعر نِدا فاضلي وتبادلت معه الأشعار. كما التقت بالشاعر المعروف أختر الإيمان، الذي أبدى إعجابه بما قرأه من أشعارها في مجلة "سوغات". وكانت على تواصل فكري مع شخصيات مثل باقر مهدي، وكذلك الشاعرة ذات الصوت المكثّف والمأساوي سارة شغفتة. كما كتبت قصيدة بعنوان "دخين الفتاة للسجائر"، وهو موضوع جريء وغير تقليدي، تناولته من منظور نسوي خاص.
وعلى الرغم من إقامتها في بنغالورو، تشير بدهشة قائلة: "أستغرب أن عدد من يعرفونني في دلهي ومومباي أكثر ممن يعرفونني في بنغالورو".
ولا يقل نثرها ثراءً عن شعرها؛ إذ ألّفت دراسةً عن الأديب محمود عياض، كما نقلت كتاب "Tales of Tomorrow" إلى الأردية بعنوان "آنے والے کل کی کہانیاں"، لتقرّب قصص الكتّاب الهنود الناطقين بالإنجليزية إلى القارئ الأردي.
وتُعد روايتها "صديون كا رقص"، الصادرة عن "ريخته"، من أكثر أعمالها طموحًا؛ إذ تتكئ شخصياتها على خيالٍ أدبي، لكنها متجذّرة في واقع معيش. وتتناول الرواية حركة الزمن والمجتمع والوعي عبر قرون، في انعكاس واضح لخلفيتها الفلسفية.

كما أضاف انخراطها في الفنون الأدائية بُعدًا جديدًا لمسيرتها؛ فقد عملت فنانةً مسرحية مع "رابطة المسرح الشعبي الهندي"، وشاركت في أعمال للكاتب خواجة أحمد عباس، وكانت على صلة بدوائر مسرحية مرتبطة بالممثل قادر خان. وقد حازت على جوائز خلال دراستها الجامعية، كما اجتازت اختبار أداء في بنغالورو، وعملت مع إذاعة بومباي لمدة عامين. ومنحها المسرح القدرة على الحضور، والإذاعة الانضباط الصوتي، فيما منحتها الكتابة الخلود.
ولا تتوقف مسيرتها عند الأمسيات الشعرية وإطلاق الكتب. فمن خلال "ديوان تشاتشا"، شقيق والد زوجها زهير لشكر والا، وهو شخصية معروفة، دخلت عالم التجميل وأسست علامة "Mystic Herbal Cosmetics". كما تُدار البقالة الشهيرة في شارع أفينيو رود في بنغالورو من قبل أبناء شقيقها، فيما قام ابنها لاحقًا بتطوير العلامة وإعادة تسميتها إلى "Clarice".
وأطلقت مشاريع مثل "قُبّاني كا ميثا" لشائستة، إلى جانب المنتج الصحي "Uroojam". وعن قدرتها على الموازنة بين العمل والمشاعر، تقول: "الأعمال تُدار بالعقل، أما الشعر فينبع من القلب"، وهي عبارة تختزل ازدواجية تميّزها.
وقد تطوّر التزامها باللغة الأردية من كتابة فردية إلى مسؤولية جماعية؛ إذ بدأت عملها كأمينة مع All India Urdu Trust الذي أسسه خليل مأمون. كما تُعد المؤسسة المشاركة لـInternational Sufi World Trust، حيث يشغل سيد لياقت بيران منصب الرئيس.
وفي نهاية المطاف، وسعيًا لبناء كيان خاص بها، أسست عام 2012م منظمة "محفلِ نساء" إلى جانب زبيدة بيغم، وحليمة فردوس، وماه نور زماني، وفريدة رحمة الله. وتركّز هذه المنظمة على خدمة اللغة الأردية وقضايا المرأة والتراث، حيث تبنّت مدارس حكومية، ونظّمت مسابقات على المستوى الابتدائي، وأقامت مسيرات "يوم الأردية" التي بدأت بتردد ثم تحولت إلى فعاليات جماهيرية نشطة، وسعت إلى تحقيق تحسين ملموس في جودة التعليم.

وظلت حريصة دائمًا على الحفاظ على المعايير؛ فإذا لم يكن العمل بالمستوى المطلوب، كانت تفضّل التوقف عنه بدل الاستمرار فيه.
اقرأ أيضًا: ثروت خان: حين يصبح التعليم فرصة ثانية للحياة
ويمتد حضورها المؤسسي إلى نطاق أوسع؛ إذ ارتبطت بأكاديمية كارناتاكا للأردية (2024–2026)، والمجلس القومي لترويج اللغة الأردية في دلهي، وأكاديمية ساهيتيا. كما تُعد عضوًا مؤسسًا وأمينةً للصندوق في "أردو مانش لعموم الهند"، ولها صلة بمجلس التعليم المتحد.
وقد أُدرجت أعمالها ضمن مناهج مجلس كارناتاكا، بما يضمن وصول صوتها إلى الفصول الدراسية في أنحاء الولاية. كما تشارك بانتظام في برامج تلفزيونية ولجان تحكيم أدبية، ممثِّلةً الأدب الأردي والفكر الفلسفي. ولم تمر إسهاماتها دون تقدير؛ فإلى جانب جائزة أكاديمية كارناتاكا للأردية عن ديوان "گلِ خودرو" عام 2010م، والجوائز المرموقة المتعددة التي حصدتها عن "سونی پرچھائیاں"، نالت تكريمات من مؤسسات ثقافية وتعليمية عدة، من بينها تقدير من "معهد آريان" لجهودها المستمرة في خدمة اللغة الأردية والتعليم.