حركة استقلال الهند والجامعة الملية الإسلامية

16-08-2026  آخر تحديث   | 16-08-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | محبوب عالم 
الجامعة الملية الإسلامية
الجامعة الملية الإسلامية

 


 محسن علي

تاريخ استقلال الهند ليس مجرد تاريخ للحركات السياسية، والاجتماعات، والمسيرات، والسجون، والتضحيات، بل هو أيضًا قصة نضال شامل ومتعدد الأبعاد، أدّى فيه القلم دور السيف، وتحولت المؤسسات التعليمية إلى مراكز للمقاومة، وأدّى التعليم دورًا مهمًا في إرساء أسس الاستقلال الوطني. 

وإذا نظرنا إلى حركة الاستقلال من منظور التاريخ السياسي وحده، فإن جوانب مهمة عديدة منها ستظل بعيدة عن أنظارنا. ومن بين هذه الجوانب الخفية، وإن كانت بالغة الأهمية، دور الجامعة الملية الإسلامية في حركة الاستقلال.

وفي 15 أغسطس 2026م، بينما تحتفل الهند بعيد استقلالها الثمانين، لا يكفي أن نتذكر تاريخ الجامعة الملية الإسلامية بوصفه تاريخ مؤسسة تعليمية عريقة فحسب. فقد نشأت الجامعة أساسًا استجابةً لسؤال مفاده: كيف يمكن لأمة خاضعة للاستعمار أن تجعل من التعليم وسيلةً فعالة لتحقيق حريتها؟ ففي عام 1920م، تأسست الجامعة الملية الإسلامية في عليكراة في ظل حالة من القلق الوطني، والرفض للنظام الاستعماري، والحاجة إلى تعليم وطني. ووفقًا للتاريخ الرسمي للجامعة، أدّت حركتا الخلافة وعدم التعاون، إلى جانب الروح الوطنية ومقاطعة المؤسسات التعليمية الاستعمارية، دورًا أساسيًا في تأسيسها.

وهنا يبرز سؤال أساسي: كيف يمكن أن يكون التعليم شكلًا من أشكال المقاومة؟

فعادةً ما نقصد بالمقاومة الاحتجاجات السياسية، والمظاهرات، والمقاطعة، أو معاناة السجن. لكن الاستعمار لا يفرض سيطرته على الأرض فحسب، بل يسعى أيضًا إلى التأثير في العقول والمناهج واللغة والمعرفة والتاريخ. ولذلك، فإن إنشاء مؤسسة تعليمية مستقلة في مواجهة النظام الاستعماري كان بحد ذاته شكلًا عميقًا من أشكال المقاومة الفكرية. وكان تأسيس الجامعة الملية الإسلامية تجسيدًا عمليًا لهذه الفكرة.

 May be an image of one or more people, dais and text

وكانت الهند عام 1920م تمر بمرحلة مهمة من مراحل الوعي السياسي. فقد أسهمت مجزرة جاليانوالا باغ، وقانون رولَت، وقضية الخلافة، وتصاعد حالة السخط ضد الحكومة البريطانية في إعطاء السياسة الوطنية اتجاهًا جديدًا. ودعا المهاتما غاندي، من خلال حركة عدم التعاون، إلى مقاطعة المؤسسات الخاضعة لإدارة الحكومة البريطانية.

وفي ظل هذه الأجواء، برزت مجموعة من القادة الوطنيين والمثقفين الذين كانوا يرون أن الكفاح من أجل الاستقلال لا ينبغي أن يقتصر على مقاطعة المؤسسات السياسية، بل يجب أن يترافق أيضًا مع إنشاء مؤسسات وطنية بديلة. وكانت الجامعة الملية الإسلامية ثمرةً لهذه الرؤية.

وأدّى شيخ الهند مولانا محمود حسن، ومولانا محمد علي جوهر، وحكيم أجمل خان، والدكتور مختار أحمد أنصاري، وعبد المجيد خواجة، إلى جانب عدد من القادة الوطنيين الآخرين، أدوارًا مهمة في تأسيس الجامعة الملية الإسلامية وتشكيلها في مراحلها الأولى. وفي 29 أكتوبر 1920م، وُضع حجر الأساس للجامعة، وانتُخب حكيم أجمل خان أولَ أمير للجامعة، فيما أصبح مولانا محمد علي جوهر أولَ شيخ للجامعة (رئيس الجامعة). ولكن الجانب الثوري الحقيقي للجامعة لم يكن يكمن في مبناها أو هيكلها الإداري، بل في فلسفتها التعليمية. فقد كان هدف الجامعة تقديم تعليم يتوافق مع احتياجات المجتمع الهندي، ويرتبط بلغاته وتراثه الثقافي، ويغرس في الطلاب، إلى جانب الرغبة في الحصول على وظيفة، الشعور بالمسؤولية الوطنية والاجتماعية. وكان التعليم الوطني، واللغات الهندية، والقومية القائمة على التعددية، والتحرر الفكري من التأثيرات الاستعمارية تحتل مكانة محورية في الرؤية التاريخية للجامعة. وهنا تحديدًا تتجلى أهمية تاريخ الجامعة، إذ تقدم مسيرة الاستقلال في صورة أوسع.

وإذا كان الاستعمار يريد أن يقرّر ما الذي ينبغي للشباب الهنود أن يدرسوه، وبأي لغة يتعلمون، ومن أي منظور ينظرون إلى ماضيهم، وكيف يفكّرون في مستقبلهم، فقد اختارت الجامعة الملية الإسلامية في المقابل طريقًا بديلًا. فقد سعت إلى بناء التعليم من داخل المجتمع الهندي، وبذلك لم يكن نضال الجامعة من أجل الاستقلال السياسي فحسب، بل كان نضالًا من أجل التحرر الفكري.

ومن الجوانب المهمة الأخرى في تاريخ الجامعة الملية الإسلامية المشارَكة العملية لأساتذتها وطلابها. ووفقًا للسجلات التاريخية الرسمية للجامعة، شارك أساتذتها وطلابها في حركة الاستقلال، وأوفدوا متطوعين إلى مختلف أنحاء البلاد، وسعوا إلى نشر الوعي الوطني. كما اعتقلت الحكومة الاستعمارية عددًا من الأساتذة والطلاب المرتبطين بالجامعة. وتذكّرنا هذه الحقيقة بأن التعليم والسياسة لم يكونا عالمين منفصلين في الجامعة؛ فقد أصبح التعليم نفسه عملًا سياسيًا وأخلاقيًا. وكان الدرس الذي يُقدَّم داخل الفصل الدراسي، والنضال الوطني الذي يجري خارجه، مترابطين ارتباطًا وثيقًا. 

ولهذا، لم يتشكل مفهوم الجامعة بوصفها مجرد مؤسسة تعليمية إسلامية، بل بوصفها مؤسسة وطنية أيضًا. وتشير كلمة "ملية" في اسمها، أي "الوطنية"، إلى هذا التصور الأساسي. وكان من بين أهداف الجامعة في رؤيتها بناء ثقافة وطنية تنظر إلى مختلف التقاليد الدينية والثقافية في الهند ضمن إطار وطني أوسع.

وفي هذا السياق، تكتسب إشادة رابندراناث طاغور بالجامعة الملية الإسلامية واعتبارها من المؤسسات التعليمية التقدمية في الهند أهمية خاصة. فقد كان اهتمام شخصيات بارزة مثل غاندي وطاغور بتاريخ الجامعة دليلًا على أن هذه المؤسسة لم يُنظر إليها باعتبارها مجرد استجابة للاحتياجات التعليمية لفئة محدودة، بل بوصفها تجربةً مرتبطة بمستقبل الهند الوطني الأوسع. 

وتُعد مسيرة بقاء الجامعة بدورها قصةً جديرة بالاهتمام. فبعد انتهاء حركتي عدم التعاون والخلافة، واجهت الجامعة في منتصف عشرينيات القرن العشرين أزمة مالية وإدارية حادة. وبدا أن هذه المؤسسة قد تنتهي بعد أن أدّت الغرض الذي أُنشئت من أجله في بدايتها. ولكن قادة الجامعة لم يسمحوا بانهيارها. فقد واصل حكيم أجمل خان دعم الجامعة رغم الصعوبات المالية، بينما أدّى الدكتور ذاكر حسين، خلال قيادته الطويلة للجامعة من عام 1926م إلى عام 1948م، دورًا أساسيًا في تحويلها إلى مؤسسة تعليمية قوية.

 No photo description available.

وهنا يكشف لنا تاريخ الجامعة الملية الإسلامية عن مفهوم آخر للمقاومة؛ فالمقاومة لا تعني فقط الوقوف في وجه الحكومة، بل قد تكون أحيانًا في الحفاظ على فكرة حيّة في ظل الظروف الصعبة.

فقد سعى الدكتور ذاكر حسين ورفاقه إلى تحويل الجامعة إلى مؤسسة تعليمية ترتبط فيها المعرفة بالحياة ارتباطًا وثيقًا. وفي وقت لاحق، تطورت في الجامعة مفاهيم مثل التعليم الأساسي، وتدريب المعلمين، والتعليم القائم على الحِرَف، والتدريب العملي. وكان تأسيس معهد تدريب المعلمين عام 1938م، بقيادة الدكتور ذاكر حسين، جزءًا من هذه الرؤية التعليمية الواسعة. ولا يزال هذا التصور يبدو حديثًا بصورة لافتة حتى يومنا هذا؛ لأن سؤال الاستقلال لم يكن يقتصر على معرفة من سيحكم الهند، بل كان يتعلق أيضًا بالسؤال: أي نوع من البشر سيكون المواطنون الهنود؟ 

فالتعليم الذي يفصل الإنسان عن مجتمعه وتاريخه ولغته ومسؤوليته الأخلاقية قد يؤدي إلى عبودية ذهنية حتى في ظل الاستقلال السياسي. وعلى العكس من ذلك، فإن التعليم الذي يعلّم الإنسان طرح الأسئلة، والتفكير، والاختلاف، والحوار، والشعور بالمسؤولية تجاه مجتمعه، يمكن أن يشكّل أساسًا للحرية الحقيقية. ولهذا، فإن قصة الجامعة الملية الإسلامية تدفعنا حتى اليوم إلى التفكير في أن الحرية لا ترتبط بالسلطة السياسية وحدها، بل ترتبط أيضًا بحرية المعرفة، وحرية الفكر، واستقلال التعليم.

ويبدو بيت الشاعر الأردي الشهير أكبر إله آبادي ذا دلالة عميقة في هذا السياق:

"أنا في الدنيا، لكنني لست طالبًا للدنيا

مررتُ بالسوق، لكنني لستُ مشتريًا"

وتتجلى الروح الأولى للجامعة في هذا المعنى نفسه؛ أي البحث عن مسار تعليمي مستقل، بدل الارتهان الفكري الكامل للنظام الاستعماري.

كما يذكّرنا هذا البيت للشاعر الفارسي سعدي بالغاية الأخلاقية للتعليم:

" علم چنداں کہ بیشتر خوانی

چون عمل در تو نیست نادانی"

أي إن الإنسان قد يكتسب قدرًا كبيرًا من العلم، لكن إذا لم يترجم ذلك العلم إلى عمل، فإنه لا يصبح بذلك حكيمًا أو عارفًا بالمعنى الحقيقي.

ولهذا، لم يكن التعليم بالنسبة إلى الجامعة مجرد معرفة كتابية، بل كان هدفه بناء الإنسان، وإعداد مواطنين مسؤولين، وتنمية القدرة على إحداث تغيير إيجابي في المجتمع.

واليوم، إذ تحتفل الهند بالذكرى الثمانين لاستقلالها، تقف أمامنا هذه الصفحة من تاريخ الجامعة الملية الإسلامية حاملةً سؤالًا جديدًا: هل يجعلنا تعليمنا اليوم أحرارًا حقًا في تفكيرنا؟ وهذا السؤال لا يقتصر على مؤسسة تعليمية بعينها، بل ينبغي لكل جامعة وكل أستاذ وكل طالب أن يتأمل فيه. فإذا اختُزل التعليم في الامتحان والشهادة والحصول على وظيفة، فإنه يضعف روح الحرية التي ناضل من أجلها أسلافنا. وأما إذا كان التعليم يعزّز التفكير النقدي، والمزاج العلمي، والعدالة الاجتماعية، والكرامة الإنسانية، والوعي الثقافي، والمسؤولية الوطنية، فإنه يستطيع حتى اليوم أن يكون شكلًا قويًا من أشكال المقاومة. 

ويعلّمنا تاريخ الجامعة الملية الإسلامية أن مسيرة الحرية لم تنتهِ في 15 أغسطس 1947م. فبعد تحقيق الاستقلال السياسي، تظل على الأمة مواصلة النضال ضد الجهل والفقر والتعصب وعدم المساواة والعبودية الفكرية. ولهذا، فإن النظر إلى الجامعة الملية الإسلامية في 15 أغسطس 2026م يعني في الحقيقة التوقف عند جانب مهم، وإن كان قليل التناول، من جوانب استقلال الهند.

وتذكّرنا الجامعة بأن أقوى شعار قد يُرفع أحيانًا داخل قاعة الدرس، وأن أعمق أشكال المقاومة قد تكمن في صياغة المناهج، وأن الاستقلال الوطني قد يبدأ أحيانًا بإنشاء مؤسسة تعليمية جديدة، وأن تدريب أستاذٍ طلابه على التفكير بحرية قد يتحول هو الآخر إلى جزء من الكفاح من أجل الحرية.

 May be an image of dais, temple and text

فالجامعة الملية الإسلامية هي رمز حيّ لهذا الوعي التاريخي. فهي تجسّد الإيمان بأن القلم يمكن أن يكون أداةً للمقاومة، وأن التعليم يمكن أن يكون أساسًا للحرية، وأن المؤسسة التعليمية يمكن أن تكون جبهةً لبناء الأمة. 

اقرأ أيضًا: الجامعة المليّة الإسلامية.. إرث غاندي يتجدد في عهد البروفيسور مظهر آصف

واليوم، في العام الثمانين للاستقلال، لعلنا بحاجة إلى تجديد العهد بأن نجعل التعليم ليس مجرد وسيلة للتنمية الاقتصادية، بل وسيلةً لتعزيز الفكر الحر، وبناء الوطن، وتحقيق التنمية الإنسانية. فالحصول على الحرية من العبودية السياسية يمنح الأمة دولة حرة، لكن الحرية الفكرية هي التي تجعل منها أمةً حرة. وهنا تحديدًا تتجدد أهمية تاريخ الجامعة الملية الإسلامية، إذ يظل حتى اليوم حيًّا ومرتبطًا بواقعنا وذا معنى عميق بالنسبة إلينا.

*رئيس قسم اللغة الفارسية، الجامعة الملية الإسلامية، نيودلهي.