إيمان سكينة
غالبًا ما يُتذكَّر الاستقلال بوصفه اللحظة التي يتحرر فيها وطن من الحكم الأجنبي. فتُزيَّن الشوارع، وتُرفع الأعلام، وتُلقى الخطب، وتُستحضر تضحيات الذين ناضلوا من أجل الحرية. ولكن من المنظور الإسلامي، لا ينبغي أن يُنظر إلى الاستقلال على أنه مجرد تحرر من طرفٍ ما، بل هو أيضًا مسؤولية تجاه طرفٍ آخر؛ مسؤولية تجاه الله، وتجاه المجتمع، وتجاه الأجيال القادمة.
ويذكّرنا القرآن الكريم بأن الحرية والسلطة ابتلاءان ومسؤوليتان. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (القرآن الكريم، 4:58). ومن ثم، فإن الاستقلال أمانة. فمتى أُتيحت للشعوب فرصة حكم نفسها، أصبحت مسؤولة أمام الله عن كيفية استخدام هذه الحرية.
وإن أول واجب بعد الاستقلال هو إقامة العدل. فلا يمكن أن يكون وطن حرًا حقًا إذا كان الظلم يسود بين أبنائها. فالإسلام لا يجيز أن يكون العدل حكرًا على الأقوياء، بينما يُهمَّش الفقراء والأقليات والنساء والفئات الضعيفة. ويقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ (القرآن الكريم، 4:135). فالاستقلال الحقيقي يجب أن يفضي إلى بناء مجتمع يستطيع فيه كل إنسان أن يتطلع إلى الكرامة والحماية والإنصاف.
والواجب الثاني هو "النزاهة في الحياة العامة". فحين يصبح الفساد والخداع وإساءة استخدام الموارد العامة أمورًا شائعة، يفقد الاستقلال معناه. وعلى من أُوكلت إليهم مسؤولية إدارة شؤون الناس أن يتذكروا أن القيادة ليست امتيازًا، وإنما هي مسؤولية أمام الله. وقد علّم النبي ﷺأن كل إنسان راعٍ، وكل راعٍ مسؤول عمّن استرعاه.
ومن المسؤوليات المهمة أيضًا "حماية الضعفاء وخدمة المجتمع". ويولي الإسلام اهتمامًا كبيرًا بحقوق الفقراء والأيتام والأرامل وكبار السن ومن لا يملكون نفوذًا أو قوة. ولا ينبغي قياس نجاح الدولة المستقلة بالمباني والطرق أو معدلات النمو الاقتصادي فحسب، بل بمدى ما تبديه من تعاطف ورعاية تجاه الذين يكافحون في حياتهم.
وللمواطنين أيضًا مسؤولياتهم. فالاستقلال لا يعني حرية شخصية مطلقة من دون مساءلة أو مسؤولية. ويُشجَّع المسلمون على الإسهام الإيجابي في المجتمع، واحترام القانون، والحفاظ على الممتلكات العامة، ومساعدة الجيران، وتجنب الأفعال التي تزرع الكراهية والانقسام. يقول الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (القرآن الكريم، 5:2).
ولعل أعظم واجب بعد الاستقلال هو الحفاظ على "الوحدة". فالحرية التي تحقّقت بالتضحيات يمكن أن تضعف بسهولة بسبب الكراهية والتحيز والأنانية والانقسامات الداخلية. ويحذّر القرآن الكريم المؤمنين من التفرق، ويأمرهم بالتمسك جميعًا بحبل الله.
ومن ثم، ينبغي ألا ينتهي الاستقلال بالاحتفال، بل يجب أن يكون بدايةً لمرحلة جديدة من المسؤولية. فالسؤال الحقيقي ليس فقط: "كيف حققنا حريتنا؟"، وإنما: "ماذا نفعل بهذه الحرية؟".
اقرأ أيضًا: "الوطن أولًا".. عائلة الشيخ تحافظ على تقليد صناعة العلَم الهندي منذ 52 عامًا
ومن المنظور الإسلامي، ينبغي أن تكون الإجابة: العدل، والنزاهة، وخدمة المجتمع، والرحمة، والوحدة، وتحمل المسؤولية أمام الله. وتُكرّم الأمة استقلالها حين تجعل من حريتها وسيلةً لصون كرامة الإنسان والوفاء بحقوق أفراد المجتمع. فالحرية نعمة، وكل نعمة تحمل في طياتها مسؤولية.