شاه تاج خان (بونه)
تنحدر الشاعرة والناشطة الاجتماعية جميلة نشاط من مدينة حيدر آباد، وتتميز شخصيتها بجانبين بارزين؛ الأول يتمثل في شعرها المقاوم، والثاني في مؤسستها الاجتماعية "شاهين". وقد كرّست جميلة نشاط حياتها للدفاع عن حقوق المرأة.
وتؤكد أن على كل امرأة أن تتحلى بالشجاعة، وأن تثق بنفسها، وألا تشعر بالعجز أو الاستسلام. كما تدعو إلى تمكين المرأة من خلال التعليم، حتى تصبح مستقلة وقادرة على رفع صوتها في مواجهة الظلم وانعدام العدالة، وأن تعزز قوتها اقتصاديًا وفكريًا وعاطفيًا، بما يمكنها من السير جنبًا إلى جنب مع الرجل.
وفي حديث هاتفي مع "آواز دي وايس"، أوضحت جميلة نشاط أنه عندما أسست مركز شاهين لموارد المرأة والرعاية الاجتماعية وبدأت نشاطه، كان الاهتمام ينصب على تعليم الفتيات حتى الصف العاشر فقط، بينما كان التركيز بالنسبة إلى الفتيان على إعدادهم ليصبحوا أطباء أو مهندسين. وأضافت أن الأوضاع تغيرت اليوم، إذ أصبحت الفتيات يتابعن تعليمهن العالي ويعتمدن على أنفسهن.
وتُعد جميلة نشاط شاعرة أردية بارزة، وأديبة وناشطة اجتماعية، وتكرس جهودها للدفاع عن حقوق المرأة، ولا سيما الارتقاء بأوضاع النساء المسلمات ورعاية مصالحهن.
.jpeg)
وأسهمت مؤسسة "شاهين" التي أسستها جميلة نشاط في منطقة سلطان شاهي بالمدينة القديمة في حيدر آباد في مساعدة النساء المهمشات، ولا سيما المسلمات، على إيجاد حلول للمشكلات التي يواجهنها. وتؤمن جميلة نشاط إيمانًا راسخًا بأن تعليم الفتيات هو الخطوة الأولى نحو تمكينهن وتحقيق العدالة الاجتماعية، كما ترى أن التعليم هو السبيل إلى تمكين المرأة اقتصاديًا. ومن بين أولويات مؤسسة شاهين إعادة الفتيات اللاتي انقطعن عن الدراسة إلى مسار التعليم.
وتعمل جميلة نشاط على توفير فرص التعليم للفتيات اللاتي اضطررن إلى ترك المدرسة بسبب الفقر أو الضغوط الاجتماعية، وذلك من خلال نظام التعليم المفتوح، كما تشجعهن على التقدم للامتحانات ومواصلة مسيرتهن التعليمية. ولا يقتصر دورها على التعليم الأكاديمي فحسب، بل تحرص أيضًا على توفير التدريب المهني لمساعدتهن على تحقيق الاكتفاء الذاتي.
وتؤكد أن على النساء، من خلال التعليم، اكتشاف قدراتهن وإمكاناتهن، وأن التعليم التقليدي ينبغي أن يقترن بالتدريب المهني، حتى تتمكن الفتيات من بناء مستقبلهن بأيديهن بدلًا من أن يكنَّ خاضعات للآخرين. وتضيف أن الفتاة المتعلمة القادرة على كسب رزقها لا تستطيع فقط إعالة نفسها، بل يمكنها أيضًا أن تسهم في تحسين مستوى معيشة أسرتها.
.jpeg)
ويتمثل الهدف الأساسي لهذه المؤسسة في توفير الحماية القانونية والاجتماعية للنساء اللاتي يتعرضن للعنف الأسري أو التحرش الجنسي. ومنذ تأسيسها عام 2002م، أسهمت المؤسسة بدور محوري في الحد من زواج القاصرات، كما قدمت الدعم القانوني والاقتصادي لآلاف النساء.
وأوضحت جميلة نشاط أنه في إطار أنشطة مؤسسة شاهين يُنفَّذ برنامج "سَكهي"، الذي صُمم خصيصًا لتقديم المساعدة الفورية للنساء الناجيات من العنف. ويوفر مركز سكهي الشامل جميع الخدمات الأساسية للنساء اللاتي تعرضن للعنف الجسدي أو النفسي أو الجنسي تحت سقف واحد.
وفي إطار هذا البرنامج، تُقدَّم للمتضررات الرعاية الطبية، والاستشارات القانونية، والإرشاد النفسي، والمساندة الشرطية، إضافة إلى توفير مأوى مؤقت بشكل عاجل عند الضرورة.
وتؤكد جميلة نشاط أن الهدف من برنامج "سكهي" هو ضمان ألا تشعر أي امرأة بأنها وحيدة بسبب الخوف أو العوائق الاجتماعية، وأن تجد الدعم والحماية في الوقت الذي تحتاج فيه إليهما.
وُلدت جميلة نشاط عام 1955م في مدينة حيدر آباد. وحصلت على درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي من الجامعة العثمانية، كما نالت دبلومًا للدراسات العليا في فنون المسرح. وتُعد من أبرز الشاعرات في الأدب الأردي، إذ عُرفت بتناولها مشاعر المرأة وقضايا الظلم الاجتماعي في أعمالها الشعرية.
ويُعد التعبير الجريء عن وجود المرأة وهويتها أبرز سمات شعرها، إذ لا تقتصر قصائدها على البعد الأدبي، بل تمثل أيضًا احتجاجًا على الجمود الاجتماعي. وتمتزج في لغتها نكهة الأردية الدكنية مع ملامح الثقافة المحلية، لتقدم نموذجًا يجمع بين تراث الدكن والحداثة في تناغم فني مميز. ويتسم أسلوبها بالهدوء، غير أن أثره عميق، فيما تنجح قصائدها القصيرة في التعبير عن الألم الاجتماعي بأسلوب فني رفيع.
وحظيت جميلة نشاط بالعديد من الجوائز تقديرًا لإسهاماتها الأدبية والاجتماعية. فقد مُنحت جائزة مخدوم عام 1972م من قبل أكاديمية الأردية في ولاية آندهرا براديش، وذلك في بدايات مسيرتها الأدبية، تقديرًا لمواهبها وإسهاماتها المبكرة في مجال الأدب.
كما نالت جائزة ديفي براساد روي تشودري عام 1990م، تكريمًا لإنتاجها الإبداعي وإسهاماتها الأدبية المتميزة. وتُمنح هذه الجائزة عادةً للشخصيات التي تسعى إلى إحداث تغيير إيجابي في المجتمع من خلال أعمالها الفنية والأدبية.
وفي عام 2012م، حصلت على جائزة لادلي، تقديرًا لدورها في إبراز قضايا المرأة وتعزيز الوعي بالمساواة بين الجنسين في وسائل الإعلام والأدب.
.jpeg)
كما مُنحت جائزة مارثا فاريل عام 2021م في فئة المساواة بين الجنسين، تكريمًا لجهودها البارزة في الدفاع عن حقوق المرأة من خلال مؤسسة شاهين.
وإلى جانب ذلك، كرّمتها حكومة ولاية تلنغانا بمنحها جائزة خاصة عام 2019م، كما حظيت هي ومبادراتها بتقدير وإشادة من العديد من المؤسسات المحلية والوطنية الأخرى.
وتُعد جميلة نشاط اسمًا لم يكتفِ بجعل الشعر صوتًا للمرأة، بل انتقل إلى العمل الميداني ليضيء شعلة الأمل في حياة آلاف النساء. فمنذ أن حملت القلم شاعرةً، تحدّت التقاليد الاجتماعية البالية، وأثبتت من خلال مسيرتها أن الإرادة القوية قادرة على أن تكون بارقة أمل للفئات المهمشة في المجتمع.
اقرأ أيضًا: فوزية داستانغو.. امرأة كرّست حياتها لإنقاذ فن السرد القصصي من الاندثار
وتعرب جميلة نشاط عن ارتياحها لما حقّقته الفتيات من تقدم في مجال التعليم وإثبات الذات، لكنها تبدي في الوقت نفسه قلقها من تزايد حالات العنف الأسري، التي أصبحت تشكِّل مصدرًا حقيقيًا للقلق. وتشير إلى أن مركز "سكهي" يستقبل حاليًا ما لا يقل عن ثلاث حالات عنف يوميًا، وهو ما يعكس اتساع حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المركز.
وتؤكد أنها لا تشعر بالراحة ما لم ينل كل مظلوم حقه وتتحقق له العدالة. وهكذا يواصل قلم جميلة نشاط رسالته، كما تواصل خطواتها عملها الدؤوب في خدمة المرأة والمجتمع، وما تزال مسيرتها الإنسانية والأدبية مستمرة.