أكاديمية شبلي وحركة استقلال الهند

14-08-2026  آخر تحديث   | 14-08-2026 نشر في   |  آواز دي وايس      بواسطة | آواز دي وايس 
أكاديمية شبلي وحركة استقلال الهند
أكاديمية شبلي وحركة استقلال الهند

 


محمود عاصم*

في مدينة نائية من مدن الهند الضجيجة الملئية بالنشاطات المناهضة للإنجليز واستعمارهم، يصلي المسلمون صلاة المغرب تحت السماء المفتوحة والمهاتما غاندي يجلس في آخر الصف ينتظر انتهاء الصلاة ويشير بإصابعه إلى مصاحبيه للسكوت الكامل بسبب الصلاة. وهذا مكان دار المصنفين في أكاديمية شبلي التي تقع في مدينة أعظم جراه بولاية أترابراديش وذلك في عام 1929م.

ومنذ نشأتها في عام 1914م لم تتميز أكاديمية شبلي باعتبارها أقدم أكاديمية في شبه القارة الهندية على نهج وطراز مؤسسات البحث العلمي الحديثة في الغرب بل مثّلت دورًا محوريًا في حركة استقلال الهند من براثن الإنجليز وشارك أهلها في النضال ضد الاستعمار.

نظرة على مكانتها العلمية في شبه القارة الهندية

احتلت الأكاديمية خلال فترة وجيزة مكانة مرموقة في الأوساط العلمية والبحثية وأصبحت وجهة للعلماء والباحثين من مختلف أنحاء العالم؛ إذ كان علماء من مصر وسوريا والمغرب وفرنسا وتركيا وغيرها من الدول يقصدون الأكاديمية طلبًا للمساعدة في إنجاز أعمالهم ودراساتهم البحثية.

وقد حظيت المؤسسة بمكانة رفيعة من الاحترام والتقدير في الأوساط العلمية إلى درجة أن مولانا أبا الكلام آزاد، أول وزير للتعليم في الهند المستقلة، عندما سُئل عمّا إذا كان يرغب في خدمة المؤسسة بصفته زميلًا فخريًا، أجاب بكل تواضع واستعداد:"سأخدمها بكل سرور حتى لو كان ذلك بصفتي حمالا".

وخلال المسيرة التي امتدت لأكثر من قرن، نجحت أكاديمية شبلي في إثراء المكتبة العلمية والفكرية بنشر أكثر من 275 كتابًا تتسم بمستوى رفيع من البحث العلمي والأهمية الأكاديمية، وقد صدر عدد كبير منها في مجلدات متعددة ومتنوعة. ولم يقتصر أثر هذه الإصدارات على اللغة الأردية بل امتد إلى لغات هندية وأجنبية عديدة؛ إذ تُرجمت مؤلفات الأكاديمية إلى العربية والفارسية والتركية والإنجليزية إلى جانب الهندية والبنغالية مما أسهم في توسيع نطاق انتشار إنتاجها العلمي والفكري.

ومن أبرز إصدارات الأكاديمية وأكثرها حضورًا مجلة "المعارف" الشهرية التي حظيت بتقدير واستحسان واسعين من قرائها وظلت الأكاديمية تصدرها بانتظام ودون انقطاع منذ عام 1916م. وقد وصفها الدكتور محمد حميد الله، الكاتب الإسلامي الشهير بأنها واحدة من أفضل المجلات في العالم الإسلامي، في حين أشاد بها الباحث السوري عبد الفتاح أبو غدة الذي يُعد من أبرز علماء العالم العربي واعتبر أكاديمية شبلي نموذجًا بحثيًا فريدًا لا نظير له في العالم الإسلامي.

وبمناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي للأكاديمية في نوفمبر 2014م، أشاد مكتب الإعلام الحكومي الهندي بالأكاديمية واصفًا إياها بأنها مُصاغة على التقاليد العلمية لمراكز التعلم القديمة في الهند وأن نهج الأكاديمية العلمي يعيد إلى الأذهان أمجاد العلماء الذين ازدهرت بهم مراكز العلم القديمة في نالاندا والقاهرة وتاكسيلا وما وراء النهر.

دور الأكاديمية في حركة استقلال الهند

لم تكن حركة استقلال الهند مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية مع الاستعمار البريطاني بل كانت في جوهرها حركة واسعة لإعادة بناء الوعي والهوية واستعادة الثقة. وفي هذا السياق برزت المؤسسات العلمية والثقافية والتعليمية بوصفها جزءًا مهمًا من الحركة وأسهمت في إحياء الوعي بالتاريخ وتعميق الاعتزاز بالتراث. ومن بين هذه المؤسسات تبرز أكاديمية شبلي وتمثل دورها خلال مرحلة حاسمة من تاريخ البلاد.

وقبل تأسيس هذه الأكاديمية المرموقة، أدّت مقالات العلامة شبلي النعماني دورًا مهمًا حيث لم يكن موقف شبلي النعماني من الاستعمار البريطاني موقفًا سياسيًا عابرًا، بل كان جزءًا من رؤية فكرية أعمق تقوم على استعادة ثقة المسلمين والهنود بأنفسهم وإحياء تراثهم العلمي والحضاري وتحرير العقل من الشعور بالهزيمة أمام القوة الاستعمارية. وبينما كان السير سيد أحمد خان يميل إلى تجنيب المسلمين الصدام مع السلطة البريطانية، كان شبلي أكثر ميلًا إلى بناء شخصية مستقلة واثقة بتاريخها وتراثها وقادرة على مواجهة تحديات العصر. وقد عُرف عنه انتقاده للسياسات البريطانية ولا سيما في القضايا التي تهم المسلمين والعالم الإسلام،وكما عبّر عن موقفه الشديد المعارض من الاعتداء البريطاني على مسجد كانبور عام 1913م.

وفي هذا السياق ليس من المستغرب -نظرًا إلى مواقف شبلي النعماني وكتاباته- أن تفرض الإمبراطورية البريطانية حظرًا على عدد من أشعاره ومؤلفاته لما حملته من مضامين تحفّز الوعي الديني والوطني وتناهض الهيمنة الاستعمارية.ويكتب البروفيسور خورشيد الإسلام في تقييمه لدور شبلي: "سيظل شبلي حاضرًا في الذاكرة بوصفه عالمًا أسهم في إذكاء الحماسة الدينية وتأجيج شعلة الاستقلال الوطني". وقد أدّت كتاباته المنشورة في مجلات "الهلال" و"زميندار" و"مسلم غازيت" دورًا مهمًا في تثقيف أبناء جيله وإثارة حماسهم. وكان شبلي يدعو إلى الوعي الإسلامي والوحدة بين الهندوس والمسلمين والحرية الوطنية متقدمًا بخطوة على السير سيد.

وأما أكاديميته فإنها مع مرور الوقت لم تعد مجرد مركز للبحث والتأليف، بل أصبحت ملتقى لعدد من كبار العلماء والمفكرين والزعماء الوطنيين. فقد ارتبط بها بدرجات متفاوتة رجال من مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية من أمثال المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو ومولانا أبي الكلام آزاد وموتيلال نهرو والدكتور ذاكر حسين وغيرهم. وكان لموتيلال نهرو -على وجه الخصوص- صلة خاصة بالأكاديمية حتى إنه كان يفضّل الإقامة فيها عندما كانت نشاطاته السياسية تقوده إلى المنطقة، وكما ارتبط جواهر لال نهرو بالمؤسسة بوصفه عضوًا مدى الحياة.

وبالمناسبة، لا بد أن نقول إن دار المصنفين لم تكن مؤسسة سياسية بشكل مباشر حيث لا تسمح لوائحها بالانخراط في العمل السياسي، ولكن ذلك لم يمنع علماءها وأعضاءها من المشاركة الشخصية في الحركة الوطنية. وفي هذا السياق برز اسم السيد سليمان الندوي بوصفه أبرز حلقة وصل بين المشروع العلمي الذي حمله أستاذه العلامة شبلي والنضال الوطني المستمر في الهند. وبدأ سليمان الندوي حياته الصحفية بالعمل في مجلة "الهلال" التي أصدرها مولانا أبو الكلام آزاد في مدينة كلكتا. وعندما هدمت الإدارة البريطانية جزءًا من مسجد في كانبور عام 1913م ووقعت مواجهات أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى فكتب الندوي مقالته الشهيرة "مشهد أکبر" في الهلال وكان لهذا المقال أثر بالغ حتى أُغلقت المجلة. ثم واصل نشاطه الوطني فكان من المشاركين في تأسيس حركة الخلافة ومن الأعضاء المؤسسين لجمعية علماء الهند وكما شارك في قضايا الحركة الوطنية وحقوق الفلاحين. وفي عام 1920م كان الممثل الوحيد لعلماء الهند في وفد الخلافة المتجه إلى لندن حيث أجرى مباحثات مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد لويد جورج.ومن هنا يمكن أن نقول إن شبلي وضع الأساس الفكري ولكن تلميذه البار السيد سليمان الندوي جسد جانبًا من هذا المشروع في الحياة العامة جامعًا بين العالم والكاتب والمفكر والمشارك في قضايا الحركة الوطنية.ومن ثم وبعد وفاة شبلي فإن قصة دار المصنفين في تاريخ استقلال الهند لا تختصر في كونها مقرًا اجتمع فيه بعض الزعماء الوطنيين بل تكمن أهميتها في أنها كانت بيتًا للعلم أسهم في صناعة الوعي الذي رافق معركة التحرر.

 تلاميذ شبلي وروح المقاومة

لم يكن العلامة شبلي النعماني مجرد مؤرخ وعالم ومصلح تربوي، بل كان صاحب رؤية فكرية أراد من خلالها أن يستعيد المسلم الهندي ثقته بتاريخه وحضارته وقدرته على صناعة مستقبله. وكان يختلف في هذا الجانب عن الاتجاه الذي رأى أن أفضل وسيلة لحماية المسلمين في ظل الحكم البريطاني هي الابتعاد عن السياسة؛ إذ كان شبلي أكثر اهتمامًا ببناء شخصية مستقلة وواعية بتاريخها وقادرة على التعامل مع تحديات العصر. وقد أسهمت كتاباته ولا سيما مقالاته وأشعاره المتعلقة بأوضاع العالم الإسلامي والاستعمار في تحريك مشاعر جيل من الشباب والمثقفين.

وكان مولانا أبو الكلام آزاد من أبرز الشخصيات التي تأثرت بالعلامة شبليحيث بدأت صلتهما في مطلع القرن العشرين ولكن التقى بصورة مباشرة عام 1905م حين كان آزاد في نحو السادسة عشرة من عمره، بينما كان شبلي في الثامنة والأربعين. وتحولت العلاقة سريعًا إلى صداقة فكرية عميقة؛ فقد وصف آزاد صحبة شبلي بأنها من التجارب الفكرية الثمينة في حياته وأشاد بعلمه وشغفه بالمعرفة. ولم يكن أثر شبلي في آزاد علميًا وأدبيًا فحسب بل امتد إلى رؤيته السياسية، حيث كان شبلي يحثّ المسلمين على المشاركة في الحياة السياسية وعدم الاكتفاء بالإصلاح التعليمي والاجتماعي وهو اتجاه وجد صداه لاحقًا في فكر آزاد ونشاطه الوطني.

ويكتب الباحث معين شاكر في هذا السياق: التقى آزاد بشبلي للمرة الأولى عام 1905م في وقت كان قد بدأ يشعر بخيبة الأمل تجاه الجانب العقلاني في فكر السيد أحمد خان الديني. وكما يؤكد الشيخ أبو الحسن علي الندوي جانبًا آخر من علاقة شبلي بآزاد يتمثل في الدور الذي أداه شبلي بوصفه أستاذًا وموجهًا فكريًا لتلميذه الشاب. ويقول في وصف تلك العلاقة: "عندما لم يكن العلامة شبلي يرضى عن مقال أو بحث كان يريد من أحد تلاميذه أن يكتبه كان مولانا آزاد يستفسر بهدوء عن الموضوع ثم يجلس فورًا لكتابة البحث حتى يأتي على النحو الذي ينال رضى العلامة شبلي.

وهكذا لم تكن علاقة شبلي بأبي الكلام آزاد مجرد علاقة عابرة بين عالم وشاب مثقف وإنما كانت تجربة تربوية وفكرية عميقة تركت بصمتها في تكوين أحد أبرز قادة الهند في مرحلة النضال ضد الاستعمار البريطاني. فقد وجد آزاد في شبلي أستاذًا يفتح أمامه آفاقًا جديدة في قراءة التاريخ والسياسة والفكر، بينما وجد شبلي في تلميذه الشاب عقلًا موهوبًا استطاع أن يحمل كثيرًا من تلك الأفكار إلى ميدان الصحافة والعمل العام والجماهير، وأصبح لاحقًا أحد أبرز الأصوات الصحفية المناهضة للاستعمار من خلال مجلتي "الهلال" و"البلاغ" وتحول القلم عند آزاد إلى وسيلة لإيقاظ الوعي السياسي والديني والدعوة إلى مشاركة المسلمين في حركة الاستقلال وربط النهضة الدينية بالمسؤولية الوطنية.

وأما مولانا محمد علي جوهر فقد كان واحدًا من أبرز أبناء الجيل الذي حمل أفكار المقاومة إلى ميدان السياسة والصحافة. وتشير الدراسات إلى أن كتابات شبلي وأشعاره المتعلقة بأوضاع المسلمين والعالم الإسلامي، ولا سيما مواقفه تجاه الخلافة العثمانية والسياسات الأوروبية أثّرت في عدد من الناشطين السياسيين وكان محمد علي جوهر من بينهم. وقد تحول هذا الوعي لاحقًا إلى نشاط سياسي وصحفي واسع ثم إلى قيادة حركة الخلافة والتعاون مع قادة الحركة الوطنية الهندية وفي مقدمتهم المهاتما غاندي.

وهكذا انتقلت أفكار شبلي من صفحات الكتب والمقالات إلى ساحات العمل السياسي، حيث لم يكتف مولانا جوهر بالكتابة بل أصبح أحد أبرز قادة الحركة الوطنية وشارك في بناء تحالف واسع بين المسلمين والقوى الوطنية الهندية في مواجهة الحكم البريطاني. وأصبح القلم والصحافة والخطابة والسجن وسائل في معركة واحدة عنوانها مقاومة الاستعمار واستعادة الحرية.

وفيما يتعلق عن مولانا حسرت موهاني، مناضل الحرية الشهير الذي أعطى شعار الاستقلال الشهير "انقلاب زنده باد" فكان يمثّل الاتجاه الثوري الأكثر جرأة في الحركة الوطنية. وإن حسرت موهاني كان ينتمي إلى البيئة الفكرية ذاتها التي كان شبلي أحد أبرز صانعيها: بيئة تربط بين الوعي بالتاريخ والاعتزاز بالهوية ومقاومة الهيمنة الاستعمارية. وقد اتخذ موهاني من الشعر والصحافة والعمل السياسي أدوات للنضال ضد البريطانيين.

وذكر المؤرخون أنه عندما أسّس حسرت موهاني متجرًا للمنتجات المحلية (سواديشي) في مدينة علي كراة بهدف نشر فكرة حركة "سواديشي" بين المسلمين وتشجيعهم على استخدام المنتجات الوطنية بدلًا من السلع الأجنبية، فقدم العلامة شبلي النعماني دعمًا ماليًا لهذا المشروع وذلك في خطوة تعكس تأييده للجهود الرامية إلى مقاومة النفوذ الاقتصادي البريطاني وتعزيز روح الاعتماد على المنتجات المحلية.

ولذلك، يمكن القول إن تأثير شبلي وأكاديمته في حركة استقلال الهند لم يكن في إنشاء تنظيم سياسي أو قيادة حركة ميدانية وإنما في صناعة جيل من المثقفين الذين آمنوا بأن التحرر السياسي لا ينفصل عن التحرر الفكري. وقد كان آزاد وجوهر من أوضح النماذج التي انتقلت فيها هذه الروح من مجال العلم والفكر إلى مجال الصحافة والنضال الوطني. وبذلك ظل شبلي حاضرًا في حركة الاستقلال لا بوصفه قائدًا سياسيًا عاش حتى لحظة الاستقلال حيث توفي عام 1914م، وإنما بوصفه معلّمًا فكريًا لجيل نال الاستقلال واستعاد الحرية من براثن الاستعمار الإنجليزي.

*باحث وصحفي، نيودلهي

قصص مقترحة