نيودلهي
بحسب ما تروي إم. إيه. فرح عن نفسها، بدأت رحلتها في ظروف عادية للغاية، لكنها أصبحت اليوم مصدر إلهام لآلاف النساء كي يحلمن بما يتجاوز القيود التي تحيط بهن. وُلدت الدكتورة إم. إيه. فرح في قرية صغيرة بولاية تيلانغانا، ونشأت في حي مسلم محافظ، لكنها استطاعت أن تبني مسيرة مهنية استثنائية بوصفها محامية في المحكمة العليا، وناشطة في العمل الخيري والاجتماعي، إلى جانب فوزها في مسابقات الجمال.
واشتهرت فرح بحصولها على لقب الوصيفة الأولى في مسابقة "Mrs India 2021"، كما حصلت على العديد من الجوائز والتكريمات، من بينها لقب "INDIA Photogenic"، وجائزة "STHREE SAKTHI"، وجائزة "AIWAA All India Women Achiever"، وجائزة "Naari Ratna"، وجائزة الإمارات الدولية، فضلًا عن اختيارها ضمن قائمة "FoxStory" لأقوى 50 امرأة في الهند. غير أن هذا النجاح لم يتحقق إلا بعد سنوات من الكفاح والتحديات.
وخلال حديثها في بودكاست مع غوهر واني، استذكرت فرح نشأتها المتواضعة. وقالت فرح: "وُلدت في قرية صغيرة، ودرست في المدارس الحكومية، وبدأت العمل معلمةً للمساهمة في دعم أسرتي ماليًا".
وكانت فرح الكبرى بين أربع شقيقات، ونشأت في أسرة تعتمد في معيشتها على دخل والدها الذي كان يعمل خياطًا. وعلى الرغم من محدودية إمكانات الأسرة، كان والدها يؤمن إيمانًا راسخًا بأن التعليم قادر على تغيير مستقبل الفتاة.

وقالت: "كان والدي يقول دائمًا إن التعليم مهم، لأن مستقبل الفتاة يعتمد على تعليمها".
وتحرص فرح على تصحيح الاعتقاد بأن النجاح لا يمكن تحقيقه إلا من خلال التعليم في المدارس الخاصة. وقالت: "ليس صحيحًا أن التعليم في المدارس الحكومية ليس جيدًا، فهناك أيضًا معلمون أكفاء ومؤهلون تأهيلًا جيدًا".
وبعد أن تلقت تعليمها باللغة التيلوغوية، واجهت صعوبة عندما انتقلت إلى الدراسة باللغة الإنجليزية خلال مرحلة التخرج الجامعي. غير أنها لم تسمح لحاجز اللغة بأن يثبط عزيمتها، بل واجهته بالإصرار والمثابرة.
وقالت فرح: "كنا نحتفظ بقاموس أكسفورد معنا ونترجم كل شيء. وكان لدينا غوغل أيضًا، وهكذا تعلمنا".
وبدأ فصل مفصلي في حياتها بعد زواجها في سن التاسعة عشرة، بعد وقت قصير من إكمال تعليمها في المرحلة الثانوية. وجلب الزواج معه تحديات جديدة، من بينها عدم حصولها على التشجيع من أسرة زوجها. غير أن والدها ظل يقف إلى جانبها ويحثها على إكمال دراستها.
وتمكنت من الحصول على شهادتها الجامعية في الوقت الذي كانت ترعى فيه طفلها الرضيع. وتستذكر قائلة: "كان ابني يبلغ من العمر ستة أشهر. وكان عليّ أن أرضعه، ثم أذهب إلى الكلية، وأنهي ما أستطيع من الدراسة بأسرع وقت ممكن بحلول الساعة الحادية عشرة أو الحادية عشرة والنصف، ثم أعود إلى المنزل لإرضاعه مرة أخرى، وبعد ذلك أرجع إلى الكلية".

وفي الفترة نفسها، تدهورت صحة والدها، ما اضطره إلى التوقف عن العمل. وفي مواجهة الضائقة المالية، بدأت فرح وشقيقاتها إعطاء دروس خصوصية لأطفال الحي. وقالت: "عندما انتهى العام، حصل طلابنا على نسبة 85 في المئة". وأكسبت النتائج المتميزة التي حققها الطلاب أسرتها احترام أهالي القرية، كما شجعت فرح على العمل في مجال التدريس للمساهمة في إعالة الأسرة. وقد أسهمت تلك التجارب في تشكيل فهمها العميق لمفهوم تمكين المرأة.
وقالت فرح: "ينبغي لكل فتاة أن تتحلى بالشجاعة والثقة بالنفس، فالإنسان لا يستطيع التقدم إلا إذا كان مؤمنًا بقدراته".
وبالنسبة إلى فرح، لا يقتصر تمكين المرأة على الاستقلال المالي فحسب، بل يعني امتلاك الثقة للتعبير عن الرأي، واتخاذ القرارات، والسعي إلى تحقيق الأحلام. وهذه الثقة هي التي قادتها لاحقًا إلى عالم مسابقات الجمال. وقد فتح فوزها بلقب "Mrs India" أمامها أبواب المنصات الدولية، حيث مثّلت الهند بصفتها متحدثة وناشطة اجتماعية.
وقالت: "إنه لشعور يدعو إلى فخر كبير عندما تسافر فتاة من الهند إلى بلد آخر بصفتها متحدثة، وتمثل الهند، وتعود إلى وطنها حاملةً جائزة "World Change Maker Award". ولقد كانت لحظة مؤثرة للغاية بالنسبة إلى والديّ".
وبدلًا من أن تعتبر مسابقات الجمال ذروة نجاحها، استثمرت فرح هذا التقدير في توسيع نطاق عملها الاجتماعي. ومن خلال مؤسسة "Farah Feed India Foundation"، تعمل فرح في مجالات التعليم والرعاية الصحية وتمكين المرأة، ولا سيما في المجتمعات الريفية. وتشمل مبادراتها توزيع الكتب والحقائب المدرسية ومستلزمات الامتحانات في المدارس الحكومية، إلى جانب تنظيم حملات للتوعية بغسل اليدين والصحة والنظافة.
كما تعمل المؤسسة على نشر الوعي بالحقوق القانونية للمرأة والقضايا المتعلقة بصحتها. وبصفتها محامية، تقول فرح إن كثيرًا من النساء ما زلن يعانين بسبب عدم معرفتهن بأوجه الحماية القانونية المتاحة لهن. وقالت: "الناس لا يعرفون حقوقهم، ولن يتمكنوا من رفع أصواتهم والمطالبة بحقوقهم إلا عندما يعرفونها".
وانطلاقًا من خبرتها القانونية، تنصح فرح النساء اللواتي يتعرضن للظلم بأن يحرصن أولًا على حفظ الأدلة قبل التوجه إلى الجهات المختصة. وقالت: "الخطوة الأولى هي جمع الأدلة، لأن الأدلة هي أساس كل شيء".

وترى فرح أن الوعي القانوني يُعد من أقوى الأدوات التي يمكن للمرأة امتلاكها. كما أطلقت فرح حملات واسعة للتوعية بالنظافة الصحية أثناء الدورة الشهرية في المناطق الريفية، حيث لا تزال الخرافات والمفاهيم المغلوطة المرتبطة بالحيض تؤثر سلبًا على تعليم الفتيات. وقالت: "لا يزال كثير من الناس يتعاملون مع الأمر وفق معتقدات قديمة، فيقولون إن على الفتاة أن تجلس في زاوية وألا تلمس أي شيء".
ورفضت فرح هذه المفاهيم الخاطئة، مضيفةً: "هذه عملية طبيعية مرتبطة بالجهاز التناسلي في أجسامنا، ومن المهم نشر الوعي بشأنها". وتهدف حملاتها إلى ضمان حصول الفتيات على معلومات صحيحة ودقيقة حول صحة الدورة الشهرية، وتمكينهن من مواصلة تعليمهن بكرامة وثقة.
وبالنظر إلى مسيرتها الماضية، ترى فرح أن كل عقبة واجهتها كانت تهيئها لتحقيق هدف أكبر. فمن الدراسة في المدارس الحكومية وتجاوز الصعوبات المالية، إلى التوفيق بين الأمومة والتعليم العالي، زادها كل تحدٍّ إصرارًا وعزيمة. واليوم، توجه فرح رسالة بسيطة إلى الشابات قائلةً: "آمني بنفسك، فعندما تؤمنين بنفسك ستتمكنين من تحقيق أحلامك".

اقرأ أيضًا: التعليم ركيزة نهضة الأمم وصناعة المستقبل
وكثيرًا ما تذكّر فرح النساء بأن لكل إنسان موهبة كامنة، لكن النجاح لا يتحقق إلا لمن يسعى إلى اكتشاف موهبته وتنميتها. وقالت: "عندما تشعر بالجوع، تأكل بيديك؛ وبالمثل، عليك أن تطلق موهبتك بنفسك وتبرزها".
وترى فرح أن المرأة عندما تمكّن نفسها، فإنها لا تغيّر حياتها وحدها، بل تسهم أيضًا في تغيير أسرتها ومجتمعها.
وفي ختام البودكاست، وجهت فرح رسالة، حثّت فيها النساء والشباب على تعزيز الثقة بالنفس، والعمل بجد، وعدم التوقف أبدًا عن الإيمان بقدراتهم.