فيدوشي غور / نيودلهي
بالنسبة إلى باران إجلال، لا يقتصر الفن على كونه ممارسة جمالية، بل يمثل لغةً للذاكرة والهوية والمقاومة الهادئة، ووسيلةً تعبّر من خلالها المشاعر التي تعجز الكلمات أحيانًا عن احتوائها بأصدق صورها. وتُعرف باران إجلال بأنها فنانة وأرشيفية عصامية تقيم في نيودلهي، وتتناول في أعمالها موضوعات "الهوية المجهولة، والذاكرة، والتواريخ الحضرية غير الموثقة".
وتتنوع أعمالها بين الرسم بالأكريليك، والتركيبات الصوتية، وأعمال الفيديو، واشتهرت بمنح مساحة للأصوات المهمشة من خلال مشاريعها، وفي مقدمتها مشروع الأرشيف الصوتي المتنقل.
وتدعو أعمالها المتلقي إلى تجاوز ما هو مرئي، والتفاعل مع طبقات التاريخ، والتجارب الشخصية، والواقع الاجتماعي الكامن في كل عمل فني. وبوصفها فنانة تمتد ممارستها الإبداعية بين الرسم، والوسائط المتعددة، والاستكشاف المفاهيمي، تتعامل باران مع كل لوحة باعتبارها مساحةً للحوار. وبدلًا من تقديم سرديات مباشرة، تبتكر تجارب بصرية تثير التأمل، وتتيح لكل متلقٍ أن يصوغ تفسيره الخاص. ويرفض فنها التصنيف التقليدي، مستمدًا قوته من الغموض والرمزية والعمق الوجداني.
.jpeg)
ويحتل مفهوم الذاكرة مكانة محورية في رحلتها الإبداعية، إذ تتجلى في أعمالها شذرات من أماكن منسية، ولقاءات عابرة، وتقاليد موروثة، وذكريات شخصية، تتحول جميعها إلى استعارات بصرية آسرة. ومن خلال توظيف الملمس، والألوان، والصور المتراكبة، تعيد بناء حكايات كان من الممكن أن يطويها النسيان ويغمرها الصمت. وتتشكّل لغتها الفنية أيضًا حول فكرة الصمود؛ ففي تناولها لقضايا التهجير، والهوية، والانتماء، تعكس أعمال باران إجلال قدرة الأفراد والمجتمعات على التحمّل، والتكيّف، واستعادة رواياتهم الخاصة. ويحضر التوتر بين الهشاشة والقوة بوصفه خيطًا ناظمًا في معظم أعمالها، مانحًا إياها في آنٍ واحد طابعًا حميميًا وإنسانيًا يتجاوز حدود المكان والزمان.
ويشكّل التجريب ركيزةً أساسية في ممارستها الفنية، إذ تُعرف بتوظيف مواد غير تقليدية إلى جانب التقنيات الكلاسيكية، في محاولة لتوسيع حدود الفن المعاصر وإعادة تعريفها. وغالبًا ما تدمج في أعمالها طبقات من الأقمشة، وأشياء معثورًا عليها، وأسطحًا غنية بالملامس، ووسائط فنية متنوعة، لتضفي على تكويناتها عمقًا ماديًا يعكس التعقيد العاطفي للموضوعات التي تتناولها.
.jpeg)
ولا تنظر باران إلى الفن بوصفه مجرد عنصر زخرفي، بل باعتباره تجربةً إنسانية تدعو المتلقي إلى التوقف والتأمل، وإعادة النظر في مسلّماته. وتأتي المساحات التي تبتكرها مفتوحةً عمدًا على قراءات متعددة، فلا تفرض معنى واحدًا، بل تفسح المجال أمام كل متلقٍ ليمنح العمل تفسيره الخاص.
ومن أبرز السمات التي تميز تجربتها الفنية قدرتها على تحويل العناصر العادية إلى أعمال بصرية ذات دلالات عميقة. فالأشياء التي قد تبدو مهملة أو عديمة الأهمية تكتسب داخل أعمالها معاني جديدة، انطلاقًا من إيمانها بأن كل جزء يحمل تاريخًا يستحق الحفظ والتوثيق.
ومن خلال ذلك، تعيد مساءلة المفاهيم التقليدية للقيمة، ليس في الفن فحسب، بل في المجتمع. وتتناول لوحاتها في كثير من الأحيان العلاقة بين الحضور والغياب؛ إذ تظهر الشخصيات أحيانًا وهي محجوبة جزئيًا، بينما تتلاشى الأشكال المعمارية في فضاءات تجريدية، وتتأرجح الألوان بين هدوء خافت وكثافة مفاجئة. ويولد هذا التفاعل إحساسًا بالتوتر الوجداني، يدفع المتلقي إلى التفاعل مع ما توحي به الأعمال بقدر تفاعله مع ما تعرضه بصورة مباشرة.

وعلى مرّ السنوات، لفتت أعمال باران إجلال الأنظار بقدرتها على إثارة استجابات وجدانية عميقة لدى المتلقين. فكثيرًا ما يجد الزائر نفسه يتعرّف إلى مشاعر يصعب التعبير عنها بالكلمات، لتغدو معارضها الفنية تجربةً تتجاوز حدود المشاهدة إلى المشاركة الوجدانية. ويطرح فنها أسئلة جوهرية حول الهوية، والذاكرة، والفقد، والأمل، من دون أن يسعى إلى فرض إجابات نهائية عليها.
ورغم ما تحظى به من تقدير متزايد، لا تزال باران متمسكة بنزاهتها الفنية بعيدًا عن الاعتبارات التجارية. فهي تواصل مسيرتها الإبداعية مسترشدةً بالفضول، وروح التجريب، والصدق العاطفي، انطلاقًا من إيمانها بأن الفن الحقيقي يولد من الأصالة لا من الامتثال للقوالب السائدة.
وترى باران إجلال أن العملية الإبداعية لا تقل أهمية عن العمل الفني المكتمل؛ فكل طبقة تُضاف إلى اللوحة تمثل فعلًا من أفعال الاكتشاف، وكل أثر يُمحى يذكّر بأن الإبداع كثيرًا ما يمر بمراحل من المراجعة، وعدم اليقين، والتجدد. وتمنح هذه الفلسفة أعمالها حيويةً خاصة، حيث تصبح العيوب الظاهرة جزءًا من الحكاية الفنية، لا نقائص ينبغي إخفاؤها.

وفي عصر تتسارع فيه وتيرة الحياة ويهيمن الاستهلاك الفوري، يدعو فن باران إجلال إلى التمهل والتأمل. فهو يحث المتلقي على التوقف، وطرح الأسئلة، وإعادة التواصل مع المشاعر التي كثيرًا ما يطغى عليها إيقاع الحياة الحديثة. وتبرهن تجربتها الفنية أن الفن ليس بحاجة إلى الصخب ليترك أثرًا عميقًا؛ فربما تكمن أعظم قوته في حضوره الهادئ والمستمر.
اقرأ أيضًا: نواب جهان بيغم.. فنانة هندية تُبدع بالذهب الخالص وتمزج التراث بالحداثة
وتتجاوز باران إجلال كونها فنانة تشكيلية؛ فهي راوية لما لا يُرى. فمن خلال اللون، والملمس، والشكل، تحوّل المشاعر إلى صور، والذكريات إلى سرديات بصرية باقية. وتذكّرنا أعمالها بأن الفن ليس مجرد شيء يُتأمل أو يُعجب به، بل هو تجربة تُعاش، وتدعونا إلى التأمل العميق، وتظل آثارها راسخة في الذاكرة حتى بعد الابتعاد عن اللوحة.